غادة المعايطة - الأردن

ميلاد

ملف: غزة في القلب


قدر لمعظم نساء الأرض، باستثناء بعض القبائل البدائية في إفريقيا أو تلك المناطق الفقيرة المستباحة في آسيا أو أمريكا الجنوبية، أن تجد على معصمها سوارا بلاستكيا يحمل اسم الأم، وأن تجد نفسها محاطة بمجموعة من الممرضات الرقيقات يربتن على شعرها الغارق من العرق المتصبب جراء مخاضها الصعب، بينما الزوج وبعض الأقارب والأصدقاء بانتظار ساعة الفرج، وبسمة طبيب وبشارة بسلامة الوالدة والمولود. وفي بلاد يعرب، ربما تجد القهوة السادة وعلبة من الشوكولاتة الفخمة المستوردة، وربما زجاجات من العصير الطازج جنبا إلى جنب مع علب المناديل الرطبة على منضدة غرفة الوالدة وورود منتشرة في زوايا غرفة المشفى احتفاء بالمولود الجديد.

لم يكن هناك سوار على معصم آمال. كان هناك جرح ينزف ويشكل قيدا بلون أحمر. كم من مرة عايشت في مخيلتها لحظة اقتراب وصول المولود! من ستستدعي أولا؟ الزوج الذي ترك رقم هاتفه النقال وبأرقام كبيرة على البراد وعلى لوحة أسماء الله الحسنى في غرفة المعيشة وحتى على باب السطوح (الزينكو)؟ أم لعلها ستقرع باب حماتها القاطنة في الدور الأرضي مع بقية الأسرة؟ (سأحاول الاتصال بأمي فهي أدرى باحتياجاتي) على الرغم من وجود الأم على أطراف المخيم بمسافة لا تسمح لأقوى مخلوقة في وضع آمال بأن تصل هناك في الوقت المناسب.

أحست بالرطوبة تتدفق عبر ثوبها الطويل. لم تمنع السروايل الإضافية التي ارتدتها أن تنساب تلك السوائل بقوة كأنما تروي التراب الذي أحاط بها من جهاتها الأربع.

كان يحلو لها في طفولتها أن تزحف مع شقيقتيها في باحة البيت الصغير نحو شجرة النخيل الواقعة خلف المطبخ. طقس يومي حتى في أشد الأيام حرارة أو برودة. اعتادت على عوامل الطقس الطبيعية دون اللجوء من حدتها فهذا من الترف. اعتادت أن تجمع بعض المواد القابلة للاحتراق والتي تقذفها الريح أسفل الشجرة للحصول على طبق من العدس أو بعض من أرغفة الخبز، وتكون النتيجة نكهات اختلطت بها رائحة الإطارات مع مخلفات البلاستيك ومواد أخرى.

عند خطوبتها ارتدت الثوب الخاص بابنة الجارة أم ربحي، الذي كان بالأصل لسعاد، وقبلها لهناء وقبلها لفوزية، ونسيت باقي الأسماء. على الرغم من تنقل الثوب بين صبايا الحي فقد كان يزداد رونقا وجمالا مع كل خطوبة، ولم تفقد أي من حبيبات الخرز التي تزين الياقة والذيل، وكأن أيادي خفية ترعى الثوب ليضم جميع صبايا الحي في فرح تلو الآخر، كما قالت الحاجة ألمباركة أم بدر.

أما العريس منير فقد كان يملك عربة مضمونة لا تحتاج لوقود، الذي يندر وجوده، أو مصاريف صيانة. بل وكان دخله من هذه العربة يوازي ما يحصل عليه أي طبيب أو مهندس في ظل البطالة وانخفاض الأجور. شارع واحد كان يذرعه عشرات المرات يوميا لنقل الأطفال والنساء والشيوخ، هو شارع الساحل الذي يربط مدينة غزة بوسط وجنوب القطاع. كان حماره الذي يجر تلك العربة السبب الرئيس في قبوله عريسا لآمال التي لم تمانع أبدا، إضافة لكونه صفقة مضمونة في أوقات الشدة وما أكثرها!

ضمن حفل زواج جماعي (للتوفير وتواضع الإمكانيات) ضم سيدات أرامل تم زواج آمال ومنير، وكغيرها من صبايا القطاع استقرت مع الأسرة الكبيرة، وأتمت الرقم أربعين مع الجد والأولاد والكنائن والأطفال، حشروا في طابقين وباحة تفتقد إلى سور.

كانت المهام موزعة بشكل عادل، فقد كانت مهمة الأطفال جمع الحطب من كروم اللوز وبساتين البرتقال لاستخدامها للطهي وللتدفئة نظرا لتكرار انقطاع التيار الكهربائي وفي ظل توقف تزويد القطاع بالغاز. أما النساء فقد أننيطت بهن مهمة العناية بالأطفال والمنزل وجلب الماء من أي مصدر متوفر، بينما انشغل ذكور العائلة في البحث اليومي عن مصدر رزق أيا كان.

