رامي أبو شهاب - قطر

طعم الخوخ


رامي أبو شهابشجرة الخوخ تظللني من شمس تموز اللاهبة، لا أحد كان هناك سواي، وكنت خاليا من كل شيء إلا من صوت الريح التي تصفر حين تداعب أغصان الشجرة الباسقة كأنثى شديدة الهياج. الفتنة تتحرش بها وتتركها على أعتاب نشوة، شجرة الخوخ تترك أوراقها وثمارها منفلتة بلا حياء أو خجل، ساقها أشبه ما تكون بفخذ امرأة عريقة التكوين، تحت هذه الأنثى تمكث أرضٌ تضع كل قداستها وعنفوانها في حضرة هذه السيدة الفاتنة، لتغسل قدميها بالماء المقدس، وكلما تجمع ماء شربته سيدة الحياة، والأرض شديدة الحبور كونها تختص بهذا الشرف العظيم.

الحاكورة. هكذا كانوا يسمون قطعة الأرض الصغيرة في منزل جدي حيث وضع فيها كل خبرته بالزراعة التي انتزعت منه، عندما تم اقتلاعه من أرضه، فما كان منه، إلا أن وجد في تلك الحاكورة تعويضا وملاذا لممارسة الزراعة والعناية بالشجر، كنت أتوق إلى زيارة بيت جدي للعب تحت الحاكورة ولا سيما في الصيف عندما كنا نعود في إجازة من الكويت حيث كان والدي يعمل.

أذكر أنه في يوم من أيام تموز حيث لا يزال مذاق الخوخ حلوا في فمي، امتلأت معدتي بحبات الخوخ الناضج والشهي، مكثت مثقلا بما أكلت تحت ظل تلك الشجرة ذات الأغصان الوارفة، قدماي تحفران حفرا طولية في الأرض كتمهيد للعبة جديدة أمارسها في وحدتي، ولكن طرأ ما هو أكثر تشويقا وإثارة من اللعب، فقد أصابني لمعان سقط على عيني فجأة، أمعنت النظر جيدا محاولا معرفة موقع انبعاث هذا اللمعان، فإذا به يأتي من بين ذرات التراب الأحمر القريب من ساق الشجرة.

كان مصدر اللمعان قطعة نقدية معدنية، تأملتها وأنا مندهش، كأنني عثرت على كنز ثمين، تلمستها ونظرت إليها طويلا. لم أعرف حينها النقوش المكتوبة عليها. خبأتها في جيبي، وعدت إلى النقطة التي انبثق منها الشعاع.

بدأت بتحريك التراب والحفر بيدي لعلي أجد قطعة أخرى، وهكذا كان، ولكنها كانت مختلفة عن الأخرى بسبب النقوش، تملكني خوف غامض سرعان ما تلاشى في غمرة الاكتشافات المذهلة، انخرطت في نوبة من البحث والنبش والتنقيب، ولكن هذه المرة لم أقصر البحث بالقرب من ساق الشجرة، إنما تعدى ذلك إلى مساحة الحاكورة بأكملها.

كانت حصيلتي النهائية مجموعة من القطع النقدية. عرفت لاحقا أنها تنتمي إلى دول مختلفة. البعض منها كان عملات معدنية أردنية، وأخرى منقوشة بالعبرية، وأخرى كويتية، وسورية، وسعودية، وإماراتية، وأخرى أميركية، حتى أنه كانت هنالك قطع من نيكاراغوا وتشيلي والبرازيل وغيرها الكثير. شعرت بالدهشة للكم الجيد من القطع النقدية المنتشرة بين أتلام التراب الأحمر، وانطلق من أعماقي تساؤل عظيم عن كيفية تجمع هذا الكم الهائل من هذه القطع النقدية في هذه البقعة الصغيرة من الأرض.

بقي السر قائما حول كيفية تجمع هذا القطع المختلفة في هذه الأرض بالتحديد. وكثيرا ما بقي هذا التساؤل يحيرني دوما طوال سنين عدة، إلى أن اكتشفت السر في يوم من الأيام حيث كنت عائدا في إجازة إلى عمّان بعد سنوات من الغربة.

في مقعد الطائرة بدت كل الأشياء صغيرة؛ الشوارع والبنايات والأشجار وبدت معها كل حياتي منتهى الهشاشة وفي عنف من الضآلة، حينها تخلل الانكسار كياني، وأنا أتذكر وجوه الذين خلفتهم هناك وهنا، وبدا الغياب مشروعا، كما هي أشياء كثيرة اعتدت أن اختلق فلسفة لضياعها بيت وشجر وأناس وأحلام، العودة فخ الألم المنتظر والمدرك، ها أنا أعود بعد عشرين عاما، ولم تترك الأرض مني موطأ وإلا تركت فيه خدشاً في بلاط ذاكرتي التي امتلأت، لم يبق فيها متسع لتراب رطب أجد فيه ذاتي التي بادت. ها أنا أعود إلى زيارة جدتي التي خلفها جدي وراءه كما هي الأرض التي ذهبت، وكما هي أشياء كثيرة نتركها خلفنا دون أن نعد ترتيبا لائقا لها.

في الممر المؤدي إلى الحاكورة كان كل شيء كما هو، لم تبق إلا بضعة أمتار وأقف في مواجهة شجرة الخوخ التي اعتدت أن ألعب تحتها، ودفء شديد زائد يقرص لحمي المبرد، شعرت بالحنين ينغرز في روحي كقطعة سكين، بدا الخوخ محمرا بقسوة، هل كان دمي الذي سقط فأدماه، أم الخوخ هو دمي المتروك وقد عاد مرة أخرى؟

وبمحاذاتها، أي شجرة الخوخ، وعلى قمة سنسلة الحجارة القديمة، وبحركة لا إرادية، بدأت بالتخفف من ثقل جيوبي بما تحتويه من أوراق وأشياء أخرى تطرأ عند السفر ومطاردة المطارات. وجدت مجموعة من البطاقات والأوراق، وقطعة نقدية ذات قيمة ضئيلة. ودون إدراك، وضعت القطعة على قمة إبهامي وألقيتها بطريقة ساخرة في الحاكورة كي تسقط وبالتحديد أسفل، بالقرب من ساق شجرة الخوخ.

مضيت إلى منزل جدي لأجد بضعا من الأهل والأقارب يجتمعون هناك في المنزل الذي يبدو كأنه محطة للقادمين والذاهبين والعائدين في موسم اللقاء، موسم الصيف. وجدتهم من الضفة الغربية ومن الكويت والإمارات والسعودية ولبنان ومن أميركا ومن أوروبا وغيرها الكثير.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2009     A رامي أبو شهاب     C 0 تعليقات