عباس علي عبود - السودان

الأوكار


عباس علي عبودصاح الطفل مشيرا بسبابته اليمنى إلى خفاش يتموَّج فوق البيوت، وبين أشجار النيم. لم يلتفتْ أحد إليه. كان عائدا من المدرسة يحمل حقيبته الصغيرة على كتفيه.

كانت الظهيرة قائظة، والسابلة يجوبون الطرقات تحت شمس ترسل شواظها إلى الحديد، والإسمنت، والإسفلت. أشار الطفل مرة أخرى وعلى جبينه دهشة حائرة، ثم قال في نفسه: يا له من خفاش غريب، يمرح في وضح النهار! في الدرس الأخير قال الأستاذ: إنَّ الخفافيش تظهر ليلا. هل تبدل النهار، أم الخفاش، أم كذب المعلم الوقور؟

في بلاد الأنهار، والألسن، والثمرات، حذر عقلاء المدينة من موجات الظلام المتلاحقة. قليلون هم مَنْ تفكَّروا في الأمر! بعضهم التقط الإشارة، بينما الخفافيش تتناسل وتجوب الشوارع، جهارا نهارا. قيل إنها قدمت من ثلاثة أوكار: فصيل انطلق من مركز رأس المال العالمي، الفصيل الثاني غادر أوكاره في مراكز الجهل المزمن، والثالث تحرك من بؤر الاستبداد التاريخي. بعضها عَبَرَ البحر الأحمر، تخطى التلال ثم طار فوق السهول الطينية. الآخر عَبَرَ فوق النهر جنوبا. أصوات واثقة نوَّهت بأنها خفافيش محلية، وُلِدَتْ في أوكار القهر والاستلاب، وتغذَّت من أثداء الأكذوبة. وقال كثيرون إنه خفاش عادي، وربما أصابه مس من الجنون. أهل المعرفة قالوا: إنه خفاش هجين. بيد أنَّ امرأة هاجرتْ حديثا من الصحراء إلى المدينة قالت: إنه خفاش ملعون!

ظهرت خفافيش النهار أول مرة في العاصمة. كان انتشارها بطيئا وسط البيوت، ثم تحولت إلى المدارس، وانتقلت إلى الأقاليم. بعد سنوات ظهرت سلالات جديدة. كان صراخها حادا، مزعجا. وقيل إنها تمصُّ دماء البشر حين تهاجم الأفراد في أطراف المدن، وفي الحقول والصحارى. أسراب من السلالة الجديدة غادرت البلاد عائدة إلى أوكارها القديمة. بعضها هاجر إلى جنوب شرق آسيا، فصائل قليلة عبرتْ البحر الوسيط شمالا.

في بلاد الأنهار، قليلون هم مَنْ استشعروا الخطر، حين نقلت الخفافيش نشاطها إلى الجامعة. ذهبت تحذيراتهم أدراج الرياح، والخفافيش تتسلل مع الخريجين إلى دواوين الحكومة. انحدرت البلاد إلى هاوية جديدة من الفقر، حين سُلِطَ عليها سيف الإذلال، وازدادتْ حرب الأدغال شراسة. ومع التغيير الدراماتيكي لأنظمة الحكم، تسللت خفافيش النهار إلى مراكز صنع القرار، ثمَّ بدأت في اقتناص العصافير على الضفاف. ومع السنوات ازدادت حجما وشراسة، فهاجمت قطعان الماشية والأغنام في المراعي. أفزعت طفلا على شاطئ النهر، فركض ليحتمي بأهله. تكاثرت أسرابها فتبعت المحاربين في الأدغال، تنهش الجثث، وتمصُّ الدماء، وترفرف بأجنحة الخراب!

يتناسل خفاش النهار مع دورة رأس المال، التي تمصُّ موارد الفقراء لتصبها في بنوك الأغنياء. يتراكم الجهل، والقهر، والمسغبة في الجنوب، وتزحف جموع المهاجرين حثيثا صوب الشمال. من أفريقيا وآسيا تتواتر أمواج المهاجرين. يزداد عددهم وعنادهم، يحدوهم أمل النجاح في التسلل إلى المدن الغنية. تطاردهم أجهزة الرصد المتطورة، شرطة السواحل، والطائرات المروحية. بينما خفاش النهار يتسلل من بين الأطواق الأمنية، والرصد المبكر. أمواج المهاجرين تتوالى، المئات، الآلاف والملايين. زحف يزداد إصرارا وقوة، تلبية لنداء الطبيعة القديم.