كانت نساء الأسرة تمازح العروس آمال بأنهن بانتظار ولي عهد منير الذي كان يحلم دوما بأسرة لا يقل عدد أفرادها عن عشرة. كانت آمال تبتسم باستحياء فهي تعرف عن حقيقة ارتفاع نسبة المواليد الذكور في القطاع إضافة إلى زيادة واضحة في حالات إنجاب التوائم.

لم تحمل آمال بتوأم. كان حملها بأربعة توائم بعد أن تم فحصها في إحدى عيادات وكالة غوث اللاجئين. وتعسر الحمل، فالغذاء يسير والحليب بات حلم ليلة صيف. كان من المستحيل أن تلد آمال (أولياء العهد) في ظروف قطاع غزة المحاصرة اقتصاديا وعسكريا ودوليا وإنسانيا وزعامات عربية ارتضت لإنسان غزة أن يقبع في أكبر سجن عرفه التاريخ ضم بين قضبانه مليون ونصف نسمة فقط لا غير.

باع منير العربة والحمار وبذلة العرس، حتى حذاؤه الجديد الوحيد الذي اشتراه، لأول مرة منذ مولده، جديدا وليس مستعملا من سوق الباله. انتهى الحذاء في قدمي فايز، ابن عم زوجة أخيه، الذي سيتزوج خلال أسبوع في حفل زواج جماعي آخر.

كانت تسترق السمع إلى قصص سمير، شقيق منير، الذي اجتذبته مهنة العمل في حفر الأنفاق في مدينة رفح، والذي يتكسب منه لإطعام أطفال شقيقه الخمسة، والذي قضى نتيجة استنشاقه الغاز السام بينما كان يعمل في حفر أحد الأنفاق. كانت الأجور مرتفعة في هذا العمل الذي يتطلب جرأة لا يمتلكها إلا الذي تقطعت به سبل الحياة وبات عنده الموت والحياة سيان. لم يأبه حتى لموت صديق عمره مجدي الذي قضى قبل عام نتيجة انهيارات أرضية وتشققات في التربة أثناء عملية حفر أحد الأنفاق. في المسجد الكبير صلى عليه مع الأهل والأحباب وغادر في مهمة حفر أخرى.

لم تكن لتعلم أنها ستكون أحد عابري النفق، فقد اتفق منير مع ابن عمه الذي يعمل مسعفا في أحد مشافي العريش على استقبال آمال وإدخالها المشفى لتضع مواليدها. وفي ترتيب مسبق مع أحد أصحاب الأنفاق تم دفع مبلغ ألف دولار من أصل ثلاثة آلاف. تم تحديد الموعد استعدادا للمغادرة وفي انتظار الإشارة المتفق عليها لتبدأ عملية السحب.

جلست آمال على مقعد خشبي أشبه بصندوق تحيط به العجلات وثبتت نهايته عند الجانب المصري بحبال خصصت للسحب الثقيل. كان عليها أن تقطع ممرا سريا تحت الأرض بطول ثمانمئة متر وعرض مترين.

كانت تسمع في جلسات سمير أن عملية السحب ممكن أن تتوقف في أي لحظة نتيجة لعطل كهربائي. ما سمعته لم تكن لتميزه وهي تحتوي مواليدها في هذا القبر الممتد، بينما تحتك جنبات جسدها بمساحات قد تضيق وتتسع.

خيل لها أن العربة توقفت، انتظرت، وانتظرت، وانتظرت، وبدأ التراب يتساقط من حولها، وبدأ التوائم بالدفع للخروج من رحم الأم ورحم الأرض.

يتخذ الموت في غزة أشكالا مختلفة، مريض بانتظار دواء لا يأتي إلا بعد نصب بيت العزاء. حصار وأد رغيف الخبز. قصف سوى منازل بالأرض. عندما انتهى القصف، كانت آمال لا تزال في الجانب الفلسطيني، وبينما انسحبت الطائرات الإسرائيلية بعد قصف الأنفاق، بدأت توائم آمال بالخروج، واحدا تلو الآخر، وكلا بصرخته. هي لم تصرخ. كانت تحلم ببيت صغير مع باحة بسور ونخلة صغيرة خلف المطبخ بينما منير يوزع حصص الحليب على صغاره.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A غادة المعايطة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  اطبع العدد

2.  كلمة العدد 86: عن القانون واستقلال القضاء

3.  يوميات ثورة مصر: شهادة

4.  وهبت عمري للأمل

5.  ثلاثة نصوص قصيرة


القائمة البريدية