منجي العيساوي - تونس

فراشة الصنوبر


عبرت سلمى غابات الصنوبر الخضراء ورائحة الإكليل والزعتر تملأ رئتيها. حثت الخطى مزهوة بدفتر الأعداد منتشية بتفوقها. سارت في المسارب الضيقة بين الأشجار والصخور الملساء. اغتسلت من ماء العين المنحدر من أعلى الجبل. رفعت رأسها إلى أعلى. نظرت إلى قمة شجرة الصنوبر المقابلة. رأت سرب الفراش في الموعد. نطت البنت فوق حجر الطريق الأملس الذي خبرته منذ سنين فتبعها محلقا فوق رأسها الصغير كما ألف منذ زمن.

أطلت بوجهها الغض وقد تصبب عرقا على أفراد أسرتها تزفهم بشرى نجاحها الباهر والأمل الحالم يغمرها ممنية النفس بالدراسة بمعهد المدينة وإكمال دراستها كما حلمت، وتهجر المسارب التي لازمتها منذ دخولها المدرسة رغم ما كان يغمرها من عطر وجمال، وتعبر إلى المدينة إلى الأنهج النظيفة والساحات المزدحمة الصاخبة.

ارتسمت على وجه أمها علامات الرضية والفخر، فلطالما انتظرت هذا اليوم بفارغ الصبر فترى ابنتها قد أنهت دراستها الابتدائية فتعوضها عن جهلها الذي يرافقها. أما والدها فقد غمرها بالقبل وأغدق عليها عبارات الثناء والشكر.

أمعن الرجل في البنت النظر كأنه يكتشفها من جديد، رأى ابنته وقد اشتد عودها واعتدل قوامها وبدأ صدرها الصغير في النتوء. أما إخوتها الصغار فلم يكن للخبر وقع عليهم وهم يستعدون لإخراج النعاج إلى المرعى.

"أمي لقد نجحت الأولى. لقد قبلني المدير قائلا أمام التلاميذ إن مستقبلا زاهرا ومليئا بالنجاح ينتظرني."

"شكرا له يا ابنتي. إنك تستحقين كل الخير، فما خبت مند التحقت بالمدرسة.

"سأذهب إلى المدينة يا أبي. ألم تعدني بذلك مند سنين؟ أريد أن التحق بالمعهد مثل ابنة عمي.

"نعم يا ابنتي. ستذهبين إلى المدينة. أعدك بذلك."

ملأت ضحكاتها فراغ البيت، غمرت زواياه بهجة وحبورا، تطايرت خصلات شعرها وهي تقفز بين أركانه كعصفور في قفص. نزعت ميدعتها. رمتها جانبا، ففرحتها لا تسعها جدران البيت، وانطلقت تعدو ملتحقة بالشياه وأخواتها تشرك أشجار الصنوبر والطريق نشوتها. مضت وتركت وراءها جدلا حول موقد مستعرة ناره، وحديثا حول مستقبلها احترق له إبريق الشاي وتبخرت له نشوة تلك الأمسية.

تآكلت أيام الصيف. كانت سلمي تستفيق مع أشعة الشمس الأولى لترعى الأغنام فهي تدرك أن مصاريف دراستها مرتهن بمدي اكتناز نعاجها وانتعاش خرفانها، منتظرة بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي تقود فيه بعضا منها مع والدها إلى السوق الأسبوعية لتبيعها، فتكون نقودها وسيلة لها لاقتناء ما يلزم من كساء ولوازم مدرسية استعدادا للسنة الدراسية كما فعلت ابنة عمها منذ سنين خلت. وها هي الآن تكاد تنهي مرحلة دراستها الثانوية. كم أعجبت بهيأتها وبمظهرها الأنيق عندما اتصلت بها في بداية العطلة الصيفية لتسألها عن المدينة وعن الدراسة، فازداد اهتمامها بشياهها وتعلقها بحلمها. لم تكن ابنة عمها بخيلة معها فأمدتها بما زاد عن حاجتها من كتب وأرشدتها إلى ما يجب التركيز على قراءته طيلة العطلة.

التهمت سلمى محتوى تلك الكتب بشغف الظمآن للماء في الهاجرة وسط الحقول وغابات الصنوبر المحتفية بنجاحها ومع سرب الفراش المزهو بجمالها وهو يرفرف بأجنحته فوق رأسها عند نبع الماء ووسط الجدول. وكم من مرة خالت نفسها وهي تركض بين أشجار الصنوبر كأنها تتنقل من قاعة إلى أخرى تجادل أستاذا أو تلهو مع أقرانها.

حفظت سلمى قصائد المتنبي وأبي القاسم الشابي، وقرأت القصص والروايات. نقشت اسمها على صخرة قرب النبع غير عابئة بما أصاب أصابعها من إدماء لكي تعود إليه وقد صارت طبيبة كما حلمت دوما. كانت ذلك المساء القائظ منتعشة بما رسمت في خيالها من حياة جديدة ومستقبل مليء بالأمل والأحلام لا حدود له وقد ازداد اسمها على الصخرة بهاء وجمالا بإضافة لفظة طبيبة إليه.

بكت تلك العشية وقد بدت حمامة تحضن بجناحين لا حدود لهما غابات الصنوبر والجبل وقريتها التي بانت لها ضئيلة. رأت العالم بساطا أخضر قد فرش زهرا ووردا بكل الألوان، والأفق ممتدا لا حدود له تحت جناحيها. في الأسفل رأت نفسها وشويهاتها نقاطا تتحرك ببطء وبخطى لا تكاد ترى نقاطا عكسه بياض صوف الأغنام تحت أشعة الشمس المنحدرة إلى مخدعها.

تتبعت عبراتها فإذا هي قطرات ماء تغذي الجدول المندفع إلى الأسفل بألوان مميزة محدثا ارتطاما تنزعج له الطيور. استفاقت سلمى على صوت والدها الأجش يأمرها بالعودة إلى البيت على غير عادته، فسيواصل الرعي لوحده هذا المساء. وطلب منها أن تستعد للذهاب غدا سويا إلى المدينة لبيع بعض الخرفان فغدا يوم السوق الأسبوعي.

عادت تنط فوق العشب المصفر وبقايا قصب السنابل التي التهمتها أشعة شمس شهر أوسو غير عابئة بما تحدثه من خدوش وجروح. عادت تراقص فراشاتها وصورة ابنة عمها ترفل في الثياب الجديدة عندما كانت تتأهب للالتحاق بالمعهد الثانوي لتقيم بالمبيت، وكيف شارك كل الأقارب في الإعداد لسفرها. لازالت تتذكر كيف كانت النسوة تنقشن على كل ثوب اسمها ورقمها بالمبيت. عادت سلمى وفي كل قفزة فوق حجر وحجر تدخل مغازة أو تقلب ثوبا فتختار أجمله أو تدخل كتبية فيهديها والدها أحسن محفظة.

لم تشعر سلمى بانقضاء الطريق، ولكنها أفاقت فوجدت نفسها عارية أمام أمها تحممها وهي تحدثها عن المدينة وأخطارها والناس وطباعهم، الأسر وأسرارهم، العرض وصيانته، الشرف وقدسيته والحياة ومصاعبها. كانت البنت تضحك وتجاري أمها فيما تقول بالإيماء حينا وبالصمت أحيانا، فعقلها الصغير كان يتجول وسط المغازات يتفرس الأثواب ويقلبها أو يمر بين الفصول تتخيلها كما وصفتها لها ابنة عمها، بل رأت نفسها ترتدي ميدعة الطبيب تعود المرضى فتستمع إلى دقات قلوبهم العليلة. ولم تستفق إلا وأمها تنهاها بأن تبعد يدها عن صدرها وأن تكف عن هاته العادة السيئة.

لم تنم سلمى ليلتها كما ألفت وانتظرت شروق شمس ذلك اليوم بألف أمنية وأمنية. حز في نفسها أن تسوق خرفانها التي ألفت ثغاءها لآخر مرة إلى السوق، ولكنها أدركت أنه خير لها أن تسوقهم إلى السوق مرة من أن يسوقوها إلى الأبد نحو المراعي وتحرم من إكمال دراستها. نهضت البنت صبيحتها على صوت أمها تطلب منها الاستعداد وتعلمها أن قد حان وقت الرحيل. وقد أحضرت لها أنظف ما لديها من ثوب، بل واستعارت لها حذاء.

تناهى إلى مسمعها صوت والدها يصلي الفجر فأنست له وذكرها بسعيها وراء القطيع صباحات الصيف فقفزت من فراشها وخيالات الأثواب تتراقص أمامها. استعدت بما يليق لهاته المناسبة فاستسلمت لأمها تزينها للحدث وتناولت من الفطور ما أرغمته عليها أمها، فكيف تفتح شهية من يستشرف دنيا كدنياها. انتظرت بشغف صوت والدها يطلب منها الخروج وقد أطبقت أمها على جسدها الغض تضمه إلى صدرها وقد علا شهيقها وسال من عينيها دمع اقشعر له بدنها فبادرتها بالمواساة قائلة:

"لما البكاء أمي، فما هو إلا نصف يوم أو يوم أعود إليك وقد وضعت قدما راسخا على أبواب النجاح؟ فلما كل هذا البكاء؟ ما زال موعد الفراق بالإقامة بالمعهد لم يحن بعد."

تشبثت الأم بابنتها أكثر كأنما تريد أعادتها إلى أحشائها تقبل وجنتيها ممسكة بخصلات شعرها الذي ازداد جمالا ولمعانا. لم تتركها إلا على صوت زوجها، الزاهي، يأمرها بالكف عما سماه فأل النساء السيئ. وأمر سلمى بأن تحث الخطى وتلتحق بالعربة الرابضة أمام المنزل في انتظارهما.

سألت البنت أباها عن الخرفان: من سيجلبها إلى السوق؟ فأعلمها بأن عمها سيوافيهم بها في السوق، فشكرته لأنه أعفاها من مشقة اقتيادهم بنفسها، وجنبها شعور الألم الذي كانت ستعيشه وهي تستل الخرفان من تحت أمهاتهم على ثغائهم الذي يشبه النحيب.

لم تكمل شمس ذلك اليوم نزع رداء الليل حتى وجدت البنت نفسها تحت سور لم يكتمل بناءه، تساقط جزء منه. تعفن أسفله من كثرة التبول، وتحول لون الحجارة الأبيض إلى صفرة باهتة ورائحة التبول العفنة تزكم الأنوف. أرادت أن تلتحق بأبيها ولكنه أمرها بالمكوث حيث تركها بمكان بارز فلم تجد بد من أن تتخذ مثل من سبقها من الأطفال من الحجارة الساقطة كراسي تريح عليها جسمها الطري. أما والدها فقد رمى بجثته فوق كرسي صدئ حول طاولة جرباء يحتسي قهوة مع مجموعة من الغرباء يتبادلون حديثا صاخبا تبينت منه صوت والدها المشحون وسط جلبة الصبية بصعوبة.

تعجبت سلمى لوجودها بهذا المكان، وقد طال مكوث والدها بالمقهى، ولم تر لا عمها ولا الخرفان التي جاءت من أجلها. أينقضي نهارها ولا يحضر عمها؟ مر الوقت ثقيلا. تضور الأطفال عطشا وجوعا. علا ضجيجهم، كثرت الجلبة، ازدادت حرارة الشمس سخونة.

تقاطرت على الجدار الأجرب العفن سيارات لا عهد للبنية بها، ترسى غير بعيد عنها. يسرع الرجال إلى المقهى. عند أول درج من شرفتها يعترضهم رجل أمرد مربع القامة لا طول له مرحبا كأنه على سابق معرفة بهم أو على موعد معهم فيجلسهم مع الرجال كل في طاولة معينة، في حين تظل النساء داخل السيارات مع أولادهن الذين يبادرون بفتح نوافذها وينظرون إلى أطفال السور، فيخرجون لهم ألسنتهم تهكما أو يشيرون إلى الفتيات بحركات أصابعهم.

تستمع إلى صياح النسوة يأمرن أبنائهن بغلق النوافذ وقد تسللت إليهم رائحة السور والأتربة المتطايرة والمتسولون الذين ازداد عددهم وجرأتهم، فهم لا يتورعون عن إدخال أيديهم داخل السيارات عبر النوافذ المفتوحة. وترى المتسولين يمدون أيديهم على شكل دائرة وراء البلور المغلق ويكتفون بطرح ملامح الشفقة على وجوههم وإطلاق عبارات الاستعطاف.