في مدن الشمال الغنية انكمش المواطن أكثر، بيد أنَّ خفاش النهار تسلل إلى المراكز والأطراف. ارتفعت معدلات الانتحار واكتظت العيادات النفسية. وسط مركز للتسوق صاحت امرأة بدينة: الخفاش. ساد الهرج وتدافعوا نحو المصاعد وبوابات الخروج. هرعت أجهزة الأمن والدفاع المدني وطوقت المبنى. نقلت سيارات الإسعاف المصابين بسبب التدافع إلى المستشفى. ظل المركز مغلقا لعدة أيام، لشكوك راودت رجال الأمن، بأن خفاشا ربما اختبأ في مكان ما، من المركز المتعدد الطوابق.

الخفاش. تردد صداها على الساحل والسيَّاح يتراكضون هلعا. أصبحت خفافيش النهار هاجسا خيَّم فوق البلاد الغنية. طفلة استيقظت في الصباح الباكر وهي تصيح: الخفاش. حاول والداها تهدئتها لكنها أكدت لهما إنَّ الخفاش يختبئ خلف الستارة. تشاور الرجل مع زوجته، هل يبلغان الشرطة، أم يقومان بتفتيش المنزل لوحدهما. الطفلة أكدت إنها استيقظت على صوت مفزع، وعندما فتحت عينيها لمحت الخفاش المرعب يجوب حجرة النوم. وعندما صاحت طالبة النجدة، اختبأ خلف ستارة الشباك. أصبحت مدن الشمال أسيرة لكلمة واحدة، تثير من الحيرة والارتباك، أكثر مما تثير من الفزع.

انتفض مركز رأس المال العالمي وقاد حملات بربرية ضارية، لتدمير البشر والحجر. مئات الآلاف حصدتهم آلة عسكرية شرسة، وما تزال طواحين الدم تدور، وبؤر جديدة تتفجر. أصبحت كلمة الخفاش، الأكثر تداولا في كل أجهزة الإعلام العالمية، والأكثر إثارة للرعب والهستيريا. جموع متلاحقة سقطت صرعى. خوف تغلغل في النفوس، فأصبح كابوسا مرعبا، ثم وسواسا قاتلا، بينما المهاجرون يزحفون مع دورة رأس المال الجهنمية. سقط الجميع أسرى الخوف الذي تبثه أجهزة الإعلام. وكلما تنازل مواطن الشمال عن بعض حقوقه، وحرياته، ازداد الخطر على حياته، وارتفعت وتائر خوفه. وُظِفَتْ تقنيات الرصد المبكر، عولمة الاستخبارات، وملايين الدولارات لوقف الزحف المرعب! خفاش النهار في كل مكان: في الأبراج السكنية العالية، وفي مكاتب الشركات متعددة الجنسيات. في مباني التلفزيون وكبريات الصحف. في الحدائق والساحات. شنت السلطات في بلدان كثيرة حملات متتالية على السواحل، أُبِيدتْ خلالها أعداد كبيرة من الطيور، حتى ضجت منظمات حماية البيئة، ومنظمات الرفق بالحيوان. انتشرت فرق متنوعة من رجال الشرطة. أين ما تحلُّ تقرأ ملصقات التحذير، أو تسمعها، أو تشاهدها على الشاشات الإلكترونية: احذر خفاش النهار، إنه قاتل خطير، هدفه تدمير الحضارة الإنسانية. احذر خفاش النهار! الكلمة السحرية في الأزمنة الحديثة. أفراد وجماعات ودول اُتهِمتْ بتعاونها مع خفافيش النهار. أُِقيمتْ السجون العلنية والسرية، اُنتهِكتْ كل القوانين والأعراف الدولية، وكلمة السر هي: محاربة خفاش النهار.

في مبنى الأمم المتحدة دوَّتْ صفَّارات الإنذار. هُرِعتْ سيارات الإطفاء والإسعاف، رجال الدفاع المدني، والشرطة، والمخابرات. وقُطِعتْ خطوط الهاتف. جابتْ سماء المبنى الطائرات المروحية، بينما الأقمار الصناعية في الأعالي تصور تفاصيل الحدث. طوَّقتْ المكان فرق متعددة المهام. قيل إنَّ خفافيش النهار ظهرت داخل المبنى، شاهدتها وفود عدة، كانت في طريقها إلى اجتماع أممي. كانت مئات الكاميرات التلفزيونية تصور كلَّ حركة وتسجل أيِّ صوت. محاولات عنيدة من الصحفيين والمراسلين لاقتناص معلومة ما. الأسئلة تدور وسط الهمس والترقب: هل وجدوا خفاشا واحدا على الأقل!؟ وهل هو من النوع القاتل؟ مئات الملايين في أصقاع الأرض المختلفة شدَّتهم شاشات التلفزة، يتابعون الحدث الفريد، من أهم مبنى في العالم. بعد ساعات من البحث، والتقصي، والرصد، لم تظهر معلومة، ولا بارقةُ أمل. وقبل أن ينحسر الطوق الأمني، والتلفزيوني، والصحفي، تعالت صيحات تعلن أنَّ أصوات الخفافيش المرعبة، سُمِعَتْ في الطابق السابع عشر. مرة أخرى ساد الترقب والخوف، بينما الطائرات المروحية ما انفكت تحوِّم حول المبنى.

فجأة بدلت محطة تلفزيونية المشهد معلنة عن ظهور الخفافيش حول تمثال الحرية. الحمام فرَّ بعيدا، والطائرات المروحية تدور حول التمثال. أكد زوجان أنهما شاهدا ثلاثة خفافيش كبيرة الحجم، كانتْ تدور حول التمثال، ثم صعدت إلى الشعلة واختبأت هناك. عدد من السيَّاح سمعوا صرخات غريبة يتردد صداها على الساحل.

إحدى الطائرات دارتْ مرتين حول يد التمثال المرفوعة عاليا، قبل أن يتصاعد منها الدخان. دوَّى انفجار هائل ثم هوتْ المروحية محترقة، بينما ابتعدت بقية الطائرات مسرعة. هلع وهستيريا خيَّمتْ فوق الحشود. تدافعوا هربا من خطر مجهول. رجال الإطفاء صوَّبوا خراطيم المياه نحو الطائرة المحترقة أسفل التمثال. قوارب مدججة بالأسلحة والكاميرات تجوب الساحل. قال معلق تلفزيوني ينقل الحدث مباشرة: هنالك احتمال، أنْ تكون الخفافيش قد هاجمت الطائرة، وربما كانت سببا في احتراقها!

هل شاهد أحد من الحضور، أو عبر شاشات التلفزة، خفاشا واحدا، يطير حول مكان الحادث؟ صحيفة عريقة نشرتْ صورة ثلاثة خفافيش تهاجم الطائرة المنكوبة. قِيلَ أنَّ الصورة ليست حقيقية وهي للإثارة، احتج آخرون بأن الصحيفة رصينة، فكيف تخدع قراءها؟ ثم إنَّ هذا العمل يُعَدُ جريمة لأنه يثير الرعب في قلوب الناس. ونَقلَ مركز المتابعة أنَّ أحد الطيارين قال قبل دوي الانفجار: لا نبصر شيئا، غمامة سوداء تقترب منا. وقيل أنَّ الخفافيش اخترقتْ الطائرة ومصَّتْ دماء الطيارين، ثم تصاعد الدخان. انفجرتْ الطائرة محترقة، وتناثرت بعض أجزائها فوق البحر، الذي امتلأ بقوارب الشرطة، والصحافة، والجيش. وقيل إنها حيلة من المخابرات لتستدر عطف المواطنين في حربها ضد الخفافيش!

هل هاجمتْ خفافيشُ النهارِ الطائرةَ المنكوبة؟

مَنْ يدري؟

D 1 حزيران (يونيو) 2008     A عباس علي عبود     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  رفــض

2.  كلمة العدد 104: الفقر والعدالة الاجتماعية

3.  من دفاتر المنفى: اللورد النبيل

4.  كلمة العدد 55: قرار العام الجديد

5.  الحقيبة


القائمة البريدية