نوشين الكيلاني - الأردن

وحش جميل الجائع


نوشين الكيلانيلا شيء في الدنيا يستحق الألم أو حتى الانكسار أكثر من الفقد. فقدنا الكثير الكثير وما زلنا نفقد، وكلما تقدم بنا العمر تلاشت تدريجيا الأشياء ذات القيمة في نفوسنا، في حاضرنا وماضينا، في ذاكرتنا وفي طيات النسيان. نتألم كأطفال فقدوا متعة اللعب ونبكي بحرقة لدرجة الابتسام.

نبدأ مئات البدايات بعد آلاف الآلاف من النهايات وكل مرة نحاول أن نجمع شتات أنفسنا. لكن في الحقيقة لا نجمع سوى ما فقد غيرنا فينا.

وكعادتنا الفطرية البريئة نعتقد أننا نتحكم بما يجري حولنا، وأن لنا حق اتخاذ القرار، ونغفل حقيقة تلك الخطة الكبيرة التي رسمت لنا ثم تركت في عهدة الحياة لتستمع بمشاهدتنا نجثو أمام قرار القدر.

لو سألنا أنفسنا يوما عندما يأتينا الموت على أي هيئة نفضل أن يأتي إلينا؟ طفل صغير؟ فراشة زرقاء؟، لربما ضوء ساطع يغشي على أعيننا ولا نرى سوى حرارة انفلات الروح من خلالها.

أحيانا ولأسباب مفروضة يصبح الموت أرحم من البقاء، يصبح اليأس وطنا والعزلة صخبا، وكل ما يبقى بعد ذلك قصص وروايات وحروف يرقص على غنائها الصمت.

وها هي نهاية من بين آلاف النهايات وقف عندها جميل مشدوها وهو لا يملك سوى ما فقد وما سيفقد مع مرور الزمن. وقف يتساءل: يا ترى من سيحكي لي بدايتي؟ ومن سيغلق القوس على جثتي قبل أن تحرقها الكلمات؟

أنعم الله عليهما بطفل آية في الجمال، منذ لحظة وجوده في الحياة، منذ لحظة تخلق روحه الهائمة بين القدر والحلم ومنذ أول ذرة أكسجين دخلت نظام جسده الذي لم يتجاوز بضعة سنتيمترات. ذابت قلوب الموجودين أمام سحر عينيه وبراءة وجهه الصغير وجمال خلقته التي أبدعها الخالق بكرم إلهي لا محدود.

حمله أبوه الشيخ محسن بيدين يرجهما التردد، قربه إلى وجهه وجلس يشمه ويلاعبه ويداري دمعة الفرح في عينيه. نعم انه ابنه الوحيد. حلمه الوحيد الذي تجسد بعد عشرين عاما من الزواج ظن فيها أن فرصته اضمحلت. زهد في الحياة واصطبر على محنته حتى ذلك اليوم الذي أتت فيه زوجته بالخبر. لم يصدق بادئ الأمر أن زوجته حامل. لكن وبعد فترة استغلتها الزوجة بالإقناع والتأكيد، حمل رأسه بيديه وأجهش في البكاء، ثم قام وصلى ركعتي شكر لله تعالى، وقدم الحلوى لأهل الحي فرحا بقدوم المولود الجديد.

كل تلك الصور تدافعت على ذاكرة الشيخ محسن وهو يحمل ابنه الصغير، نزلت دموعه من عينيه فلم يعد قادرا على أن يداريها أكثر، ثم دنا منه وكبر للأذان في أذنه اليمنى وللإقامة بأذنه اليسرى وأعاد الصبي إلى حضن أمه التي تلقفته بلهفة مصحوبة بحنية واضحة مسكوبة على الجفون، ثم نظر إلى زوجته بدهاء طفل بريء وقال لها:

"ما رأيك أن أسميه جميل؟ أعرف أنه الوحيد، وقد ترغبين بتسميته، لكن يبدو أن هذا الاسم قد ولد معه. حبيبتي ألم تشعري به أثناء الولادة؟

ابتسمت الزوجة بتعب ونظرت إلى زوجها نظرة توحي بمعرفتها الشديدة به وبأسلوبه اللطيف وقالت:

"إنه هديتي لك في هذه الدنيا ولك الحق في تسميته كما تحب وترضى."

