رامي أبو شهاب - قطر

الـغـزو


رامي أبو شهابيبدو هذا الليل ثقيلا كجيفة باردة تنتظر أن تتحلل و تذوي، الفراش الرطب، أعقاب السجائر التي تحاذي الغطاء وقد فاضت عن منفضة السجائر كجثث ساقطة على أسورا طروادة، غير أنها هنا تستلقي على الأرض الإسمنتية الباردة ، كوب من الشاي لم يتبق منه سوى رشفة صغيرة غالبا ما أنذرها للريح المنسابة من نافذة تطل على زقاق مغلق فتتعفن بعد يومين من تركي لها كما أتعفن أنا هنا والمدينة هناك تصخب برذاذ البحر وهو يطأ أجساد النساء فينتعش البحر ويصخب .

تبدو هذه الليلة أطول من مثيلاتها، وأنا غير قادر على استحضار النوم من مملكته البعيدة، فسلطان النوم يبدو اليوم مشغولا عني، لا ريب أنه يكحل عيون الأطفال الصغار الخالين من الهموم، أو لعله غاضب مني لمقاومتي له ليال طويلة مارست فيها طقوس السهر في امتجاج متعة قراءة كتاب ما، لا بد أن تصرفي الشائن قد أغضب آلهة النوم، فقررت أن تسقط علي عقابها فحرمتني من بركتها، غير أن هناك شيئا، يقف حائلا بيني وبين أن أسقط خارا على وسادتي مستسلما كما هو أي شخص ينام كي يصحو مبكرا إلى عمله .

هي سيدة المصرف تتسلل إلى عيني وتقيم هناك فلا تبرح، فلا يغمض لي جفن ولا تهدأ جيوشي المهزومة وهي تتهيأ لغنائم طال انتظارها وتبحث عن ثأر .

في البداية، أو في اليوم الأول، لم أكن سوى عميل اعتيادي بالنسبة لسيدة المصرف، وربما لم أتجاوز بالنسبة لها سوى ظل يملأ فجوة الضوء التي أمامها، لم يلبث أن تغير ذلك في الأسبوع الثاني إذ انتبهت في اليوم الأول من الأسبوع الثاني إلى نبرة صوتي، فالصوت قادر على الولوج إلى الذاكرة أكثر ربما من الوجوه، هكذا تبادر إلى مخيلتي التي تضل الطريق أحيانا وتصيب أحايين كثيرة.

بعد أسبوع كامل استطاعت أن تعرفني من صوتي إذ رفعت رأسها وكأنها ألفت صوتي ورغبت في معرفة الوجه لحامل هذا الصوت وانتهت عند ذلك ، في اليوم التالي تجاوزت فكرة أني ظل بالنسبة لها، فقد بدرت منها ابتسامة صغيرة، ناوشتني قبل أن أصل لها وانتهت عندما وصلت لها، لتنشغل فيما بعد في الأوراق، بينما بدأت أسترق النظر إلى الزغب الخفيف الذي يمكث بين نهديها إذ كانت ترتدي قميصا يترك نحرها حرا وحادا، انتهت من الأوراق أسرع مما توقعت وغبت عنها أربعا وعشرين ساعة لأعود لها في اليوم التالي بنفس التوقيت لأجدها وقد تهيأت لحضوري في هذا الساعة بالذات، أطلقت تحية متحررة من قيود عملها قائلة :

"أهلا بك. يبدو أنك تحضر كل يوم بنفس الموعد."

أجبتها: "نعم. نعم."

صمتت وابتسامة بلهاء سكنت وجهي، صخرة كبيرة سقطت على لساني فحطمته، لم أنبس بعدها ببنت شفة، ولكن تابعت هذه المرة اكتشافاتي لها عند انشغالها بمراجعة الأوراق.

بدت رحلتي أكثر عمقا من ذي قبل، ففي تلك اللحظات القليلة توجت غزوي لها بمعرفة لون عينيها البنيتين، و اكتناز شفتيها، وقد بدت خيوط الروج البصلي في طريقها للذوبان من وطأة دفء شفتيها، خصلات شعرها الكستنائي على كتفيها تشي برقة أودعتني في بئر مظلم مهجور، أحسست أني وحيد إلى درجة البرودة، انتهت الأوراق سريعا، و لم يعد لدي من مبرر لوقوفي أمامها، فحملت نفسي ومشيت مثقلا حتى أوقعت نفسي على كنبة غرفتي، وأنا ما زلت مسكونا بتلك اللذة التي انتابتني ومضت بعيدا عني دون انتصار محقق .

في الموعد المحدد دون تضليل أو ادعاء بأنها لم تكن تقصد ذلك، كانت هي تنتظرني لأطل عليها في الساعة الثانية تماما، كانت هي أيضا بانتظاري، تتكاثر اللهفة لملاقاتي، تظهر في حركات جسدها وملابسها المختارة بعناية لتقوم بغزوي هي هذه المرة.

وقفت كما هي العادة كعامود كهرباء ورأسي يتدلى كسلك مقطوع، غرقت هي في الأوراق مدعية العمل، إذ بدت أنها قد أعجبت باللعبة، وبدأت تتواطأ معي. أدركت ذلك حين ظهرت، هذه المرة، بطيئة في الانتهاء من الأوراق، تتقصد إضاعة الوقت، كانت تدرك أن عيني تغزوانها —ويطيب لها ذلك— كما غزت جيوش نابليون بونابرت روسيا، سقط نابليون بعد ذلك فهل أسقط أنا أيضا؟

لقد أوصلتني سيدة المصرف إلى ميدان المعركة ، استدرجتني إلى عمق أرضها. آه، بدت لي أكثر جاذبية من ذي قبل في قميص أزرق يكشف عن ساعديها حتى منطقة الإبط، أحسست أن جسدها أصبح أكثر إشكالية من ذي قبل، ارتفعت يداها كي تبعد تلك الغرة التي منعتها عن مشاهدة الأوراق ومع ارتفاع الساعدين الرقيقين بان إبطها وبضع شعيرات ناعمة مهملة كانت كافية أن تجعلني ألهث نحو جحيم استعر في داخلي.

سقطت في ذاك الحضور الفاجر لسيدة بدت لي أشبه بغابات استوائية أهيم في مجاهلها، تخدشني أغصان أشجارها، تلتهمني وحوشها الضارية، دمي ينزف ويقطر على العشب اليابس، رائحة ورق جاف، رطوبة تنبعث من سراديب الغيم المشبعة كقربة ماء دافئ، تناهيت لها وسمعت وجيب قلبها، شعرت أن صدرها يعلو ويهبط، يبدو الورق مضطربا بين أناملها، النهدان تحت القميص يبدوان حائرين وحزينين، ونشوة وحشية تصلح ما فيهما من توق جميل.

جمعت الأوراق وقدمتها لي، وهي تبتسم، طبقة رقيقة من الورد على وجنتيها، كأنها كشفت جواسيسي إلى جسدها، أيقنتْ أن عيني كانتا تحتسيان الجسد الباذخ بتمهل ولذة حتى القطرة الأخيرة، قبل الرحيل الأخير شيعتني رائحة جسدها المشوبة برائحة عطر ناعم، حملت أوراقي وبت صفصافة حزينة أو فارس ضل جواده الطريق ، تجرعت غيابها للساعات القادمة، كما يتجرع جيش عرمرم هزيمته النكراء، عدت صوب غرفتي وسقطت في لعبة الاجترار لمكونات ذاك الدفق الأنثوي الهادر .

حملت ورقي في الصباح ويممت شطر المكتب، مرت الساعات ثقيلة لزجة، كان يومي دبقا، الساعات تلتصق في محجرها، لا تتزحزح، اليوم سأتحدث إليها، يبدو أنها غير متزوجة أريد أن أبقى في مدارات روحها، يكفي أن تستقبلني يوميا بتلك اللغة التي لا يفهما الآخرون ذاك الإحساس الغامض والعميق بأن هناك شخص ما يدرك وجودك، تلك الجيوش التي تغزو أرضاً حرام. هل تقبلي غزوي، ولو لم تصب سوى مشارفها، لا بد أن تتسع هذا الأرض للحظات أقوض فيها يباب روحي وإيباسها، اسمحي لي يا سيدتي بأن أتيمم بك فلا ماء في ساقية روحي، جسدي قطعة خشب مصيرها الاحتراق يوما ما .

وصلت إلى الكاونتر وقد هالني ألقها الذي يتخذ كل يوم منحى جديدا، كل يوم تفيض بأنوثة لا تبقي ولا تذر، كأنها تقول لي ها أنذا أجمل من ذي قبل في بلوزة تضيق كثيرا على النهدين، جلدني الحزن، تمنيت أن أقضمها كمن يقضم قطعة شوكولا، رغبت في أن أتوجه لها بالدعاء أن تعتقني منها، ولكنها لم تكن ترغب في ذلك، أصبحت حريصة على أن أبقى عالقا فيها ودونها.

وكالعادة انشغلت بالأوراق وكنت أنا أبحث في معجمي عن لفظة افتتح معها حوارا يقيني ويقيها بلل المطر المحسور، بدت الكلمة على خندق الروح تتأهب للخروج. حينها انطلق هاتفها المحمول برنة بددت ذراتي في سديم لا متناه، سمعتها تقول نعم سآتي للمنزل مبكرا ولن أتأخر في إحضار الأولاد من المدرسة، سقطت كلمتي وتقهقرت إلى جحيم الآلهة، علقت دمي النازف ككلب خرج من معركة مع وحش خرافي ضار ، عدت خطوتين إلى الوراء وقد انتبهت إلى ارتباكي و قدمت الأوراق لي، وقالت :

سأنتظرك غدا، فلا تتأخر.

D 1 آذار (مارس) 2008     A رامي أبو شهاب     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  سوبر ستار

2.  كلمة العدد 19: خطوة مهمة على طريق الجودة والتميز

3.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

4.  المرآة المعكوسة

5.  ناجي العلي: مقتطف من الأزمنة العربية


القائمة البريدية