رامي أبو شهاب - قطر

قطعة حلوى


رامي أبو شهابلم تكن تعلم أن الذهاب للتسوق سيبعث حيواتها التي بادت منذ زمن بعيد، وسيعيد تقشير خلايا عقلها لتسحق قشور الخيبة والإهمال، وربما الكف عن عادة إدمان أحلام اليقظة على فراش بارد وجاف، لعل الحائط الذي مارست معه الحب مرارا وتكرارا سيكف عن كونه شاغلا ومشغولا فيه، لم يكن يكلفها شيئا حين لا ترغب به سوى أن تضع رأسه تحت الغطاء وتنهي معادلة الحلم وتغيب في بياض النوم المتأرجح.

شعرت به يقترب تارة ويبتعد تارة أخرى ، يحاول أن يلتقيها مصادفة أو أن يظهر كذلك ، أحست بعينيه ترصدانها أينما ذهبت، تداعت أحاسيسها المزروعة في حديقة مهجورة منذ آلاف السنين، لم تكن متضايقة، ربما لأنها لمحت في هيئته شخصا غير عادي ومثيراً للفضول، مما أتاح لها أن تلقي عن نفسها الشعور بالخوف والخجل، وشيئا من تأنيب الضمير.

بدأت تراقبه بحذر. لم تكن ترغب في كشف أوراقها، وتعرية أنوثتها المدلوقة على رخام الإهمال منذ قرون عدة. كانت حريصة على ألا يظهر عليها الاهتمام به، فبقيت محتفظة بجديتها وتفاصيل خطتها التسوقية. ها هو في الرف المقابل. ألمح شيئا من تضاريس وجهه خلف المنتجات المرصوصة على الرف. فراغ لا يتجاوز مساحة علبة واحدة من المعلبات، هي كافية كي يتمكن من مشاهدتي. إنه يتحرك قليلا. لعله يحاول أن يلمحني بوضوح. إذن سأصعب عليه المسألة.

أدارت ظهرها له وهو خلف حاجز المنتجات. وقفت تنظر إلى المنتجات المقابلة لها. أحست به يراقبها من خلف الحاجز. وقفت دون حراك لمدة تتيح له أن يتأمل خصلات شعرها المستلقية على كتفيها. أزاحت تلك الخصل بيديها بحركة تختصر مكر عالم الأنثى منذ حواء إلى الآن. لعله أيضا يتأمل جمال كتفيها، ويمعن النظر بما خلف قميصها الأبيض الخفيف من لحمها المنسحق تحت خيوط حمالة صدرها الواضحة جدا عبر القميص الأبيض الشفاف على خجل.

بدأت قطرات من العرق تنز تحت إبطيها. شعرت بها وهي محملة بتيار بارد سرى في جسدها فأحست بقشعريرة لم تعدم فيها شيئا من المتعة. جسد مفتوح على أبواب الجحيم. أحست به خلفها، قريبا منها، رائحة عطره، أنفاسه الدافئة على عنقها. كانت تعلم أنه ما زال هناك، خلف ذاك الحاجز، ومع ذلك تحس به قريبا دافئا كما لم تعاين هذا الإحساس من قبل.

فجأة استدارت إلى الخلف مباشرة محاولة أن تلتقط عينيه، ولكن خيبتها كانت موجعة، إذ لم تجد شيئا سوى فسحة فارغة بين علبتين، وبينهما الهواء اللا مرئي الشبيه بها. أحست بخيبتها تتسع كقوس قزح بعد ساعات متواصلة من المطر. تذكرت ذلك القوس حينما كانت طفلة، تقف وراء النافذة الزجاجية، تراقب ذلك القوس بألوانه الساحرة. كانت ألوانه تشبه حلما ترغب في أن يتكون، مع كل اتساع في مساحة الجسد نحو التشكيل الأنثوي البكر، خلف الزجاج عالم غامض وعصي على الإدراك.

استدارت جانبا. لمحت وجهه. هو يراقبها بقلق واستحياء، لا بد أنه كان ينظر إليّ من الطرف الجانبي على حين اعتقدتْ أنه يتأملها من خلف ذلك الحاجز. (لم أعرف متى بدل موقعه هكذا؟ لا بد أنه قد فاته تأمل شعري وخصلاته المقصوصة بعناية. هل يا تراه تأمل وجهي باستدارته الجذابة؟ ربما، لكن لم أكن أقف مقابله. ربما كان ينظر إلى جسدي وتحديدا إلى ردفيّ).

في هذه الأثناء غاب ظله من أمامها، شعرت بالاضطراب. أين ذهب؟ ولماذا اختفى هكذا دون أن يغرق في عيني؟ كانت تسير بين رفوف البضائع مطلقة لنفسها استكمال ممارسة حلم يقظة متعجل. (لو تحدث معي، لعرف كم أنا جميلة حين يقترب مني، لحدثته عن ولعي بقراءة الشعر، والعزف على البيانو، ولربما حدثته عن ولعي بالطبيعة والرحلات).

فجأة انطلق صوت من خلفها:

"لو سمحتِ مدام."

التفت بحركة سريعة مضطربة إلى الخلف. (ها أنا الآن سأكون أمامه مباشرة، سيرى مسامات بشرتي واشتعال وجنتي وثورة عطري، سأبدو أمامه خجولة ومندهشة ومتفاجئة). عاد الصوت مرة أخرى.

"هل تجرب سيدتي هذه الحلوى بسعر خاص؟"

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2008     A رامي أبو شهاب     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عندما تركتً سكني في المدينة/ج2

2.  الموعد القادم

3.  ناجي علوش: الماركسية والمسألة اليهودية

4.  مجلة رسالة الأديب المغربية

5.  المدرسة المأمولة


القائمة البريدية