لم يصدق الشيخ محسن ما سمع وجثا عند زوجته وقبل يدها ودعا ربه أن يتمم عليه فرحته ويطيل عمره لكي يرى فلذة كبده يكبر ويشتد عوده.

كبر الطفل ولم يكن أجمل من ملامحه إلا شخصيته الرائعة التي جمعت بين طفل خجول محب للجميع ومتحدث بليغ واع لما يجري حوله. اعتاد على الذهاب مع أبيه إلى المسجد، وبعد كل صلاة يجتمع رجال الحي ويتحلقون حوله يتوقون لحديثه الرقيق ويجدون بمداعبته والربت على كتفه ألفة واستحسانا في قلوبهم، فشعره الأشقر الناعم الذي يصل إلى أسفل أذنيه، وعيناه الخضراوان وفمه الصغير الذي يتفجر حمرة، كل تلك الصفات تستقطب مجالات الرؤية وتسترق النظرات.

وكما أسرت الأعين أسرت الآذان، فمع تكرار ذهاب جميل إلى المسجد تعلم أن يخطب بالناس ويدعوهم إلى حلقات دينية بعد الصلاة، ويساعده في تنظيمها إمام المسجد.

الكثير من أطفال الحي انضموا لحلقات تحفيظ القرآن، وشجعهم على ذلك أن جميلا في مثل عمرهم تقريبا. وكان الإمام يرى في جميل الطفل المثالي الذي يجب على كل الأولاد أن يسلكوا مسلكه في الحياة.

صداقة قوية نتجت عن رفقة جميل للإمام، وحبه للتعلم شجع الإمام أن يخصص وقتا محددا يقضياه معا بقراءة القرآن وتفسير الحديث الشريف والاعتبار من قصص الصحابة.

لم يكن الإمام طاعنا في السن. لم يتجاوز الثلاثين من عمره. وجهه خال من الملامح كلوح زجاج قابل للكسر. قليل الابتسام، فإذا ابتسم يشعر بذنب خفي بداخله وكأنه خرق قانونا من قوانين الطبيعة. لديه رغبة قوية في الزواج. معظم فتيات الحي رفضن الزواج به، فهو شاب فقير يعيش في الغرفة التي خصصت له في المسجد، ويكاد قوت يومه ألا يكفيه. يقضي معظم أيامه صائما. يحاول أن يبعد رغباته عن تفكيره وأن يتحدى نفسه البشرية.

ملأ جميل على الإمام وقته، يحدثه بما يعصف في مخيلته ويشاركه الكبيرة والصغيرة. وكلما مر بأبيه الشيخ محسن أشاد بتربيته الصالحة فيشكره الشيخ بلطف ويمضي مزهوا بولده الذكي ويرفع يديه إلى السماء ويدعو لولده بالرضا. حتى أتى ذلك اليوم حيث كانا جالسين معا في الغرفة اليتيمة في المسجد وجميل كعادته مسترسل بالحديث. كان يقص على الإمام مغامراته في الليلة الماضية عندما استيقظ فجأة على صوت غريب آت من غرفة أبويه. حمله فضوله من سريره ليسترق السمع.

بدأ يشرح للإمام ما سمع من أصوات، كل شهقة كل صرخة والتأوهات المخنوقه. كيف كان له أن يعرف أن كل حرف وكل وصف كان يلعب على أوتار رغبة الإمام المكبوتة، ذلك الإنسان الذي حبس بداخله وحشا جائعا ينتظر أن ينقض على فريسته. ضبط نفسه. قاومها للحظات، للحظات فقط. لكنه أفلت الحبل ومد يده يتلمس وجه جميل البريء ثم يديه الصغيرتين وباقي أعضائه الغضة.

لم يفهم جميل وغاب وغابت معه الأحلام، أحلام أمه التي بنتها مع كل شهيق وزفير، وأحلام أبيه التي من كثرتها نسي نصفها وعلق نصفها الآخر في برواز فخم فوق سريره فقط ليتذكر أن الله حق. ذلك تماما ما غفل عنه الإمام وضيع كل شيء في لحظة ضعف رخيصة.

