إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

أسرة جديدة


أعجبتني الأمثولة في أحد كتب القراءة الفرنسيّة، يوم كانت ابنتي في الصّف الأول من المرحلة المتوسّطة، لعقدين من الزمان أو ما يزيد. تعبتُ في التفتيش عن الكتاب وعن اسم الكاتب، للأمانة في نقل النّص ولم أوفق، لأنّ ابنتي ربما كانت قد تخلّت عن الكتاب، كما هي العادة مع كتب المناهج المدرسيّة، عندما تنتفي الحاجة إليها. لهذا سأعتمد على ذاكرتي بما تسعفني لإعادة صياغة النّص (كفكرة) بالأمانة المتاحة.

.

إبراهيم قاسم يوسفتنشد الطّبيعة ترنيمة رخيمة، عندما تصحو في نفس الموعد من كلّ عام، ينتشي لها العصفور والعصفورة، تعصف بهما العواطف وتتكاثر معها الحاسات (الهرمونات)، فيقرران معا زيادة أفراد الأسرة.

لهذا فقد اختارا مكانا عاليا، لا يطاله الصّبية الأشقياء، على غصن من أغصان شجرة مزهرة، ليبنيا عشّهما، تعاونا في بناء العشّ، يدا بيد وقلبا على قلب، من أجل مستقبل يحدوه الحبّ والأمل.

تولّت العصفورة هندسة البناء وشيّدته بمنقارها، وقلبها أيضا. أمّا العصفور فكان يفتّش لها عن القشّ والطّين، يحملهما باندفاع العاشقين. وما إن انتهى بناء العشّ، حتى فرشته بريشٍ كالحرير، ثمّ باضت بيضتين رائعتين احتضنتهما بحرارة المشتاق.

تمرّ الأيام والعصفورة تحتضن بيضها، وتراودها أحلام الأمومة العذبة. أمّا العصفور، فقد ابتدأ يعاني ضجرا قاسيا. في البداية لم يكن مستاء من فترة الحرية هذه، فقد استفاد منها وزار بعضا من أصدقائه القدامى، أولئك الذين انقطعت عنه أخبارهم منذ زمن بعيد. لكنه كلّما انقضى الوقت، كلّما ازداد ضيقه وضجره.

"كان يتراءى لي أنّ المسألة ستمضي أسرع ممّا كنت أتوقّع."

وتجيبه العصفورة: "هل حقّا ما تقول؟"

"نعم أشتاق كثيرا، أن أرى أحبّتنا الصغار، وأن أفتّش لهم عمّا يأكلون. لو تعلمين: لقد اكتشفت مكانا مدهشاً، فيه طعام وفير؛ فاستعجلي يا حبيبتي، استعجلي، أرجوك أن تسرعي."

العصفور مضطرب يشعر بخيانة الأعصاب، وهو لا يكاد يستقرّ على حال، إنّه بالقرب من صديقته الّتي تتحوّل في العام المقبل إلى عصفور آخر، فالعصافير لا تكتب ميثاقا بالزواج، بل وترغب في الحب الحرام. إنّه متوتّر يقفز من غصن إلى غصن، يطير يمينا وشمالا، لقد عيل صبره، لم يعد يحتمل أبدا، فهو قريب منها، يعذّبه بعده عنها.

وتتوجه إليه العصفورة قائلة: "مهلاً. لقد أضجرتني. قليل من الصّبر ومن عزّة النفس يا صديقي، فكلّ شيء في أوانه."

العصفور المتوتّر المشتاق، يُمضي معظم يومه، يروّح عن نفسه وحيدا عند الغدير، وعندما يعود في المساء تتبدّل الدنيا في ناظريه، تسكن أعصابه، يهدأ باله، ويرقّ قلبه لفرخيه الجديدين، وحبيبته الّتي عادت إليه بعد طول انتظار. وهكذا تتبدّل الأحوال، ويعمّ الفرح من جديد عائلة هذين العصفورين السّعيدين.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2009     A إبراهيم يوسف     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية