الهادي عجب الدور - السودان

نحن والقاع


الهادي عجب الدورالصورة الأولى

معناها في شقشقة العصافير، وشعاع الصباح، كالخرافة العنيدة والأساطير القدسية البعيدة. سمعناها في أمواج البحر الهادرة بشجي وفتون. سمعناها في حفيف الشجر، وفي جوف دموع الشعراء، وفي عبق الزغاريد القرمزية المنقوشة تمثالا على مسامات قوس قزح، وفي أحلامنا السرمدية.

سمعناها في أنغام الوتر، وقيثارة الصباح، وفي رعشة الانتماء الكبيرة. هي وطن مليء بالأشجان البضة والدعابات الرقيقة والألحان الدافئة والأحزان الغامضة والدموع الرمادية والشموع الباردة والرأفة والحنان. لمحناها في الأفق البعيد كالقداس والابتهالات العميقة. سمعناها في تضاريس الأحلام النبيلة ترتدي فستانا من أغنيات وأناشيد وقبلات وتأملات بلون فرحتنا وبكائنا المر.

سألنا عنها أرواح أجدادنا، ودموع أحفادنا، وأحلام أندادنا، ونبضات قلوب أهل بلادنا. سألنا عنها بعشق وفتون كي لا نبكي على ظلالها وحيدين، تثكلنا في جوفها بنات الأناشيد وتنحتنا على محياها نافورة للرياحين والمطر. قالوا من هي أيها الخرافيون المحزونون؟ فبكيناها حتى شممنا رائحتها عند شروقها، فأدركنا جميعا أننا نعشق الشمس كما هي، لا نحتاج لجنرال لئيم، ولا لأئمة جدد يحبسون أنفاس الخريطة، ويعهرون كل حروف الأبجدية بسفور ويمزقون كبد الحقيقة. سمعناها كما هي، فمن هي؟

الصورة الأخرى

مدينة الذكريات تجري في دمائنا سرا بلا خنجر ولا بارود، تشتهي بنات الرياح والمطر والعناق وطقوس جغرافيا الشجون ولغة العيون دون عتاب. وعندما كنا صغارا، استمتعنا بجراحنا لأننا نحس بأننا نتألم، وكلما تألمنا أحسسنا أننا موجودون، وفي أعماقنا تلاشت شموع للدفء وبهجة المكان، وتفجرت ينابيع للدموع في قاع أرواحنا الصابرة، وتحت وسادة شمسنا البكر الافتراضية ولد الشعراء بدمائهم وشقائهم، لترقص ورائهم كل المدن الحزينة شلالات من التياع وجنون، تهادن نبضات أرواحنا ولذة الأحلام وقناديل المكان.

وأنا وأصحابي ملوك للعشق، ورحيق للأبجدية الأولى نثق في رائحة المطر دون شروط وهوية، لنكتب أنشودة الزحام على محراب قصائدنا العجيبة، لنعلن دولة الياسمين العجيبة على باحات حكاياتنا القديمة، ونولد من جديد قصة ونشيدا للمجد والأحلام وجزيرة بطعم الدفء ولؤلؤ الكلام.

الصورة الحزينة

كنا يوما ما نحن والشمس والمطر، نحن والناموس والبقر، نحن والسماء وأنياب الدهر، نحن والجنرال والقدر، نترسب في قاع الخريطة لتخترقنا كل الأحلام المقرفة. نكون أئمة مرة بلغة الجبابرة العظام، ومرة أخرى نكون أشياء مبهمة فوق المستحيلات. نبكي ليبكي معنا كل اللئام والأغبياء، ونضحك لنجبر كل الباكين على الانحناء. فمن نحن يا ترى؟

الصورة المجهولة

كل الدفاتر لم تعد تسعنا، وكل سجلات المدن لم تعد تثق فينا، وكل السفن والمراكب تشتهينا لنسافر معها بعيدا بعيدا. إلى أين؟ لا ندري نحن ورباننا. غير أننا جياع مسكونون بالحزن العميق والألم. لاجئون بحجم أحزاننا، بلون أوطاننا، بهمس إنساننا، تظللنا خيام الملاجئ، ورياح الشتاء، ولهيب الصيف الحارق طول الحياة. فمن نحن يا ترى؟

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A الهادي عجب الدور     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  القصة القصيرة وتضفير الأدب بالفنون

2.  ياسمينة صالح: تعزية

3.  الـصـــــورة

4.  القارب والمرجيحة: مسرحية

5.  على حافة رسمة


القائمة البريدية