إبراهيم يوسف - لبنان

على اللهِ العوض

أبي مِنْ أسْرَةِ المِحْراث
لا مِنْ سادةٍ نُجُبِ
وجدّي كانَ فلاحاً
بلا حَسَبٍ ولا نَسَبِ!
(محمود درويش)

لعلّه يأتي يومٌ مجيدٌ للسلام، يثوبُ فيهِ الإنسانُ إلى رُشْدِه وربِّه وعقلِه. يقدِّسُ الطبيعةَ "ويعبُدُ الأرضَ". ينبذُ العنفَ ويُحَطمُ بيديه ما اخترَعَهُ من آلات القتلِ والخراب.

وإنْ خانَتْنا أو خَذَلتْنا فرصَة ُ العمر، للخلاصِ من القمعِ والقهرِ والفساد، ومن أسبابِ القسوةِ على البشرِ والشجرِ والحجر، سندركُها في دارِ اللهِ الواسعة، الخاليةِ من الخيبةِ والمرارةِ والأحزان، ومن التعسُّفِ والتّلوثِ والمظالم، فيَسودُ العدلُ وينتصِبُ الميزان، ويعودُ الحقُّ إلى أهله؛ ويلتقي كلُّ حبيبٍ بحبيبه. ويلتقي الكلُّ بصاحبِ العزَّةِ والقسطاس.

عنبكانتْ كرومُ "المَعْصَرَة" مسرحَ طفولتي، ومُسْتودعَ سلامي وأحلامي وآمالي، أُرافقُ أبي إليها في صباحاتٍ مشرقةٍ ندِيَّة؛ خلالَ الصيف وأَواخرَ الخريف، في موسميّ القطافِ والتقليم. أُشاركُ في جمع الأعشابِ اليابسةِ الضَّارة، والأَغصانِ المقطوعة وقوداً للطبخِ "والتنور". كما أشاركُ في قطافِ العنب، ونقلِهِ إلى المعصرة على ظهورِ دوابٍ؛ قضَتْ عليها حضارةُ العجلات والأبواب الموصدة.

عصفوركنتُ الأبرع بين أصحابي في إعدادِ الأَفْخَاخ ونصبِها للعصافير. "أُمُّ سْكَعْكَعْ وأبو زْرَيْق؛" عصفوران في منتهى الغباء؛ سرعانَ ما يقعان في الشّرَكِ المكشوف! أمَّا أبو الحن فلا تنْطلي عليه الأحابيل، أدهى من الإنس والجن، يهوى الشجيراتِ الصغيرة وسياجَ الكروم، لا يخدعُهُ الحَبُّ المنثور ولا يقتربُ من الفخِ ولو مموَّهاً ببراعةٍ ليس لها مثيل.

كان العنبُ سليماً خالياً من الآفات، ومن آثارِ المبيداتِ الزراعيَّة، وصناعتُهُ تقتصرُ على الدّبس، وزبيبِ العنبِ والخَل، وكانتْ صناعةُ الخمورِ محظورةً ومن الكبائر، فكيفَ الحالُ بمن يتعاطاها؟ عندما نُمِيَ إلى أَبي أنَّ حفيداً له تعاطى الخمرة، دقَّ كفاً بكف وقالَ لأبيهِ بخيبةٍ ومرارةٍ وحزنٍ عميق: "ضاعَ الصَّبي. على الله العوض".

رَمادٌ فاتحُ اللون؛ يَنْتُجُ عن احتراقِ الفحم، هو "الصَّفْوَة". أفْضَلُهُ ما كانَ من حَطَبِ السّنديان. يَحتفظُ به "الكرَّامون" ليضافَ إلى زيتِ الزيتون فيشكِّلَ مُسْتَحْضَراً لزجاً، تُدهَنُ به عناقيدُ العنب من كلِّ صنفٍ ولون. "يتفنَّنُ" الأطفالُ فيَشُكُّونَ حبوبَ العنبِ؛ الأبيضِ والأحمرِ والأسود، تُزيِّنُها "أكوازُ" التين، والفواكهِ الموسميِّةِ الأُخرى، يوزعونها بعنايةٍ للتجفيف؛ في أعوادِ أشواكٍ كالشجيرات؛ فتبدو جميلةً كالعرائس.

العنبُ المعالجُ "بالصفوة"؛ يُنْشَرُ في أرضِ الكروم؛ تحتَ أشعةِ الشمسِ لأسبوع أو ما يزيد، فيتحوَّلُ إلى زبيبٍ يعمِّرُ مع اللوزِ جيوبَ الأطفالِ إلى المدارس، كما التينُ المجففُ والجوز، أو يُسْتخدمُ مع "القلوبات" الأخرى والفواكهِ المجفّفَة، في أطباقِ القمحِ المسلوق؛ عندَ "طُلوعِ" أسنانِ الأطفال، و"المَغْلي" عندَ الولادات.

يُنقلُ بالسلال؛ على ظهورِ الدواب العنبُ المخصَّصُ للدبس، إلى المعصرةِ القريبةِ القائمةِ على ربوةٍ صخريَّة، وسَطَ الكروم، وتتألَّفُ من بناءٍ مسقوفٍ متواضعٍ كالكوخ، يعلو درجاتٍ قليلة عن الأَرض، حيث يقومُ "المرجل"؛ وعاءٌ مستديرٌ شديدُ الاتساع، من نحاسٍ أحمرَ مبيَّضٍ "بالقصدير"، يكادُ لا يقوى على رفعِهِ فارغاً العديدُ من الرجال.

من خزانٍ رئيسٍ محفورٍ في الصخور، يَقومُ في أعلى الموقع، يَجْري العصيرُ مُنْساباً وفقَ مبدأ فيزياء الجاذبيَّة، عَبْرَ قنواتٍ صخريَّة تنحدرُ إلى الأسفل، وتتصلُ بخزانٍ آخر أقلُّ سعة وارتفاعاً من الأول، وقد تحوَّلَ العنبُ في الخزانِ الأعلى، إلى خليطٍ من العصيرِ والبذرِ والقشور؛ بعد دوسِهِ جيِّداً بأقدام نساءٍ "حسان"؛ أو رجالٍ ذوو بأسٍ وتصميم، لكي يُعالجَ العصيرُ المستحلبُ؛ في الخزانِ الثاني بأَتربةٍ كلسيَّة نظيفة؛ تلعبُ دورَ المصفاة، ثمَّ يُنقلُ العصيرُ المُصَفَّى بالأوعِيَة من الخزانِ إلى المرجل، حيث يتمُّ غليُهُ باستعمالِ الوقودِ من أغصانِ الكرومِ اليابسة، والحطبِ المتاح؛ حتى يتكَّثفَ العصيرُ بتحريكِهِ المتواصل؛ وهو يغلي على النار.

تحلو سهرةُ المعصرة على ضوءِ "الفانوس"، ونار الموقد؛ وجيمٍ مُعَطّشَة في حكايا الماضي المتنَاقلَة، يتميَّزُ بها لسانُ هذا الإقليم. ويَطِيْبُ إقبالُ "الكرَّامين" على طعامٍ مشتركٍ، من عناصرهِ الرئيسة "البرغل" وسائر الحبوبِ الأُخرى، ولم تكنْ يومئذٍ الأمراضُ المُسْتعْصِيَة معروفة. لعلَّها لم تكن موجودة في الأصل.

يشتركُ في التحكيمِ على كثافةِ الدبسِ رجالٌ مُحْتَرِفون، برفعِهِ بالمِغْرَفةِ إلى أعلى والإمعانِ في مراقبتِهِ وهو ينحدِرُ منساباً إلى المرجل؛ ليغدوَ دبساً كثيفاً شديدَ الحلاوة، محفِّزاً للسعراتِ الحراريةِ في فصلِ الشتاء، أو يتحوَّلَ إلى "جُلاَّبٍ" لا غشَّ فيه؛ شراباً مُنعشاً مُعطَّراً بالبخورِ، نافعاً ولذيذاً في رمضان.

تستغرقُ عمليةُ الغلي والتكثيف وقتاً طويلاً، ليلةً بكاملِها للمرجلِ الواحد، يتناوبُ الكرَّامون فيها على السهر. يُنقلُ الدبسُ بعدها بارداً إلى "الخوابي".

والخوابي متاعٌ لهُ اعتبارُه، أهميتُهُ كبيرة في الأرياف، يأتي بالآنية تجَّارٌ من أمكنة بعيدة، تتعرضُ في نقلِها إلى خطرِ التكسير، تحمِلها دوابٌ "شهيرةٌ بالحَرَد"؛ فحمارُ "الفاخوري" مَضْرَبٌ للمثل؛ موصوفٌ بالعناد والنكد. لهذا فالخوابي غاليةُ الثمن وعزيزةٌ على أصحابِها.

تتَّسعُ الواحدةُ منها لعشراتِ "الليتراتِ" بمكاييلِ اليوم، وتُستعملُ لحفظِ الدبسِ ومؤنٍ أُخرى، كالزّيتِ والزيتون. وأحجامُ الخوابي تتفاوتُ ولها تسمياتٌ أُخرى، "كالنَّعَارَة والمِحْلب"؛ واستعمالٌ مُخْتلِف كحفظِ الإدام "القاوَرْما"، أو لحفظِ المخلَّلاتِ؛ والباذنجانِ "المكدوس" بالزيت، وغيرها من حلوياتٍ يعشقُها الأطفالُ، كالسفرجل والتين والتفاح. يقتصدُ الأهلُ بها ويقتِّرونها على الأولاد؛ للحفاوةِ بالضيوف. كانوا يحتفظون للغريبِ بالصحنِ الأطيب، والفراشِ "الأوثر"، والبشاشةِ الأصدق، وكل ما من شأنه أن يحملَ إليهِ الراحةَ والأمان.

إذا كُسرتْ إحدى هذه الأَواني؟ استدعتِ النَّكَدَ في البيوت؛ وحلَّتْ بأَصحابها خسارةٌ لا تُعوَّض، خسارةُ الآنية نفسها؛ وجزءٌ من مؤونةِ السنة ومخصَّصاتِ الضيوف، والأطفالُ من أوائلِ المتضرِّرين.

ما حدثَ ذاتَ مرَّة؛ أنَّ أُمي وجدتْ إحدى الخوابي الفارغة مكسورة؛ عندما كانت تعِدُّها للاستعمال، فتأَسَّفتْ عليها وتساءلتْ عمَّن كسَرَها. وجاءَها مباشرةً جوابُ زينب، زوجةُ أخي، قاطعاً لا ريبَ فيه، بأنَّها ضبطتني متلبِّساً بالجرمِ المشهود، وأنا ألهو بقذفِ الحصى من "مرماةٍ" مطّاطيَّة في يدي؛ حينَ كسرتُها.

لستُ أدري ما الذي حملَها على الكذب. لعلّها ألقتْ بالتهمةِ على طفلٍ عاجزٍ في الدفاعٍ عن نفسه لتنأى بنفسها عن الشبهةِ والشك. وأُمِّي صدَّقتْها لأنها مطيعة تستشيرُها في كل أمر، وتثقُ بكفاءتِها في إدارةِ البيوت، فهي كما تقول: "بنت بيت" ، و"للسيف والضيف وغدراتِ الزمان".

في الواقع كنتُ بريئاً. لم ألهُ بالحصى ولستُ من كَسَرَ الآنية. أحسستُ بفيضٍ من الألم والهزيمة والخزي؛ وبكيتُ غيظاً من ظلم تلبَّسني؛ وعزَّزَ تهمتي، فأُمي تحبُّ زوجةَ أخي وتثقُ بها ثقةً عمياء. ضمرتُ لها الحقدَ في نفسي، لأنَّها ألبستني التهمةَ زوراً وظلمتني، وتحمَّلتُ بسببها الإهانةَ والتوبيخ؛ مغلوباً على أمري، وكرهتُ زينب الكنَّة الكاذبة؛ وعتبتُ على اُمي تكذِّبُني؛ وتصدِّقُها بلا دليل.

كم كانتِ المفاجأةُ كبيرةً وسارَّة! المفاجأةُ التي ضَحَدَتِ التهمة عني وأظهَرَتْ براءتي، وأفحَمَتْ زوجةَ أخي؛ شاهدة الزور الكاذبة، وأَسْقَطَتْها بالضربةِ القاضية، عندما وجدتْ أمي الخابية سليمةً، وأنَّها خُدِعَتْ بردَّة فعلِ الصوت، عندما دقَّتْ عليها بكفِها لتتأكَّدَ من سلامتِها.

