أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 33: 2009/02 » مقابلة مع الصحفية سمر شاهين

غزة: شاهد عيان

مقابلة مع الصحفية سمر شاهين

ملف: غزة في القلب


سمر شاهين صحفية فلسطينية مقيمة في غزة. ساهمت في بضعة أعداد من عود الند. ولأنها عاشت أيام العدوان الإسرائيلي على غزة، أردنا أن تطلعنا على بعض تفاصيل الحياة في تلك الأيام والأوقات العصيبة. عدلي الهواري طرح عليها الأسئلة التالية:

.

ع هـ: أين قضيت واهلك أيام العدوان على غزة: في البيت؟ في ملجأ؟ في مدرسة؟

سمر شاهين: كان العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة بمثابة كارثة حقيقية ألمت بالجميع على حد سواء، ولم تترك مكانا ألا وطالته آلة القتل العسكرية الإسرائيلية. منذ اللحظة الأولى للعدوان يوم السبت 27/12 الساعة 11.30 ظهرا غادرت الجامعة الإسلامية بغزة على عجالة فالأمر بات خطيرا، والموت والخوف سيدا الموقف، وتوجهت لمنزلي على الفور في ظل تناقل أنباء عن مئات الشهداء والجرحى.

حينما وصلت إلى منزلي في حي الدرج شرق مدينة غزة، كان الأهل والأصدقاء وكذلك الجيران يجلسون على الأبواب في ظل الإعلان عن استشهاد عدد من أبناء الحي، حيث كانت القصف ظهرا، وهو وقت الذروة لذا، فإن الضحايا كانوا بالمئات في اليوم الأول. لذلك فقد شلت حركة الحي الذي اقطنه، في المدينة كافة، وتجمهر الناس حول المذياع لسماع الأخبار. الجميع التزم بيته وهكذا كان حالنا نحن أيضا فأسرتي التزمت البيت بعد أن حاولت أن تشتري كل ما يمكن خلال ساعات قليلة قبل أن يعلن أن الحرب على غزة ستطول.

الكثير من الخوف انتابنا، لاسيما والدتي التي باتت تستذكر حرب 1948 ونكبتها، وأخذ صوتها يعلو في الدعاء ليلا نهارا. وكلما اشتد القصف خلال العدوان، كانت تطلب منا أن نلجأ إلى المدارس لاسيما وان شارعا واحدا فقط يفصل بيننا وحي التفاح والشعف الذي نال النصيب الأكبر من الدمار في هذه الحرب الوحشية.

ع هـ: كيف تم الحصول على الماء والغذاء في تلك الفترة؟

سمر شاهين: أصعب شيء واجهنا في الحرب هو غياب مياه الأنابيب، وكذلك المياه المفلترة، إذ لم تعد هناك سيارات بيع المياه تجوب الشوارع. كانت المياه تصل إلى المنازل بصورة ضعيفة جدا كل ثلاثة أيام ولساعات محددة، وكان الناس يقفون في طابور من اجل تعبئة ولو زجاجة واحدة.

ونتيجة لذلك فقد أصبحت المعاناة تتفاقم يوما بعد يوم، وتساوى الناس جميعا، وأصبح إشعال النيران هو الحل الوحيد لطهي الطعام، وإعداد الخبز. واذكر أن أسرتي كانت تنتظر أيا من الجيران لإشعال فرن الطين من اجل العجين وخبز العجين، وأحيانا كنا نضطر لإعداد عجين أكثر من مرة في اليوم الواحد حيث أضحى منزلنا ملجأ للعديد من العائلات التي هربت من منزلها من أماكن الاجتياح والمواجهات.

ع هـ: وقع العدوان أثناء ذروة فصل الشتاء وبرودته كيف اتقيتم يرد الشتاء أثناء تلك الفترة؟

سمر شاهين: برد الشتاء كان أشد وطأة لعدم وجود كهرباء للتدفئة، ولا حطب لإشعال النيران. أيضا الأغطية التي كانت بحوزتنا أصبحت لا تكفي من كثرة الإفراد الذين لجؤوا إلى منزلنا، لذا كنا نعاني بردا شديدا. ولكن هذا البرد يتلاشي الحديث عنه من شدة القصف، فالآذان صاغية لصوت القصف من ناحية، وللمذياع من ناحية ثانية، إضافة إلى صوت الهاتف خوفا من تحذير إسرائيلي بقصف أحد المنازل التي تجاورنا.

ع هـ: كيف تابعتم وتابع الناس أخبار ما يجري لهم وحولهم بالنظر إلى عدم وجود كهرباء؟

سمر شاهين: انقطاع الكهرباء دام 17 يوما بصورة مستمرة. انقطاع الكهرباء ربما كان فيه نوع من التخفيف من المناظر القاتلة والدالة على وحشية الاحتلال الإسرائيلي، لان الكهرباء قطعت المدينة بصورة كلية، وحال ذلك دون متابعة الناس للمشاهد والصور عبر التلفاز، وبات الناس يتجمعون حول المذياع، وتجد الناس الذين يجلسون في الشارع وأمام منازلهم يعتمدون على الجوال الذي يتضمن ضمن تقنياته مذياع.