وقد رأت سلمى امرأة تقوم بما يقوم به الآخرون، ولكنها كانت تشتمهم دون أن تفارق مسحة الاستعطاف قسمات وجهها. وسط الجلبة والضجيج تبينت سلمى صوت والدها الزاهي يدعوها إليه. أسرعت باسمة فلا بد أنه فرغ من احتساء القهوة وأنه جنبها الذهاب إلى سوق الغنم وأن عمها قد تكفل ببيعها لوحده وتحاشت مرة أخرى فراق خرفانها.

رأت حلمها في أن تكون طبيبة قد قرب أكثر من أي وقت مضى. اقتربت من الطاولة العفنة. وقف رجل يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق سوداء. ناولها قارورة مشروبات غازية امتنعت عن أخذها لولا إصرار والدها الذي ألح عليها بألا ترفض هدية عمها.

تعجبت البنت لأنها لا تعرف لها عما إلا ذاك الذي تكفل بجلب الخرفان إلى السوق. وضعت القارورة بفمها على مضض. سمعت الزاهي يقول للرجل الذي يرافقه:

"لولا مرض أمها وكثرة العيال ونفقات الدراسة وغياب الشغل وقلة ذات اليد لما تركتها لك بهذا الثمن البخس."

رأيته يعد أوراقا نقدية إلى حدود الثمانية. رأيته كيف أخرج حافظة نقوده الجلدية التي وضعت فيها صورتنا العائلية ويدس بها النقود. مسكني من يدي قائلا للرجل: "ها هي الأمانة." قالها وهو يؤكد على الرجل أن ما دفعه لا يفي بالغرض ولولا المرض لما فرط فيها حتى لأخيه.

مسكني الرجل من يدي الأخرى. سقطت القارورة على قدمي، لم أشعر بالدم ينز لولا حماوته بين أصابعي وسط النعل المستعار الذي ألبستني إياه أمي. سار الرجلان إلى عربة سوداء بها امرأة وصبي. وضع أبي يده على كتفي قائلا:

"ستذهبين مع عمك هذا إلى المدينة. أما كنت تحلمين بالذهاب إلى المدينة؟ ستعيشين معهم بمنزل فخم بل في قصر. ستكون لك غرفة بمفردك."

تتالت حروف السين على مسمعي من الرجل الذي جئت معه لنشتري الملابس. بدأت ملامحه تتخفى من ذاكرتي:

"ستساعدينهم في العناية بالصبي، سيكون ذلك أهون عليك من رعي الأغنام بالحبل وسط الذئاب وبين الأودية والآكام."

شممت حينها عطر الصنوبر والشيح. امتلأ حذائي دما حارا. فاض السائل اللزج حتى امتزج بتراب الساحة العفن. فتح عمي الغريب الباب الخلفي للسيارة قائلا:

"هذه للاتك وهذا سيدك."

تمسكت بتلابيب الرجل الذي جئت معه. اختلطت عبراتي المنهمرة بالهواء المعفر ترابا وألما. قلت:

"أبي أريد أن أكون طبيبة."

علت قهقهة داخل السيارة السوداء، ازددت تشبثا بالرجل الذي آنست لصلاته الفجر. مدت المرأة ورقة نقدية إلى أبي. امتدت يد مرتعشة والتقطتها، عادت إلى جيب السروال، تراجع الزاهي خطوات عن باب السيارة. لم أجد ثوبا أتمسك به. تمسكت بالفراغ. جذبني الرجل ذو ربطة العنق السوداء. مدت لي المرأة قطعة شكلاطة.

صاح الصبي يريد التبول، توارى الزاهي عن الأنظار. اغرورقت عينا سلمى. تلاشت صورة من جاء بها. تعالى صياح الصبي مهددا بالتبول في سرواله. نطت سلمى فوق السيارة. تراقص سرب فراشات محلقا فوق رأسها. ابتسمت سلمى. رأت ميدعتها البيضاء محلقة. نطت فوق العربات. تعالى الصياح. توارت سلمى عن الأنظار.

= = =

ميدعة = زي مدرسي.

مغازة = متجر. دكان.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A منجي العيساوي     C 0 تعليقات

منجي العيساوي

موضوعاتي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  بدء مسابقة الطيب صالح

2.  لقاء دبره القدر

3.  هشام بن الشاوي: رواية

4.  غلاف العدد 110

5.  غلاف العدد الخاص: نحو التميز


القائمة البريدية