أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 28: 2008/09 » شبق الأبنوس وقداس الدموع

الهادي عجب الدور - السودان

شبق الأبنوس وقداس الدموع


الهادي عجب الدورالشموس الرائعة كانت يوما ما خيمة من وهج الفرح، وقداسا، وصلوات، وأجراسا بطعم السلوى، وقبلات حبيباتنا المدهشات العجيبات. ونوافير المطر الدافئ في جوف السافانا كانت لحنا وعباءة للحياة والأمل والتضحيات. وفي الأفق الواسع تغريدة السهول الخضراء، وشلالات الأحلام الوارفة. والتأملات العميقة في دمائنا قاموس للشبق والعناق. ونسمات الأرياف الجميلة موسيقى سرمدية تحت سفوح الجبال الزرق. ومرجوحتنا الأسطورية تغرس في نفوسنا لحون الفرحة والعناق.

كل شيء نشيد مطرز بعبق الأبنوس، ودفء السافانا، والأغنيات المشرقة، ورائحة المطر المنعشة. وغربتنا الطويلة صعقتنا بالصمت والوجوم، والأغنيات الباردة، وقتامة الغموض، ونسمات الملح. ووحل المدن الضبابية الخرساء يلوننا بصقيع الشمال البارد، ورائحة الجليد، وخفوت العيون الدافئة.

هنالك في أحشاء السافانا كنا نغنى معا، والأغنيات الشاحبة تثكلنا بلون المطر النادر، ووحشة المكان، وصدمة الغربة القاحلة. ولدتنا مواعيد للذكريات من فتات الرحلة. ورائحة الخريف هنالك ترنيمة من سحر المكان. وضفائر الأبنوس كرنفال من عطر الدهشة وقناديل الشجون. ومخاض الأبجدية يدفق في نبض أرواحنا نشيد للوهج والعنفوان، ومرجوحة المواويل الأولى والشجي العنيد.

ما أتعس رائحة الشتاء المبرقع بالدموع الحامضة ورياح الغربة البارد! آه، حبيباتنا البلوريات مثل رحيق الأحلام، وشبق الغابات الخضراء. ودفء المطر الاستوائي يسكب في دمائنا عطر القوافي.

تحت أجفان النجوم المسرجة بالأمل أوقدنا شموع الحنين والنشوة والشجون المترعة بالذكريات البعيدة. وفى عروقنا تنضح دهشة المواويل ودموع صبايا دارفور المسحوقة بالألم العميق، تزرع في نبض أرواحنا جدلية المكان وخلايا الزمن الإهليجي. وفي الأفق العنيد ترسمنا الشموع القديمة كالقصائد البلورية المبرقعة برائحة الإكسير، وتنسج في أعصابنا وشاحا من أناشيد القبل المموجة الباردة والرعاشات الأبنوسية العابرة.

وعلى حنايا ضلوعنا الشاحبة تترسب خفقات الليالي الطويلة الملبدة بالدموع المغبرة، برماد الحريق، وركام السهاد الطويل. والأحلام البعيدة تراودنا سرا بغواية وغنج البؤساء، وتترقرق بعناد على محاريب دلتاوات سهادنا المر كالشلالات البرونزية الحزينة.

ونحن وسط غابة الوحل الشاسع عصافير من خامة المطر تبللنا بحسرة، زغرودة الوطن المفطوم بالمحن والانحناءات المهلهلة كدموع المقلات السريالية خلف نافورة الأشواق. ولوحات الخريف الهش في همساتنا ترقد بشحوب على قارعة الطريق المتعرج، ينزوي معها حلم الجياع الممزق كصقيع الشمال البارد، وأنين الثكالى المر، ودمعات الأيتام الحزينة، ونواح الأرامل الفاجع، وصبر الشيوخ الطويل، ولهاث الطفولة العميق.

حكـــــــايات طويلة بلون العناد والصبر المهيب تنازعنا كالوحل المالح، وجبال الحزن والغربة القاحلة في مهجة قيثارتنا المسكوبة على حبر الأبجدية. طقوس من رعشة المخاض، وأي مخاض نجلله، ننسجه بالدعابات والعناق، ونقدسه في كل محاريبنا السرية الغالية، ونستنشق منه نسمه الدموع العتيقة المطرزة بصهيل خيول الفرح، وطقوس النيل، ومواويل جبل مرة الفاتن البعيد، ورمال الصحراء الذهبية.

آه! أي مخاض نرتل له الأناشيد العامرة بنسمة الفرح، وقبلات القصائد البضة، ونذرف فيه دماء قلوبنا، ونفض له غشاء بكارات حبيباتنا الأبديات بلون الفانتازيا العجيبة، ودموع أمواتنا المغمورة على الحروف الزرق، وأسداف الوطن العنيدة المكتوبة على دمائنا السمراء عنوانا بعطر الطفولة، وحماسة الرجولة ورحيق أحشاء قصائدنا المقهورة.

آه! وحلم ابتسامات حرية النهود المحظورة. كل شيء في قاع جرحنا يتلوى بشبق وعناد، كرياح الشواطئ البعيدة. ومطر السافانا الدافئ يفترش عمق الحكاية الزجلية في قاع جرحنا القاتم كالخرافة الغامضة، على نبض شجي العيون، والشموع القديمة، ولهفة العناق الحنين. وقصة أخرى مصقولة بالأحزان والتراجيديا المثقوبة برائحة الشروق. وهنالك الدموع الحسيرة تمد أهدابها القاتمة كالعار في عرف القبيلة. آه! وأي قبيلة نحن أيها الوطن السري كــــــــــعادات الأقوام الأولى، كالفانتازيا المهجورة على حيطان القصور العتيقة؟

نعم، نعم سنولد عاقون كلون الدم، وشـهقات البارود، وجدليات الظلال الرمادية، وأطلال اللحود ما دام آباؤنا نشازا على مقياس رسم الخريطة. ما دام عشقنا اغــــــــــتيالا لأنوثة القصيدة، واقتحاما لحروف الأحلام العميقة، واغتصابا لشبق الــــــورد، وصدر المرايا الفضية، ونبض الخلايا السيمفونية، وسرادقات قبلات الأشواق، وترنيمات لحن الأمواج العنيدة المعبقة بوهج الأبنوس، ونهود تضاريس الخريطة المشبعة غزلا وتجليات وعناقا ودعابات.

من نحن إذا لم نتذكر طعم جرحنا، وحطام حروف أنشودتنا المنكوبة على رحم المطر؟ أنشودتنا كل المكان، واللحن الجغرافيا والشلالات المسافرة في قاع الأحلام.

تحت دمعة البداية الأولى، تمزقت ثياب قصائدنا البكر كحبال الحطاب اللئيم، وتلونت الكلمات المنقوشة بالفرح ودفئنا الأبنوسي، كســجون الأدغال البعيدة، وتكسرت مجاديف لحننا كفتات الخبز، وأي خبز نشتهيه ونتمناه هناك؟ وهناك الدموع أكبر من نواح الجغرافيا وحلم الجياع. يا ليت لقصائدنا لبن نرضع منها النشوة والتجليات والأحلام الدافئة زمن المطر.

آه! القصة كبيرة كبيرة بل أكبر من أفق السجان واللوحة هناك حزينة؛ حزينة بحزن المكان وفى لبها شموع ودموع إنسان.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2008     A الهادي عجب الدور     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الله أحن

2.  ثوبي ابيض

3.  أم الأسير

4.  انتظار

5.  دعوة للحياة: ح 4


القائمة البريدية