أمل النعيمي - الأردن

ذو الـنـصـفـيـن


أمل النعيميمن كان ينظر إليه كان مستحيلا أن يفهم ما الذي يدور في ذهنه. كانت إحدى عينيه تنظر في الأفق اللامتناهي وهي ترقص طربا فوق أرض بلا أبعاد، والأخرى تستشيط غضبا وهي ترنو في الاتجاه الآخر إلى جدران بيت أو شيء لا يدري ما يسميه.

كان نصف شفتيه يقول لا ونعم وبضع كلمات لطالما تمنى أن يحكيها، والنصف الآخر صامت كأبي الهول، وبين سطور الصمت مجموعة اشمئزاز ولعنات. إحدى يديه كانت تلوح هنا وهناك وتمتد إلى القاصي والداني، والأخرى تتشبث بإصرار غريب بالطوب الذي يحرص على ديمومته إلى ما شاء الله.

إحدى قدميه تمشي وتقفز في آن واحد، كأنه يسابق ما تبقى له من زمن، والأخرى تحفر الأرض عميقا خشية أن تلامسها فتقع في خطيئة المسير. لماذا هو هكذا؟ السيد صابر كان يتذكر لماذا أصبح هكذا.

كان رجلا محظوظا، أو هكذا كان يفترض الذي يراه للمرة الأولى. سنواته التي كانت تقترب من الستين بثقة وأمان لم تحل بينه وبين عفوية الطفولة مما جعله محببا إلى النفوس. لكنه في أعماقه كان يحس بأنه لعنة تصيب كل من يعرفه أو يتقرب إليه. مركزه العلمي والعملي المرموق جعله يعيش في بحبوحة، لكن ذلك لم يكن يعني له إلا توفير الخلوة حين يريد الهرب من ذاته واليها.

عائلته صغيرة: زوجة وابنة واحدة. إنه لا يتذكر، أو لا يريد أن يتذكر، لماذا لم يصر على إنجاب صبي أو أكثر. إنه يحب ابنته. لماذا يحس بأنها قيد ثقيل في كثير من الأحيان؟ لولا وجودها لربما استطاع ... "أستغفر الله"، قالها وهو يركب سيارته ويضع شريطا من آي من الذكر الحكيم.

الإيمان يسمو بالروح عن الإحساس بالقيود. قيود. قيد. لماذا تراوده هذه الكلمة عن نفسه بين الحين والحين؟ "صدق الله العظيم"، يقولها مع انتهاء التلاوة المباركة. وسرعان ما يضع شريطا لمجموعة من الأغاني الشبابية. أصابعه تتراقص فوق المقود وشفتاه تدندنان بلا إحساس.

"أف. الزحام لا يطاق." تذكر حوارا بعيدا مع زميل له في العمل:

"أنا لا أفهم إصرارك الغريب على الإشراف على كل صغيرة وكبيرة. أيكمن السبب في أزمة الثقة التي تعتريك أحيانا تجاه الآخرين؟"

ياه! تذكر السيد صابر حازم ذاك الزميل الذي كان يلازمه كظله يوما من الأيام. صداقتهما كانت أسطورة، والآن لم يعد يراه أو يسمع عنه إلا صدفة. وكذلك المهندسة أماني. كم أحس صابر بتناغم معها وكان يعزف لحنها الحبيب في كل مكان.

الكل كان يحسده. يقولون انه كازانوفا لكنه دوما كان يمزح. انه فوق مستوى النزوات والآنسات والسيدات. ولكن، ربما معها ... اللعنة إنها مجرد امرأة وهو يحتقر النساء، لكنه أحب والدته ويشتاق إليها وإلى أماني رغم أنها أسوأ النساء، لقد اكتشفته و...

يسعل ويطفئ السيجارة التي أشعلها منذ لحظات. كم مرة قرر أن يترك التدخين؟ حازم ترك التدخين وهو دائم الاستعداد لترك أي شخص أو شيء يكرهه. إنسان لا يحس بالمسؤولية لذا تخلى عن صداقته. ولأنه مرة سمعه يقول لأماني:

"صاحبنا مسكين. إنني أشفق عليه. وراء جبروته الذي ينفجر أحيانا بلا مقدمات يكمن ضعف شديد، صدقيني إنه جبان."

تبا للصداقة إذا كانت هكذا. رددها وهو يغادر سيارته إلى أحد مواقع العمل. لقد اكتشف انه لم يملك صديقا حقيقيا يوما من الأيام.

"صباح الخير" يقولها ويسمعها كل يوم وهو لا يرى الصباح إلا من خلال عقارب الساعة. البناء يرتفع. لماذا أصبحت كل المباني كالتوائم المتطابقة؟ يحيي الجميع وضحكاته المجلجلة تملأ المكان ولا أحد يسمع الحزن الذي يطلق كل تلك القهقهات.

يعود إلى سيارته، وفي طريقه إلى الشركة يفتح المذياع. يا إلهي! العالم يفترس بعضه بعضا ويجتر ما افترسه ببرود مخيف وفي أعماقه يستنكر. كل لغات العالم تستنكر ولا أحد يفعل شيئا. خبر علمي عن سطوة تقنية هنا وكارثة طبيعية هناك وأغنية ساذجة تقول إن الدنيا ما تزال بخير.

يصل مكتبه حيث ترقد مجموعة الجرائد اليومية. اعتاد أن يبدأ بصفحة الوفيات. إنها الصفحة الوحيدة التي تطالعه كل يوم بخبر جديد. مجموعة من الملفات يجب الاطلاع عليها، وأوراق للتوقيع، وصوت زوجته عبر الهاتف:

تذكر أن ... وأن ... و ... ولا تتأخر.

يرخي رباط عنقه قليلا. الهاتف مرة أخرى والسكرتيرة تبلغه باجتماع طارئ مع المدير العام وتنهي الاتصال قبل سماع الجواب. طبعا سيقول نعم.

أف، هذه الاجتماعات ونفس الكلمات والوعود مع وقف التنفيذ. لماذا يلوم السكرتيرة وهو السبب وراء كل شر وسوء! إذن، لاااااااااااااا. هل يقولها بصوت عال جهور؟ ترك مكتبه كالمجنون، وخرج إلى الشارع وهو لا يدري إلى أين يذهب.

أمام بيته استلقت أحجار البناء تنظر إليه بخبث شديد. طلبت منه زوجته بناء جناح خاص لابنتهما كي لا تفارقها حين تفكر في الزواج. هذه الابنة التي ترى فيها والدتها ضمانها الوحيد ويرى فيها قيده العتيد.

سمعا وطاعة يا زوجتي الحبيبة ويا بنيتي العزيزة، سمعا وطاعة أيها العالم بكل مالي عليك وربما ما لك علي. حاضر.

شيد حائطا ملاصقا لسور المنزل، ومع كل حجر كان يضعه كان يقول "لا".

ها ها ها ها. أخيرا انتهى البناء. حشر جسده في الثقب المستطيل الوحيد. هكذا أنصف نفسه وهكذا انتصف. أحد نصفيه أصبح داخل المنزل والمكتب والعالم القيد، والنصف الآخر صار خارج كل الحدود والقيود. أخيرا تنفس الصعداء.

توافد الناس لرؤيته. قالوا كلاما كثيرا. لا يهم، فنصفه الحر لن يبالي. فقط أماني وحازم لم يحضرا. نصفه السجين كان يسخر منه، فلو حضرا لن يكون هناك حازم ولن تكون هناك أماني.

D 1 شباط (فبراير) 2009     A أمل النعيمي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  تركيا: ندوات النحت الدولية

2.  عن لوحة الغلاف

3.  الفائزون بجائزة الطيب صالح

4.  مقتطف: أسباب اندلاع الانتفاضات العربية

5.  عدد جديد من دبي الثقافية


القائمة البريدية