استيقظ جميل في فراش مبلول، وقام يبكي عند أمه التي لا تعرف ما أصاب ابنها الوحيد. ذهبت به إلى عيادة الطبيب في الحي، وأكد لها أن لا شيء يكتنف ابنها، وأنه ربما رأى كابوسا مخيفا. البعض من النسوة قلن إنه حسد، والبعض الآخر منهن أكدن لها حسب خبرتهن بالأولاد أن كل ذلك بسبب الدلال المفرط للولد لأنه الوحيد. قالوا وقالوا ولم يبلغوا القول، وربما السكوت كان أفضل، فقد أغفلوا جهل مجتمع يغزوه جراد الرجعية من كل مكان، ورموا الأم وزوجها والطفل في متاهة لا يعرف لها مصير.

وصل جميل لقمة القاع، وسيشرع بالهبوط من هناك شيئا فشيئا حتى يرتطم بمأساته ويغيب عن لا وعيه المتهدم. انطوى على نفسه. لم يعد اجتماعيا مرحا متفائلا كما كان. ليلة واحدة كانت كفيلة بالقضاء على الطفولة في مقلتيه. وأين؟ في بيت الله الذي لم يعرف أحق منه قط.

تلاشت الثقة وتلاشت حروفها من أبجديته. صارت وجوه الناس مشوهه والأماكن متماثلة حتى سريره في غرفته تمرد عليه وأقلق راحته.

كبر جميل وكبر في أحشائه ذلك الوحش الذي أول حروفه غضب وآخرها انكسار، وما بين الأول والأخير ضياع وتشتت وفراغ لا نهاية له. وقف في يوم أمام المرآة يتأمل وجهه الجميل. تعرى أمام المرآة عله يجد جوابا لذلك السؤال العقيم. لماذا؟ حار في نفسه الضعيفة، وكل ما أراد أن يكون أقل جمالا فيبتعد الناس عنه ويحمي نفسه من شرور الأنفس.

أراد أن يرى وجهه شاحبا بشعا مليئا بالشعر، فأمسك آلة الحلاقة وحلق ذقنه قبل أوانه فنما الشعر في كل وجهه بطريقة بشعة وتحققت رغبته أصبح غريبا يمشي بين الناس ولا يكترث لوجوده أحد.

حزنت الأم على فراق ابنها القديم وصبرت على نوبات الجنون التي تصيبه من فترة لأخرى، ولم تجد هي وزوجها الشيخ سوى الدعاء والصلاة لفك كرب ولدهما المكسور.

أخفى جميل ما حدث عن أهله خوفا عليهما من هول الصدمة، فالأمراض تغزو جسديهما، والزمن يتسلل كل يوم ليسرق أحلى اللحظات من عمرهما، وخشي أيضا من تهديدات الإمام له بعدم البوح لأي مخلوق عما حدث، وسمم عقله بتفاهات صدقها جميل وارتدع منها.

قرر الشيخ محسن أن ينتشل ابنه من العزلة التي هو فيها وتحدث مع ولده وأخبره عن رغبته الشديدة بتزويجه وإدخال الفرح لقلبه وقلب أمه المريض، فلم يعد بالعمر بقية، والأحفاد لا ينزلون من السماء.

وافق جميل دون أي نوع من أنواع المقاومة لذلك القرار المفاجئ، فلم يعد يكترث لشيء في حياته، لا شيء يهم حقا.

لم تصدق الأم أن ابنها سيتزوج وأنه كبر وأصبح رجلا يتحمل المسؤولية. غلبتها الدموع. عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي حملت فيه وليدها بين يديها بعد شهور من حمله في رحمها، وها هي اليوم في ليلة زفافه تجلس قبالته تتأمل وجهه الجميل بعد حلاقته ليوم زفافه، وهي نفس الليلة التي حضر فيها إمام المسجد بكل وقاحة عل السماء تمطر له عروسا. وهي أيضا الليلة ذاتها التي استيقظ فيها الوحش داخل جميل، فغادر الجميع، وبقي هو وعروسه اثنين، ثالثهما وحش جميل الجائع.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A نوشين الكيلاني     C 0 تعليقات

نوشين الكيلاني

موضوعاتي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  بدء مسابقة الطيب صالح

2.  لقاء دبره القدر

3.  هشام بن الشاوي: رواية

4.  غلاف العدد 110

5.  غلاف العدد الخاص: نحو التميز


القائمة البريدية