ياسمينة صالح - الجزائر

يوم ككل يوم


عندما استيقظت صباحا، قلت في نفسي: ليكن اليوم جميلا. كان مدهشا أن أقول هذا الكلام بصوت بدا لي واثقا. قالت لي أختي وهي ترتشف القهوة قبالتي:

"أحتاج إلى النقود لشراء ما ينقص المطبخ من أغراض."

كنت أنظر نحو النافذة متأملة السماء التي بدت لي زرقتها دعوة حميمة إلى الحب. كررت أختي جملتها كي تلفت انتباهي أن علي أن أضع النقود قبل أن أغادر البيت.

ابتسمت وأنا أشير برأسي: نعم.

قالت كأنها تكتشف موضوعا يليق لحوار الصباح:

"القطة التي كنت تعتنين بها ماتت."

توقفت عن ارتشاف قهوتي. نظرت إليها قبل أن أقول: "ماتت؟"

قالت تشير برأسها: نعم.

"ماتت مع أنها كانت تلقى الرعاية التي لا يجدها إنسان العالم الثالث." قالتها وهي تبتسم بمكر.

فكرت فجأة أن عليّ أن أدفنها. كنت أرفض أن أرميها في المزبلة كما يفعل الناس بالأشياء التي يعتقدون أنهم يتخلصون منها إلى الأبد. وكأن أختي قرأت ما يدور في رأسي، فقالت:

"هل ستدفنيها؟"

لم أرد. ولم تعلق. أعتقد أنها فهمت الجواب. حاولت أن أقف لأغلق النافذة بعد أن صار ضجيج الشارع صاخبا غير محتمل. لكني لم أقف. بقيت جالسة أنظر إلى السماء. خيل إليّ أنني ألمح طائرة في الأفق البعيد. ركزت جيدا على تلك النقطة واكتشفت أنها تتحرك. إنها طائرة إذا.

"هل سترافقينني إلى السوق اليوم؟ أريد أن تكوني معي لـ..."

"لا رغبة لي في التسوق."

"على راحتك."

على راحتي. تمنيت أن أبتسم. وقفت وأنا أفكر أن عليّ أن أدفن قطتي. تساءلت:

هل تجوز على روحها الفاتحة؟

ربما تجوز على روحها التي لم تؤذ ولم تقتل ولم تغتصب، فقد كانت قطتي مثالا حيا للإنسانية التي مع الوقت اكتشفت أنها تجردت من الإنسان والتصقت بالحيوان.

كنت قرأت عن كلاب كثيرة أضربت عن الطعام بعد موت سيدها. لعل آخر ما قرأته قبل أسبوع عن كلب عرض حياته للخطر لإنقاذ سيده من الموت، في الوقت الذي ظل الناس يراقبون العملية ويلتقطون صورها بالجوال.

نعم، أعتقد أن الفاتحة تجوز على الحيوان.

اكتشفت أنني قضيت ساعتين ادفن فيهما قطتي. كان عليّ أن أجد مكانا مناسبا، وعندما انتهيت وجدتني أسأل:

"هل وضعتها باتجاه القبلة؟"

قلتها لأختي التي عادت من السوق متذمرة من الغلاء والزحمة والسلوك العام. نظرت إلي وكأنها تريد أن تستوعب سؤالي. سألتني:

"هل دفنت القطة حقا؟"

"أجل. لكني نسيت: هل وضعتها باتجاه القبلة أم لا."

حكّت جبهتها وهي تخرج ما اشترته من الأكياس البلاستيكية المبعثرة أمامها. قالت متذمرة من جديد:

"تصوري: صار ثمن البندورة والبطاطس كثمن التفاح."

ولأني لم أعلق أضافت:

الغلاء أكثر مما كان عليه منذ شهر. هل تعتقدين أن نظرية المجاعة قابلة للتطبيق عندنا؟"

سحبت كرسيا وجلست. كنت أريد أن أستحم وأنزع عني آثار التراب. نظرت إلى ساعة معصمي: الرابعة. ياه! مر اليوم خاليا من الأمنيات. كطائرة نتأملها عن بعد ولا نعرف وجهتها أو جنسيتها.

فكرت في الطائرة التي رأيتها صباحا. لطالما تفاءلت بالطائرات حين ألمحها جوا. كنت أشعر أنها رسالة تتسرب عبر الجهات. أصدق ما تحمله الرسالة من فرح حميم، وأشياء تكفي للمسيرة القادمة.

لو رأيت الاكتظاظ في السوق، يا إلهي! الناس هي التي تشجع التجار على النهب، لأنها لا تحتج. تقبل بالغلاء سعيدة.

فكرت في قطتي التي تركتها أمس سعيدة. بدت لي سعيدة جدا وهي تأخذ مكانها لتنام فيه. لم يكن الموت واضحا على وجهها. كانت هادئة ومفعمة بالحياة.

"التجار لصوص."

نظرت إلى أختي. تأملت ملامحها الغاضبة التي سرعان ما هدأت وهي تبتسم أخيرا قائلة:

"أكاد لا أصدق أنك دفنت القطة."

"وقرأت على روحها الفاتحة أيضا."

انفجرت بالضحك فجأة. حركت رأسها يمينا وشمالا وقالت:

"كنت تدفنين قطتك، بينما أنا كنت في السوق أصارع الغيلان واللصوص."

ابتسمت بدوري. تمنيت لو استطعت التعليق على غضبها. ولو بسؤال واحد وبسيط: ألم يسرقوا الوطن منك أيضا يا عزيزتي؟ فمن كان له وطن فليرمني بحجر.

كنت سأقف عندما سألتني فجأة:

"كم الساعة؟"

نظرت إلى معصمي: "الخامسة إلا الربع."

ثم نظرت حولها ووقفت على قدميها واقتربت من رزنامة الجدار. وبعد صمت شعرت أنه دام طويلا قالت: يا إلهي! اليوم..."

وقبل أن أرد بشيء أضافت وهي تنظر إلى عيني:

"اليوم عيد ميلادك".

هززت كتفي غير مكترثة، ثم أشرت بيدي لتنسى الموضوع.

اقتربت مني وهي تمسكني من ذراعي وتقول: "كل عام وأنت بخير."

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الله أحن

2.  ثوبي ابيض

3.  أم الأسير

4.  انتظار

5.  دعوة للحياة: ح 4


القائمة البريدية