جعفر أمان - السعودية

رفــض


عاد للحياة بعد أن اختار بطوعه أن ينزوي عن مجتمعه. وأن يبتر كل علاقة له بالعالم الخارجي. مختزلا عالمه بغرفة مظلمة بعيدة عن الضوء، عدا شعاع بسيط تسلل من الكوة الصغيرة، واصطدم بعمود دقيق بعثره إلى أشعة متناثرة كأصابع اليد.

كان يمارس الشرود الدائم. وكأنه يستجدي أيام طفولته وشبابه أن تعود. رافضا كل محاولة لإخراجه مما هو فيه. مفضلا العزلة على دوامة الحياة. مشيّدا سياجا عاليا يحمي به نفسه، لكيلا تطاله يد ولا تبصره عين.

وكما اختار بطوعه الانزواء، عاد بطوعه بعد سنين نافضاَ عنه الغبار المتراكم على جسده ونفسه. انطلق خارجا من سجنه الذي ارتضاه لنفسه، فكان أن اصطدم بواقع بات غريبا عليه.

لم يعد المكان هو ذاته. المساكن تبدلت من حوله، الساحات الفارغة امتلأت بمساكن جديدة، وحدائق، ومصالح حكومية. أحس بغربة شديدة مع أول إطلالة له. فبدلا من أن تتسع حدقتا عينيه انبهارا بالجديد الذي يراه، أغمض عينيه وكأنه يحتمي خلفهما من وحش ينتظر الانقضاض عليه.

بعد برهة بدأ يعتاد قليلا قليلا على المكان، دون أن يألفه أو يحس تجاهه بالحميمية التي كان يشعر بها نحوه قبل انزوائه.

تقدم خطوات ليقطع الشارع فأحس بغول وكأنه يود التهامه، وما كان ذلك الغول سوى دراجة نارية تسابق الزمن سرعة وخلفها عشرات أمثالها، ركابها ذو أشكال مشوهة وشعور مخيفة ورسوم مقرفة، يرتدون ملابس يحاكون فيها الغرب دون وعي أو إدراك. سقط على الأرض، ثم استند إلى جدار ليلتقط أنفاسه.

ما إن بدأ يستجمع قواه الخائرة حتى تناهت إلى سمعه أصوات عالية متسارعة، اعتصر سمعه حتى يتحقق من ماهية هذه الأصوات. برهة قصيرة وإذا به يلهث بعد أن تعرف على تلك الأصوات " طلقات رصاص ومن عدة جهات ومن أكثر من سلاح".

ما كاد يتوارى إلا وقد استضافت قدميه رصاصة طائشة، أطلق على أثرها صرخة مدوية تعاطف معها من حوله من المارة، والذين اكتفوا فقط بطلب الإسعاف.

بعد ساعتين أفاق في ضيافة المستشفى. أدار عينيه يستكشف ما حوله وإذا بها تقع على الرصاصة وهي تقبع في تلك الكأس الزجاجية بديلة عن الورد، نظر إليها ثم إلى قدمه، حاول تحريكها لكن آهة الألم سبقته. خاطب نفسه قائلا:

"ما هذا؟ ما ذنبي؟ ألهذه الدرجة تغيرت تلك الحياة الهادئة؟ ألهذه الدرجة باتت الفوضى هي السائدة؟ ماذا حدث؟"

ضحك بسخرية مشوبة بالألم ثم واصل:

"أنا الذي اخترت طوعا البقاء في بيتي، احتجاجا على أمور أعتبرها عادية جدا إذا ما قارنتها بكم التغيرات التي شاهدتها في ساعات معدودة. ماذا يعني هضم أقربائي لحقوقي؟ ماذا يعني سلب رؤسائي لجهدي وإنتاجي؟ ألم تكن تلك الحياة هادئة وديعة برغم هذا؟ ألم نكن قلبا على قلب، أقارب وجيران وأصدقاء؟ من لديه يعطي المحتاج دون منّّه. ابن جارك هو ابنك. حياة بسيطة آمنة."

ابتسم مجددا والسخرية والحسرة ملء شدقيه، وهو يقارن بين تلك الحياة البسيطة وما شاهده خلال الساعات القليلة الماضية، منذ كسر قيد عزلته مستقبلا حياة جديدة، كان فيها الخير والراحة.

كره البقاء في المستشفى. وقّع أوراق خروجه تحت مسؤوليته الشخصية. استقبل أشعة الشمس عند باب المستشفى الخارجي، الذي ما كاد يصل إليه حتى بدأ يسابق رئتيه في استنشاق الهواء، خوفا من أن يفوته شيء منه، حيث يحتاجه احتياج الطفل الرضيع إلى أمه.

وهو في هذا الهدوء والتسامح مع النفس، فوجئ بسيارة إسعاف تقف أمامه وموج بشري ابتلعه وهو يتدافع ليرى ماذا في تلك السيارة:

" أخرجوا المصاب. أخرجوا المصاب."

هكذا ردد المسعف مخاطب زملائه.

"ما به؟"

سأل أحدهم. فرد عليه الآخر:

"يقال إنه ضرب والدته حتى أفقدها وعيها، وسرق ما لديها من مال، ثم انهال على والده ضربا حتى أفقده الحياة. وأكمل جريمته بإسقاط حمل زوجته، بعد أن أوسعها لكما ورفسا."

"ولماذا كل هذا؟"

"لأنه مدمن على المخدرات، ولم يكن لديه ما يكفيه ليشتري ذلك السم، فلما بلغ شفير الحفرة ونادى جسده على المخدرات بإلحاح، فقد كل شعور لديه وحدث ما حدث."

"إنا لله وإنا إليه راجعون."

"وكيف وصل به الحال إلى هذه الدرجة؟"

"تعاطى جرعة زائدة، فسقط على إثرها دون حراك."

"لا حول ولا قوة إلا بالله."

في الجانب الآخر وقف شخصان يبدو على أحدهما التأثر بما يشاهده، وعلى الآخر السخط وعدم الرضا من كل شيء وليس فقط من ما يشاهده أمامه. سمع الثاني يقول للأول:

"ليس فقط المخدرات هي ما نعانيه في مجتمعنا."

فرد عليه الأول:

"وماذا هناك أفظع من تبعات تعاطي هذا السم، وما تراه أمامك أكبر دليل."

"كثير من المشاكل والقضايا التي تنخر في جسد المجتمع، وستقضي على كل ما فيه. وشواهد ذلك كثيرة منها: القتل، والخطف، والحرق، والسرقة، والتهجم على الآمنين، وكلها لأسباب تافهة، عدا عن الاغتصاب الفردي والجماعي للفتيات، والذي يكاد يحدث يوميا من قبل ذئاب بشرية ابتلي بهم المجتمع، و.. و.."

قاطعه:

"يكفي، يكفي، ما هذا؟"

بعد أن اكتفى هو الآخر من حديثهما والدهشة تعلوه، وجّه نظره صوب المسعفين الذين بدؤوا بنقل المصاب من السيارة للمستشفى والغمامة السوداء من البشر تلف كامل جسده. ضرب الجميع كفا بكف، ثم تفرّق الجمع.

عاد إلى رشده وكأنه انتهى للتو من مشاهدة فيلم على شاشة التلفزيون. استجمع قواه وبدأ يسير على غير هدى وهو يعرج. ما أن انعطف تجاه الشارع الفرعي، حتى تحلّق حوله ثلاثة فتيان شاهرين سلاحهم مهددين:

"أفرغ ما في جيوبك وإلا ضربناك."

دون مبالاة:

"ليس لدي شيء."

بعيون زائغة، والتفاتات غير مركزة، وصوت متحشرج، وكلمات غير واضحة، يقذف بها الفتيان الثلاثة:

"قلنا لك أعطنا النقود التي لديك، ساعتك، هاتفك الجوال، أي شيء عندك."

ببرود ونصف وعي:

"ليس لدي شيء."

استشاط الفتيان غير الراشدين غضبا، وهجموا عليه هجمة الأسد المفترس لفريسته. استسلم لهم دون مقاومة، وراح في غيبوبة.

أفاق من غيبوبته وإذا به في ذات المستشفى التي خرج منها. دون انتظار لطبيب أو توقيع لأوراق خروج، دلف خارجا، ولا توجد ذرة في جسمه لا تشتكي.

تحامل على نفسه حتى وصل بعد جهد وتعب إلى بيته، والنهار يسلّم الراية لليل في ذات الوقت الذي يسلّم رايته لمصيره.

أغلق باب منزله عليه مغلقا به كل علاقة له بمحيطه الخارجي. توجه صوب تلك الغرفة المظلمة وأحكم بابها، بعد أن رفض تلك الحياة الجديدة وما يحدث فيها وما يأتي منها، إلا ذلك الشعاع الذي يتسلل رغما عنه.

D 1 أيار (مايو) 2008     A جعفر أمان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  من تواضع ارتفع

2.  رمضانيات: هدأة في مد من الصخب

3.  الصوائت في التراث العربي ج2

4.  الفرح حكاية لا تنتهي

5.  اتجاهات الدرس الأسلوبي في مجلة فصول


القائمة البريدية