أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 31: 2008/12 » وأخيرا عادت الطيور المهاجرة

عبد السلام فزازي - المغرب

وأخيرا عادت الطيور المهاجرة


عبد السلام فزازيهكذا في نهاية المطاف رجعت الطيور المهاجرة إلى أوكارها وفضاءاتها التي ظلت مسمرة العيون صوب غد مشرق يحمل معه الذكريات الجميلة وليواري إلى غير رجعة زمنا حربائيا نتنا وغشوما.

هكذا نطق أخيرا الحق وزهق الباطل، وسالت على الخد دمعة الفرحة واللقاء مع من غيبتهم سلطة الجور والقهر والطغيان، أولئك الذين باعوا الوطن بثمن بخس زهيد، ونكلوا بحماة الحب، ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف، فمن كان رباه يصدق أن العناق آت لا ريب فيه؟ ومن كان يصدق عناق الميت للحي في لحظات ربانية ناطقة؟

أبدا لن تضيع أحلام المحرومين، ولن تداس حقوق وأماني من تربوا في مدرسة النضال والصمود، وكأننا بأبي ذر الغفاري حل اليوم في الذات المغربية الطاهرة وأكسبها مناعة استثنائية. وكأننا بالشمس باتت لا تغيب عن وطن ظل مسمرا ومكبلا والظهر إلى الحائط لمدة عقدين من الزمن أو يزيد. وكأننا أولا وأخيرا بالابتسامة المعتقلة تبحث من جديد عن مهد الطفولة الأولى، مزهوة بماضيها الذي لا زال يحمل شارة النصر والخطوة إلى الأمام. فًهيا أطفئوا معشر الطغاة العيون، فهل إطفاؤها يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا؟

هذا زمن حصحص فيه الحق، فسحقا لفراعنة آخر الزمان. هذا زمن يجبرنا اليوم على قراءة كتابنا جهرة. وإلى الجحيم يا من اعتقلتم البسمة في حناجر الأمهات زمنا طويلا، طويلا. آه يا زمنا نراك قملي الشكل. هذا زمن توارت فيه غياهب السجون من فئة خمسة نجوم، وخر مهندسوها يلطمون الخد قائلين: "يا ليتنا لــو كنا... وكنا..." إلى آخره.

حقا بني أمي الزمن دوار. والباطل عمره مهما طال واستطال قصير ولو كره الزبانية. اليوم فقط يحق للطيور المهاجرة أن ترجع إلى حيها آمنة مطمئنة، مختالة في الحقول والسهول والجداول، ومداعبة شقائق النعمان، وممتطية صهوة شجر الشيح والعرعار والصفصاف.

اليوم تشخص فيه أبصار من ناموا مع أصحاب الكهف سنين عددا. بشرانا لم تعد الاعتقالات سيدة الموقف. ولم تعد سمفونية "كل ما من شأنه" تصم آذان أبناء هذا الوطن الأشاوس.

لم تعد الرهبة فردا في العشيرة، والمقصلة قبلة من لا قبلة له. ولم تعد المخافر البوليسية وآلياتها الجهنمية قدرا محتوما، وتأشيرة عبر الضفة السيزيفية التي تعلن جهرا: هل من مزيد؟

الآن، الآن فقط، يحق لك يا ابن عبد الكريم الخطابي أن تقبل حفنة تراب ظلت ملتصقة بأهدابك والعالم في غفلة منك. الآن فقط يحق لجبل إظهار أو بران أن يعلن ريفيته المغربية ويصالح الزمن بعد أن ظل رافعا شعار "لا تصالح."

الآن، الآن يحق لأجدير أن تخلع عنها ثوب الحداد الذي خلناه سرمديا. نعترف كم هو صعب التأقلم مع حرية لم نعرف لها طريقا ولا شكلا. وكم هو صعب معانقة السلم واليد تعودت مقولة "حذر ملامحهم وغمدك."

كم هو صعب على الذات أن تصدق أنها حقا أصبحت ذاتا، وآن لها أن تتسلم جواز سفرها خارج منطق المخبرين، وخارج سيرة "من تكون؟ وإلى أين المسير؟"

صعب عليك يا ابن أمي؛ يا أيها الريفي المتواضع مثل جميع الناس، أن تصدق انك لم تعد مواطنا من درجة ثانية لمغرب غير نافع. أبشر، الآن فقط زالت الغشاوة عمن ألفوا ترويض الحيوانات المفترسة.

وفي لحظة واحدة جمع الزمان في عناق حب صوفي أسطوري، وسالت على الخد دمعة الفراق المفتعل. وفي لحظة واحدة زغردت الأنثى الريفية معلنة أن لا زال في القلب متسع لعشق هذا الوطن الأبي، ومدت يدها المطرزة بالحناء ملغية بذلك وهم الحدود في رقعة واحدة.

ولم تعد أيها المغربي القح، يا إبراهيم السرفاتي برازيلياً. كذب المنجمونً رغم ما أعلنت عنه قارئة فنجان الحزب السري. كيف لا وأزقة الكريان سنترال لا زالت شاهدة على أنك أقرب إليها من حبل الوريد.

كسروك كم كسروك. عذبوك كم عذبوك. وأنكروا عنك هويتك الشاهدة عليك فأصبحت مقعدا، وقامتك واقفة مثل قصب الجداول الرائعة، مزهوا لأن الحق أنطقك وأخرس هامانات آخر الزمان.

ما هم التنكيل والتقتيل وأنت سيد كينونة عرفت كيف تطرزها والأفق أغبر حالك. بالأمس فقط ، كانت غربان بلادك تنعق منذرة بمجيء سنين عجافا ستشيب لها الولدان. استرح قرير العين في حضرة عدل يؤسس على إيقاع قرن جديد، وميراث يتولاه من لم يلطخوا بدم الموءودة.

من هناك، لاح وجه المهدي يحمل غصن زيتون. من هناك، سمعنا هديل الحمام يحمل بشرى عودة الجندي المغدور، يرتل نشيد الوطن، ويزيل عنه ما تبقى من الحامض الفسفوري الذي صاحبه أربعا وثلاثين سنة مرت سحابا جهاما.

من هنا، مر المهدي. ومن هنا، عانق حب الوطن إلى حد الجنون، وقبض على الجمر بكلتي يديه. وقيل يومئذ للنار "كوني بردا وسلاما على مهدي الأحرار."

أولئك الذين نذروا حياتهم خدمة لهذا الوطن الصبور: المهدي وحده من تنبأ لمعتقلي الكلمة وشاربي دم الأحرار بالموت البشع. ألم يقل لهم: "ستموتون يوما ما مثل الكلاب الضارية."

يوم المطار، يد ترتدي خنجرا مغربيا تهاجمني

لم يكن لي سوى الصمت. خنجره المغربي يشق الطريق

إلى صخر حنجرتي، وهو يجلسني في مؤخر سيارة

داكنة

ليلتين تركت وحيدا، أضم الظلام على جسمي المتشنج.

فكرت: في أي ضاحية كنت ملقى؟ لقد غادروني

ولم يتركوا غير ميسمهم في ضلوعي وبقايا سجائرهم.

إن منزل بن بركة الآن منكشف. تلمس الريح

والغرباء نوافذه الساكنة.

(سعدي يوسف: أوراق من ملف المهدي بن بركة).

ها هي بلادك تستقبلك في أبهتك المعهودة. ما هم الجسد المتلاشي، وأنت أكبر من أن تجسد فكرة وفلسفة، لأنك حقا بت لغزا محيرا، يدنيك منا أكثر فأكثر، كلما اعتقدنا أن الزمن سينسينا فيك.

يا مهدي، ها سلالتك تعود اليوم لتعانق عبرك عبير وطن لا ينتهي. ها سلالتك تعود اليوم لتعلن أن ذاك الفرع من ذاك الغصن. وسلاما على الجبابرة فليشربوا البحار. من منا لا يعترف أن اليوم اغتسلت الأجساد من الأوحال، وعاد المضطهد يحمل فوق رأسه بيته الصغير إعلانا عن العودة المشتهاة؟

تفرس يا أحمد السنوسي (بزيز) أبناء وطنك واحدا واحدا. هنا تركت خيامهم وأبحرت مرغما نحو الشمس لأنك علمتهم اختراق دار لقمان ليبحثوا عن خيوط الأمل بين ملامح الإسفلت. اليوم اشتاقت لك أسوار الجامعات وهي تمني النفس بعودة الفجر، واختناق الغول في "عرس الذئب".

وها عرسك الآن يعيش مصالحة مع الذات، مع الوطن جنوبه وشماله شرقه وغربه. وطن واحد لا تلوثه الحدود المصطنعة، شامخا مثل النسر فوق القمة الشماء، فرغم المتاريس التي راودتك سنين خلت، ورغم المنغصات، والشكوك، ولحظات اليأس وأنت تساءل الكابوس عما اقترف الفؤاد.

ورغم نزوات النهاية التي كانت تتربصك أنى حللت وارتحلت، نعترف معشر عشاق الحرية أن الحب كان أبدا في كيانك. ولعمري إنه قيمة مثلى. الآن حصحص الحق يا "بزيز":

لتكن بحرا، في موجة يغرق كل

رموز القهر

لا باب لنا ليقفلوه

ولا جدران ليدمونا تحتها

نحن في كل مكان، شفق يعود، دائما،

إلـــى لحظة البدء.

(ظبية خميس).

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A عبد السلام فزازي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  شياطين الإنس والجن

2.  موعد مع حفيدة جنكيز خان

3.  آليات القراءة السريعة

4.  أثر استخدام السرد في تعزيز الانتماء

5.  طبعة ثانية من بيروت 1982: اليوم ي


القائمة البريدية