عدلي الهواري

كلمة العدد 66: عن الأدباء والمفكرين

عدلي الهواريقبل ظهور الإنترنت كانت الصفات التي تطلق على العاملين بالأدب والفكر، كصفة أديب أو مفكر، ليست شائعة كثيرا. وعندما تطلق صفة أديب على طه حسين، مثلا، لا يكون ذلك من باب المجاملة، فالرجل أمضى حياته في ميدان الأدب وله مؤلفات عدة.

وصفة مفكر ربما كانت أقل انتشارا من صفة أديب، ذلك لأن المفكر يتعمق في الأفكار، وينتج فكرا قد يصبح أساسا لفكر قومي أو اشتراكي أو ليبرالي، وخلاف ذلك. والمفكر يصدر كتبا ليست للاستهلاك اليومي والقراءة السريعة في الحافلة على الطريق إلى العمل.

بعد انتشار الإنترنت انتشر أيضا استخدام صفة أديب، ولم تعد هناك حاجة لان تكون هذه الصفة اعترافا من الآخرين بالجهود الأدبية لمن يحصل على اللقب، بل صارت وصفا يطلقه الشخص على نفسه.

من المؤكد أن صفة الأديب لا يستحقها فقط بعض الأسماء اللامعة من أجيال سابقة، فلكل جيل أدباؤه، ولكن لو نظرنا إلى سجل مؤلفات الكثيرين ممن وهبوا أنفسهم صفة أديب وجودة هذه المؤلفات لوجدنا أن أساس اللقب ليس قويا.

وبعد انتشار الإنترنت والقنوات التلفزيونية الفضائية، زاد أيضا عدد من يشير إلى نفسه بالمفكر. ولكن الملفت للنظر أن بعض المفكرين لهم حضور متكرر بكثافة في ستوديوهات القنوات الإخبارية، أو حضور متكرر في الصحف على شكل مقال أسبوعي. هاتان الممارستان مناقضتان لسمات المفكر، فعندما يصبح المفكر ضيفا دائما في ستوديو الأخبار ليعلق على أحداث متلاحقة، لا يختلف كثيرا عن الصحفي الذي يعيش على التعليق السريع على الأحداث. والمفكر الذي يكتب رأيا أسبوعيا في أحداث جارية لا يختلف كثيرا عن شخص يمارس مهنة الكتابة فيكتب ما يريد كل أسبوع.

لا يعني الكلام أعلاه أن المفكر يجب ألا يظهر على شاشات التلفزيون أو ألا يكتب في صحيفة. الفرق شاسع بين حضور متكرر بكثافة أو زاوية أسبوعية، وبين حضور متباعد ولكنه عندما يحدث يكون على أهمية عالية، ولا يذهب مفعوله بانتهاء الظهور التلفزيوني. وهذا أيضا ينطبق على "المفكر" الذي يكتب رأيا أسبوعيا، فهو مضطر للكتابة بسرعة، وتضيع بذلك صفة التأمل والتروي والتفكير قبل الكتابة.

وسائل الإعلام ليست بريئة من المبالغة في صفات من يظهرون على الشاشات أو يكتبون في الصحف والمجلات، فهي تريد أن تقول للمشاهد أو القارئ إننا نتعامل مع أناس على مستوى عال، ولكن اختيارها هذا الشخص أو ذاك لا يكون لاعتبارات مهنية دائما.

المشاهد أو المستمع أو القارئ يجب ألا تخيفه الألقاب، ويجب أن يحكم بنفسه على ما يهذر على الشاشة أو في الصحيفة والمجلة. الاستكانة إلى وجود فئة صغيرة من الأدباء والمفكرين والمثقفين ومقابلها جمهور يقتصر دوره على التلقي والإعجاب والتصفيق وصفة لإدامة التخلف الفكري، وترسيخ العلاقة بين الناس وفق ظاهرة الأبراج العاجية، التي تعيش فيها قلة، وتطل من عليائها على الجمهور، وتكون الطلة في كثير من الأحيان مشوبة بالازدراء للجمهور لا مليئة بالحب والتقدير له.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC