هدى الدهان - العراق

لسعة النار


أقدام تتعثر بين عجلات السيارات شتائم لسائق لم يجد من يشتمه إلاه، أبواق تمثل لحنا واحدا ليد ضجرة لرجل قلق.

صبي صغير وحيد لأرملة شابة يركض بين السيارات ليبيع علب سكائره التي يحملها بخشبة معلقة على كتفيه. كم تشبه المقصلة! يتدلى رأسه منها. الحبل الجلدي يحز رقبته وتزيده قطرات العرق ألما بملوحتها، كم يفرح حين يخف حملها لتمتلئ جيوبه مكانها قروشا ليزيحها عنه في آخر النهار بعد أن احتضنها بطوله كأنها رضيع.

باع سكائره ذهب ليبتاع مكانها أُخرى من شخص يبيعهم إياها صباحا ليوزعوها له في مواقف السيارات وإشارات المرور. يربحون منها ما لا يُغنيهم عن مد اليد فارغة تستعطي.

يد تدفع له بالنقود يد. تكوّر أصابعها كقبضة مهددة إذا لم يبتعد عن طريقها. يد تزيحه عن الطريق بقوة. يد تحنو عليه تعطيه مالا دون أن تأخذ من سكائره شيئا. يد تربِّت على رأسه فقط. يد تضغط على يده الصغيرة ضغطة علمته الحياة تجربة مؤلمة لأحد أصحابه رواها وهو يبكي ألما لا ذُلا لأنه لم يكن قد فهم ما حصل بالضبط وقتها ومعناه. علمته تلك التجربة أن يقول لا لتلك اليد، ألّا يذهب مع صاحبها، أو حتى يصعد في المقعد جواره.

أياد كثيرة مرت في حياته، غيرت حياته، شوهتها أو رتقت فتقا فيها. أياد منانّة. أياد رحيمة.

كَبُر. كَبرت معه همومه ماعدا هم المال، فبفضل يد الأم التي تخيط الملابس ويده الصغيرة التي كبرت قبل أوانها، استطاع وهو في الأربعين أن يمتلك محلا خاصا به لبيع السكائر.

رفع بصره وكأنه يرتقي سلالم. القس يتلو خطبته، امتدت عينه إلى يده التي تمسك بحبات الوردية. المكان يعبق بالبخور وبتراتيل كنسية تُهدئ روحه الثائرة حين يسمعها تُنشد:

حبك النهر الذي يرويني ربي، نفسي لا تحتار عطشى.

أنت لي الراعي الذي يرعى وجودي، لا يخاف القلب وحشا.

فيك ما أرجو وأكثر. أنت للنعماء مصدر. أنت للنعماء مصدر.

أشعلت يده شمعة لم يكن قد نذرها، ولكنه يتفاءل بها، فكلما أشعل شمعة كلما استنارت روحه. لسعة خفيفة من الشمع المحترق وهو يحاول تثبيتها في مكانها. ذكّرته حرارة اللسعة بلسعة صفيح السيارات الحار صيفا وهو يغسله في الشمس اللاهبة طمعا في بضعة قروش أخرى حين تخفُ حركة السير. تُرى متى يتوقف هذا الحامض عن أن يأكل روحه؟ متى يتمتع بما بين يديه الآن وينسى طفولة لم يعشها وشبابا شاخ فيه؟

يأتيه صوت التراتيل من جديد ليوقظ روحه.

أي شُكر يا حبيبي يوفي ديني، يا إلهي كيف أشكر.

أي حمد أشدو كي أهديك مني، مهما كان أنت أكبر.

فيك ما أرجو وأكثر، أنت للنعماء مصدر، أنت للنعماء مصدر.

أحيانا كثيرة ينسى. يتناسى. غالبا يأتي من "يحرك الحجر من على باب القبر". تُرى ما الذي زحزح الحجر من على باب قبر ذكرياته؟ لا شيء جديدا حدث اليوم. ربما كلمات القس كانت تخاطبه هو بالذات. ذُهل وهو يسمعه يقرأ في كتاب "خبزنا اليومي":

بدل العيش في ظلال الأمس، سر في نور اليوم، ورجاء الغد.

آه! ترى هل حزر ما يجول بخاطره أم أنه اختار هذا الألم ليتحدث عنه لكثرة ما جاءه طالبا المشورة؟ أصغى السمع ليشفى أو على الأقل ليسكن الألم.

سمع القس بصوته المنساب بين المصلين كماء يستأذن العشب ليسقيه يقول:

مذكور في إصحاح فيلبي "انسى ما هو وراء، امتد إلى ما هو قدّام، اسعى نحو الغرض. يلقى بعض الناس صعوبة في التطلّع إلى الأمام برجاء لأنهم يديمون النظر إلى الوراء، يستغرقون في تفكير كئيب بأخطاء الماضي. وهكذا تصير إطلالتهم على المستقبل قاتمة تفتر حماستهم".

إنه حتى لم يفكر في المستقبل. لم يفكر في الغد. لا بل إنه يخافه، فربما يعيده الغد إلى آلام الأمس. ولذا يظل دوما خائفا حذرا منه. والعجيب لماذا الآن؟ لماذا يتذكر كل الإهانات التي تلّقاها من مئات السائقين؟ ولماذا يتذكر قرصات الأذن التي كانت تغدره بها غفلة أيدٍ موبخة لأولاد يكبرونه سنا ويتخيلون أنه سيأخذ منهم زبائنهم؟ تلك القرصات كم آلمته! وكم أبى كبرياؤه أن يُظهِر ولو اختلاجة ألم على وجهه!

لماذا الآن بالذات، بعد أن أصبح في مكان لم يكن يحلم به يوما لولا عمر من العمل وتوكيل صغير لبيع صنف بدأ يُطلب في سوق السكائر ودفع آخر قسط من أقساط البيت؟

ختم القس صلاته بالقول:

"فلنكفَّ عن النظر إلى الوراء والتفكير في سقطات الماضي وتقصيراته. وبنظرة متجهة إلى الإمام، لنتقدَّم بالأحرى في رجاء وفرح."

فكّر في نفسه: لماذا ونحن في قمة الفرح تلسعنا نار بركان تيقنّا تماما أنه خَمَد؟ أي يد خفية تعبث بروحه؟ تأكلنا السنون وحين نظن أنها شبعت ونمد يدنا لنتذوق حلو الطعام الذي كنّا قبلا فقط نسمع عنه أو نراه في أفواه غيرنا بعد لقمة أو لقمتين، تأتينا ذكريات الجوع والحرمان لتسلبنا مذاق الحلاوة وتترك مكانه أسنانا تعض على الشفاه حسرة أو ندما.

تعب من طأطأة رأسه، رفعه، أدار وجهه قليلا، رأى صورة للمسيح مادا يده إليه، مكتوب تحتها

"تعالوا إليّ يا جميع المُتعبين الثقيلي الأحمال وأنا أريحكم."

قرب الصورة تقف جارة لهم سكنت حديثا بعد أن تم تعيينها ممرضة في المشفى القريب من منزله وسمع عنها كل خير.

فورا خطرت له فكرة: حتى لا يسمع صوت روحه المعذبة، يجب أن يسمع صوتا آخر. الحل في يد أخرى. سيطلب هذه اليد، سيطلب يدها. وربما هذه اليد ستأتي له بأيد صغار تنتظره حين يعود من عمله وتفتح أصابعها العشر الصغيرة أقصى ما تستطيع لتمتلئ بحلوى ولعب.

أحس بالثلج الذي كان يخنق عشبه يذوب، وقرر أنه لن يترك راحة يده إلا غافية في يد أخرى.

JPEG - 23.1 كيلوبايت
رسمة لهدى الدهان
D 1 نيسان (أبريل) 2008     A هدى الدهان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  اتفاقية جنيف: أسرى الحرب

2.  التطبيع عن طريق الفن

3.  رجل الشاي

4.  رسائل ليست للنّشر

5.  منازلة


القائمة البريدية