خلال الحرب التي استمرت 23 يوما عملت عائلتي على توفير موتور لتوليد الكهرباء، وكنا نعمل على تشغيله كل يوم لمدة لا تقل عن خمس ساعات، وخلال تلك الساعات كان العشرات من العائلات تنتظر ذلك من اجل إحضار الهواتف الجوالات لشحنها، وكذلك أجهزة الكمبيوتر "اللاب توب". وقد ساهم وجود موتور توليد الكهرباء في تمكيني من الاستمرار في عملي وإعداد بعض المواضيع. ولكن كانت تحركاتي محدودة، وفي آخر أسبوع التزمت البيت ولم اخرج منه.

من أكثر المشاهد المؤلمة التي كنت ألاحظها خلال خروجي في فترة التهدئة التي لا تتجاوز الساعتين الطوابير من النساء والرجال والأطفال وكذلك الشيوخ أمام المخابز من اجل شراء الخبز، وكذلك البحث الدائم عن السولار والكاز الأبيض لاستخدامات "البابور" نظرا لغياب الغاز بصورة كلية قبل الحرب بأشهر.

ع هـ: كيف تعامل الناس مع بعضهم أثناء فترة العدوان: بتعاون أم بتوتر ونزاع؟

سمر شاهين: الحرب زادت من الألفة والعلاقات الاجتماعية بين الناس، الكل بات يلجأ لدى العائلات التي تبعد إلى حد ما عن أماكن الاجتياح والاعتداء لاسيما بعد أن بدأت الحرب البرية، والحقيقة أنه لم يعد هناك أمان في إي مكان فالمؤسسات الدولية قصفت وعلى رأسها مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وكذلك المدارس، ومنها مجزرة مدرسة الفاخورة في بيت لاهيا شمال القطاع والتي راح ضحيتها نحو 42 شهيدا معظمهم من الأطفال والنساء.

في بيتنا نامت عائلات عديدة بعضها لم اعرف اسمها تحديدا فكل يوم كان يلجأ أناس هاربون من الحرب، وكانت والدتي حريصة على تقديم كل ما يلزمهم قدر المستطاع، وهكذا كانت أيضا بيوت الجيران، وكلما اشتد القصف كلما كانت تضم الغرفة الواحدة نحو 30 فرداً.

ع هـ: هل كان من الممكن تلقي اتصالات هاتفية أثناء فترة العدوان؟

سمر شاهين: الاحتلال، ومنذ الضربة الاستباقية الأولى، عمل على تدمير شبكة الاتصالات بصورة كبيرة، فبات إجراء المكالمة الواحدة يستغرق منك أكثر من ساعتين هذا إن تمكنت من التقاط المكالمة.

وأثناء العدوان تلقينا الكثير من المكالمات من الدول العربية منها مكالمات من اليمن والسعودية وليبيا والجزائر ومصر، ونتيجة لكثرة الاتصالات أصبح هناك خوف لدى الناس من أن بعض هذه المكالمات مصدرها الاحتلال الإسرائيلي، لاسيما اذا ما بدأ المتصل يسأل عن رجال المقاومة وأماكن تواجدهم تحديدا. واذكر أنه ذات مرة اتصلت إحدى المواطنات بالإذاعة وأبلغتهم عن التضامن وفحوى المكالمة وقبل أن تنهي الاتصال والحديث مع الإذاعة كانت طائرات الاحتلال قد قصفت المكان الذي أشارت فيه إلى وجود رجال مقاومين.

ع هـ: استشهد أثناء العدوان أكثر من ألف من الصغار والكبار، الذكور والإناث، من كان يتولى دفنهم وأين؟

سمر شاهين: عملية الدفن لها في الأحوال العادية طقوس خاصة، لكن في فترة العدوان اختفت هذه الطقوس بصورة كلية، فالصلاة على الشهيد بات يشارك بها عدد محدود من أفرد عائلته والأصدقاء من الجيران فقط، لا كل شيء يتحرك هو مستهدف من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي. كما أن المساجد باتت هدفا لقوات الاحتلال، حيث تم استهدف مئة مسجد منهم 41 مسجدا تم هدمه بصورة كلية.
حتى المعزون هم فقط الجيران، وعملية الدفن في مدينة غزة تحديدا أصبحت تتم في مقبرة الشيخ رضوان بحي النصر، وهي مقبرة تم إيقاف الدفن فيها منذ زمن، لان مقبرة الشهداء "الشرقية" كانت تجوب وتصول فيها دبابات الاحتلال.

ع هـ: حدثينا عن أي شيء آخر شاهدته بنفسك أو سمعته بأذنيك.

سمر شاهين: اعتقل جيش الاحتلال أخي ونجله من منطقة السودانية شمال القطاع وعملوا على تحويل بيته إلى مستشفى لعلاج الجنود الجرحى. وقد اختفت أخباره لأيام عدة، ولم يكن للصليب الأحمر دور يذكر، حيث لم يتمكن من أن يأتي ولو بمعلومة واحدة تؤكد مصير أخي وابنه. عاد أخي بعد أسبوع، وقد تعرض لسلسلة من التحقيقات والأساليب الوحشية من قبل المحققين الصهاينة.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها شاهدت منطقة الشغف شرق غزة وقد أبيدت بصورة كلية، فلم يعد هناك ولو منزل واحد قائما. كل المنازل دمرت بصورة كلية من طائرات الاف 16. وحينما زرت حي الزيتون وتحديدا بيت عائلة السموني رأيت العجب العجاب، فما زال دم الشهداء هناك على الجدران المتناثرة وكذلك الركام الذي يحكي قصة عائلة استشهد منها 29 مواطنا.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A سمر شاهين, عدلي الهواري: بحوث ومقالات وقصص     C 0 تعليقات