أشهدُ صادقاً بالحق أن زوجةَ أخي تلك حملتْ همومَنا لاحقاً، وشاركتْنا أيامَنا الحلوةَ والمرَّة، وتحوَّلتْ حقاً إلى أمٍّ لنا جميعاً، فاحترمناها وأحببناها طيلةَ عمرِها، وحينَ رحلتْ بكيناها بصدق، وقبَّلتُ يَدَيْها في نعشِها، وأنا مؤمنٌ بالله واليومِ الآخر، وموقنٌ بأنَّها تستحقُ ثواباً ورضواناً؛ ومنزلةً عزيزةً في الجنَّة.

وبعد؛ فعلى اللهِ العَوَض مرَّاتٍ ومَرَّات. تَغَيَّرَ الزمانُ إلى ما لا نشتهي أو نرغب. فشِلْنا في كلِّ السياسات. اندثرَ إرثنا من الماضي؛ فاختفى دبسُ العنب، وصرنا نستوردُ الزبيب؛ وسائر الفواكِهِ والخضار؛ ومختَلَف الحاجيات. ألم يَنْهَنا "جبران" حينما قال: "وَيْلُ لأُمَّةٍ تأكلُ مما لا تزرع؛ وتلبسُ مما لا تنسج"؟

ضاعَ الرزق وقلَّ الأمنُ والأمان؛ وبلغنا حافةَ "المهوار"، بل بدأنا بالانزلاق إلى القاع. نَهَشَتِ الكسَّاراتُ الربوةَ الصَّخريَّة، حيث كانت تقومُ المعصرة فَحَوَّلتْها إلى كُوَمٍ من حصى، ونقودٍ مصرفيَّة من ذهب، دخلتْ في حسابِ النافذين، من أولي الشأنِ في الوطنيَّةِ والتخطيط. أما كرومُ المعصرة فقد جدَّدْتُ أجَفانَ أغْراسِها وبَقِيَتْ ميراثاً لأولادي، تَشْهَدُ على وفائي وحُبِّي لأرضي.

الحواشي:

"التنور": تجويفة أسطوانيَّة الشكل من فخَّار، يُخْبَزُ فيها. سريانيَّة.

" أكواز": مفرَدُها كوز، (فارسيَّة") وتعني الإبريق، وتستعملُ مجازاً عند العامة؛ للدلالة على ثمرة التين.

"القصدير": معدن أبيض فضيّ طري؛ تُطلى به بعضُ المعادن "كالنحاس" لحفظها من الصدأ، ويدخل في خلائط كثيرٍ من المعادن. (يونانيَّة).
"الفانوس": المَشْعَل. يونانيَّة.

الجيم المعطّشة: هناكَ الجيم القاهريَّة؛ وتُنْطق كما الحرف g في كلمة go الإنكليزيَّة. وهناك الجيم الشاميَّة؛ المستخدمة في معظم بلاد الشام وتُنْطق كما الحرف j . أمَّا الجيم المعطّشة فتُلفَظ بتدافع النَّفس؛ وما تُحْدِثُهُ من ارتدادٍ وارتجاجٍ واسع في سقف الحلق.

"البرغل": جريش خشن مِنَ الحنطة المسلوقة. تُركيَّة.

"الجُلاَّب": العَسَل أو الدبس وخلافهما؛ عُقِدَ بماءِ الورد، أو البخور. فارسيَّة.

"الخوابي": مفردُها الخابئَة والخابية، وهي الجرَّة الضخمة. وبنتُ الخابية هيَ الخمرة.

"الفاخوري": (عاميَّة) صانع وبائع الخزف؛ أو الفخَّار، واسمُ الفاعل "فخَّاري" وليس فاخوري.
"القَوَرْما أو القاوَرْما" :نوعٌ من لحم الضأن المعالج بالملح والطهي الكافي على النار.

"أجْفان" مفردُها جَفْنَة: أصلُ الكَرْم وقضبانه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC