ياسمينة صالح - الجزائر

حب فوسفوري أحمر

ملف: غزة في القلب


=1=

ما "أجملك" وأنت تأتي إلينا أحمر ومغرورا، صريح الخطوات! يا حب الذين يكرهوننا باسم الحب! تمنيت أن أكون أول المستقبلين، بكامل أناقتي الأنثوية، وخصوصية العطر تذكرني أن عليّ أن أكون أكثر رومانسية من العادة. كنت سألبس لأجلك فستاني الأحمر الموشح بخطوط تشبه كتابات هيروغليفية قديمة، وكنت سأركض إلى الباب عند سماع الجرس وأستقبلك وأمد يدي لباقة الورد التي تمدها نحوي والهدية التي سأظل أخمن شكلها طوال المساء. لكني لم أستطع التحرك من مكاني. اكتشفت أن حروبك الكثيرة بترت ذراعي وشوهت تضاريس قلبي البسيط. شوهت لغة كنت أستعملها للتعبير عن حبك، فأصبحت أستعملها دفاعا عن نفسي من حبك، حبك الذي تعرى الآن وقد صارت المدينة خالية من الفرح، تفوح منها روائح الفوسفور والجثث المشوهة، بعضها لا تزال تحت الأنقاض تنتظر من يتذكرها ليأتي وينتشلها كآخر مظهر من مظاهر كرامة الإنسان بالدفن.

=2=

أيها الحب المغمس في دمي ودم أخي وأختي وأمي وأبي. كل الذين ماتوا صدقوا أن الحب قصة قادرة على شحن العواطف في أمسيات الشتاء الباردة. كل من ماتوا كانوا في عمر الحب. يصدقون الغد ليخرجوا إلى ساحة الدار ويتسلوا بالحوارات السهلة، أو يتأبطون ذراع حبيبة جميلة يريدون مقاسمة الحياة معها على الحلوة والمرة. كلهم كانوا عشاقا استثنائيين للأرض والوطن، وحقل سحقته الجرّافة الإسرائيلية أول أمس وهي تغادر نحو الخط الأخضر الذي رسمته معبرا جديدا يمنع مرورنا خارج النار المضاءة بإتقان. أي حب هذا الذي يمكنني أن أحبك به يا سيد الحب وقد حرق نيرون مدينتي لينتصر على آخر الشجر الواقف، ويبني مجده الجديد فوق جثة طفل ولد تحت الأنقاض ميتا؟ كيف يمكنك أن توهمني أن عيد الحب مملكة استثنائية يمكن الهرب نحوها والعيش فيها بسلام في حضرة البابا المقدس وفلانتينو القاتل والقتيل؟ كيف يمكنني أن أعترف بخارطتك المزيفة وقد احتلت خارطتي الأصلية وباعت جلد أولادي للإخوة الأعداء كي يصنعوا منها طبولا يدقون عليها رسائل السلام المبجل، والهدنة الدائمة مقابل حصار دائم؟

=3=

كنت مذهولة وأنا أتابع قصة الطيار الإسرائيلي الذي أطلق على القذائف اسم من يحبهم. كتب لحبيبته رسالة نشرتها وسائل الإعلام العبرية يقول لها فيه: "سأذهب لقتل الإرهابيين وسأعود لأني أحبك." كل قذيفة سقطت على المنازل كانت تحمل صبغة الحب لشخص رأى فيه الطيار قديسا يستحق أن يقتل على نخبه من هم تحت الجو. أطفال في سن الضحكة الأولى ودفاتر تلميذة كانت تصدق أنها ستذهب إلى المدرسة غدا، وشابة فكرت في فارس أحلامها الذي ستتزوجه الصيف القادم. لم تنتق القذيفة من تقتلهم، ولأنها محاطة بالحب، تسقط على المنزل كله وتجمع أفراده في مجزرة واحدة. فهل بعد هذا يمكنني مقاسمتك مع مجرم صدق قصة السلام الذي قايض به كل الأرض؟

=4=

أيها الحب، دع عنك الحب واترك القناع يسقط عن وجهك الآدمي الممتد من الجريمة إلى العقاب. لن تقنعني ورودك الحمراء وبطاقاتك التي يتبادلها الناس عبر البريد الإلكتروني، ورسائل الجوال التي يرسلها "العشاق السذج" لبعضهم، فالحب يعني أن تنظر إليّ كشعب وليس كمخيم. الحب أن تعاملني كوطن وليس ككفن. الحب أن تهديني مساحة من الحياة ولا تدفنني بالحياة. الحب أن تقبل بوجودي على الأرض وتعترف بحقي فيها. الحب ألا تضحك علي باسم الحب يا عيد الحب. وإلى أن يكون لي ذلك أقر أنني متبرئة منك، وأفتي أن من يصدق مزاعمك كافر.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات