بقادي الحاج أحمد - السعودية

الأرض الأم

عباءة الليل + بائعة الفول المدمس


بقادي الحاج أحمدعباءة الليل

أسرع الخطى وهو يسير في الغابة، مالت الشمس تحت أعالي الأشجار، تمددت وكبرت الظلال، لبست الشمس غلالة النضار إيذانا بالمغيب، بدأ غرسها كعين الديك تعلوه صفرة أخت الحمرة يرنو إليه من خلف الأشجار بحنان نساء القرية المودعات الدامعات، بدأت تهب نسائم المساء، الصبي تخنقه العبرات وتنهمر منه الدموع يبكي حاله.

فرد الليل عباءة شاهقة السواد على الغابة، وبقدوم الأصوات والحركة صارت الغابة أكثر وحشة، من بعيد يأتي عواء المرافعين (الضباع) المتقطع: أوو. أوو. أوو. تقترب شيئا فشيئا، أسرع الخطى وهرول، تأتيه موجات الخوف من كل الجهات لتزيده فزعا ورعبا، من اليمين ومن الشمال ومن الخلف، يتلفت يتعثر يسقط ويقوم، بدأ يسمع أصوات المرافعين تزداد وهي تجرى خلفه.

لم ينفع الجري، بقي أمامه خياران: إما أن يجد شجرة طويلة سهلة التسلق يتسلقها لتعصمه من سيل المرافعين المتدفق خلفه، أو أن يجد حفرة يدخل فيها. بحث عن شجرة عالية سهله التسلق بجوار الطريق. لم يجد. وجد حفرة دخل فيها سريعا. تجمعت المرافعين أمام مدخل الحفرة تحاول أن تحفر، من فوق وخلف الحفرة، تثير الجلبة والغبار عند المدخل، لكنها لم تدخل الحفرة، حال خوفها بينها وبين دخولها عليه الحفرة، ومحاولات إخراجه من الحفرة خوفا مستمرة أيضا، في الداخل يكاد يموت من الرعب والصراخ. "يا أبو مروة. يا أبو مروة." يستغيث. ظل على هذه الحال لساعات. لم تنجح المرافعين في إخراجه من الحفرة أو الوصول إليه، ولم يحضر أبو مروة لنجدته.

عندما كاد أن ينقسم الليل سمع وقع حوافر حصان على الطريق: كف كف كف. بدأ يستغيث بما تبقي له من صوت: "يا أبو مروة. يا أبو مروة. الحقني."

هربت المرافعين باقتراب صوت حوافر الحصان، سكت صوت الحوافر بالقرب من الحفرة، ثم بدأ يبتعد، وما زال يستغيث: "يا أبو مروة. يا أبو مروة. الحقني." ابتعد صوت حوافر الحصان، واقترب مرة أخرى عواء وجلبة المرافعين من الحفرة، والصبي داخل الحفرة مستمر في الصراخ. بعد قليل رجع صوت حوافر الحصان حاملا على جماعة المرافعين، شتت شملهم. ابتعد صوت حوافر الحصان من جديد، بعد هنيهة سمع صوت رجل يقترب من الحفرة ينادى:

"يا إلى جوه الحفرة، أنت انس ولا جن؟"

"أنا إنس."

"كان إنس أخرج."

"كان خرجت المرافعين بتاكلني."

"أخرج. ما بتسوي ليك المرافعين حاجة. أنا معاى سلاح،" أكد صاحب الحصان.

خرج من الحفرة متدثرا برداء الخوف الرجاف، في حال لو رآه فيها الحصان من قرب لفر فزعا وطار من الخوف. فرك عينيه من التراب والدموع. رأى أمامه صاحب الحصان واقفا حاملا سلاحه في حالة استعداد. عندما رأى حاله سأله:

"الجابك في الليل دا هنا شنو يا ولد؟"

أجاب بحكايته مع سكين الفكي:

"نحن مهاجرون، يطوف بنا الفكي القرى والحلال، ذهبنا من قرية إلى أخرى، بعد الظهر اكتشف الفكي أنه نسي سكينه في القرية التي كنا فيها. طلب منى أن اذهب لأحضر السكين وأعود في اليوم نفسه. ذهبت إلى القرية وأخذت السكين وهممت بالعودة. أهل القرية حذروني من العودة لوحدي في الليل. قالوا: الغابة الكبيرة التي بين القريتين خطرة، لازم انتظر رفيق سفر إن أردت العودة في الحال، أو أنتظر الصبح. في ضوء النهار السفر آمن في الغابة. تأكيدات الفكي لي بالعودة في نفس اليوم لم تترك لي مجالا للتأخير، لا بد من السفر سيرا على الأقدام وحدي أعزل، إلا من سكين الفكي. تحركت بعد العصر على أن أصل إلى مقصدي قبل غروب الشمس، خرجت من القرية بهذا الأمل وتمنيات نساء القرية بأن يسهل الله طريقي ويسترني من المصائب، تشيعني نظراتهن الحنونة الدامعة. أدركني الليل بمرافعينه في الغابة."

حوقل الرجل: "لا حول ولا قوة إلا بالله. يا ولد أنت ما مت. وحييت، ربنا كتب ليك عمر جديد."

ذهبا إلى الجواد المربوط إلى الشجرة. ركبا مردفين.

تثاءب الليل. تمطى. وطوى عباءته السوداء وذهب. أشرقت الشمس. نشرت شعاعا عم البوادي والكثبان والسهول. آه صباح يوم جديد، تسمع خوار الأبقار: بووح. بووح. بووح تودع عجولها وهي في طريقها إلى مرعى، حدد بعد أن قام واحد، أو فريق من ذوي التجربة –بالرواقه– الطواف على ظهور الخيل بحثا عبر الغابات عن السهول والوديان، لاكتشاف المراعي الجيدة الآمنة ومواقع المياه. صدرت التوجيهات إلى الصبية بأن يرتعوا بقطعانهم هناك، عند السهول والمراعي المكشوفة، وأن يبعدوا أنفسهم وأبقارهم عن اللكمة – الشجيرات الكثيرة الكابية، حيث تختبئ الكواسر.

حان وقت المقيل، بدأت الأبقار في الخوار وتشمم رائحة الماء، عرف الرعاة أنها شبعت وتريد أن تشرب، ذهبوا بها إلى البحيرات والرهود القريبة، يحلق السرور بالجميع، تدافعت الأبقار نحو الماء لتروى ظمأها، والأولاد ليتسابقوا، أو يتصارعوا أو يسبحوا. وقد يتذوقون طعم الثلاثة مجتمعات: السباق المصارعة والسباحة.

عاد الرعاة بالأبقار قبل غروب الشمس، أدخلت في الزرائب الخاصة بها، فكت العجول المربوطة للرضاعة وحلب اللبن (الحليب)، بعد العشاء، للثمر حلاوة في حضور ضوء القمر، أو بدونه، مع النجوم المتلألئة في عباءة الليل السوداء.

كان آدم يشتاق ويحن إلى تلك الأيام؛ أيام الصبا الباكر في قريته في غرب السودان قبل أن يذهب إلى الفكي ليحفظ القرآن. هرب آدم من الفكي، ولم يستطع العودة إلى القرية، لأنه لو عاد سيرسله أهله مره أخرى للفكي، لابد من إكمال مهمته حفظ القرآن. ترك الفكي وذهب للعمل مع تاجر الأبقار الذي أحضره معها إلى أمدرمان. في أمدرمان التحق بالعمل في المصنع.

::

بائعة الفول المدمس

كانت تأتي إلى مكان تجمع العمال بعد الظهر، تحمل على رأسها بضاعتها: الفول المدمس، التسالي. صغيرة في سنها، تبرعم جسمها، ملامحه الجمالية صارت بادية للعيان. كانت تجلس مع بائع قصب السكر وبائع العجور (الخيار والفقوس) المتجولين وبائع الشاي وبائع الترمس والكبكبيه. عند انتهاء الوردية الأولى للعمل في المصانع يخرج العمال ليبدأ عمل الباعة المنتظرين.

آدم زبون دائم لبائعة الفول المدمس والبائعين الآخرين، لكنه كثير الجلوس عند بائعة الفول يتسلى مع زملائه بأكل الفول المدمس والتسالي، تقشير ومضغ القصب، مص عصير السكر، وفي أحيان أخرى تغميس فص قصب السكر المقشر في شطة بائع العجور، مضغ ومص عصير القصب المحدق بالشطة قتلا للوقت، بأخذ قدوم قدمين من الونسة مع بائعة الفول، مع الوقت صار يعرف كلمات وجمل من اللهجة المحلية لبائعة الفول مثل: التحية وبعض الأسماء الخاصة.

عندما يكون العمال منهمكين في العمل بالداخل، فإن أرباب السوق الصغير في الخارج يعدون الثواني حتى يخرج إليهم العمال، ليبدأ بيع وتسويق ما لديهم من معروضات. إذا لم يأتهم العمال من داخل المصنع، يطول بهم الانتظار وهم يتصيدون الزبائن النادرين في طرقات المنطقة الصناعية خلال ساعات العمل.

جاء آدم من قريته في غرب السودان منذ سنوات، ترك الزراعة ورعي قطعانه وحضر يتبع ثيران أحد تجار الماشية، في رحلة خريفية طويلة سيرا على الأقدام، استقر به الحال في أمدرمان والعمل في المصنع. لسنوات وهو يقطن أمدرمان، عرف الطرق إلى مدارسها الليلية، وحواريها وأسواقها ومقاهيها وسينماتها، لم يعد راعي قطعان التاجر ذاك. يضع العصي فوق كتفيه ويعلق عليها يديه، وهو يمشى خلف الثيران تارة وأخرى يرفع العصي وهو يجرى خلف الشارد ليعيده للقطيع، يرتدى العراقي ومركوب جلد البقر والطاقية الحمراء وعلى ذراعه الأيسر يربط السكين، أو على الأيمن في حالة الأعسر.

خرج آدم من المصنع لقضاء أمر، وجد مجموعة الباعة ضمنهم بائعة الفول موجودة، يجلس بجوارها زبون. حال الزبون مثل حال آدم قبل أن يتعلم ويصبح "تفتيحه" في أمدرمان. كان الزبون جديدا "لنج" حديث عهد بالمدينة والتمدن. جلس يبرم في شنبه، رافعا كم العراقي إلى أعلى كاشفا عن السكين على ذراعه. رجل قرية من الطراز الأول.

- سلم آدم على بائعة الفول، وسط كلمات السلام دس سؤال خاص عن حالها بلهجتها المحلية -الرطانه.

لم تكن تتوقع سؤاله الجريء، ولم تقل شيئا. كل ما فعلته أنها أطلقت سراح ضحكة عالية الشقاوة. ضحك آدم وذهب في حال سبيله، وكأن شيئا لم يحدث. بعد قليل عندما عاد، وقبل أن يدخل إلى المصنع، لحق به الزبون وسأله:

"بالله عليك يا رجل ماذا قلت لها؟"

"لم أقل لها شيء. سلمت عليها وبس."

"يا ابو ضراع عليك الله تقولي ال خليتها تضحك بيهو كده شنو؟"

"يا أخي ما قلت ليها حاجه غير السلام."

"أنا سألتها، أبت توريني. عليك الله يا أبو شنب، يا أخي أنا قاعد جنبها لي ساعة، آكل في الفول والتسالي، وما قادر أتكلم معاها كلمتين، تجى أنت في دقيقه تتكلم معاك وتضحك ضحك زى دا. ما قولت ليها حاجه شنو. أنا سمعتك أتكلمت معاها بالرطانة."

"ما ياهو السلام ذاتوا بس قلتو ليها بالرطانة، يعنى سلمت عليها بالرطانة."

"عليك الله، يعني أنا هسع أسلم عليها بالرطانة تضحك لي."

"آآي بس قول ليها السلام عليكم بالرطانة، وتضحك ليك طوالي."

"امشى يا زول ما تخاف."

شنق الزبون طاقية. عدل وضع الطاقية على رأسه واضعا لها للأمام، وذهب إلى بائعة الفول. نظر إليه آدم، وضحك ودخل المصنع.

في سوق المدينة

في العقد السابع من القرن العشرين، أخذت بيوت مدينة أمدرمان ذات الأسقف البلدية تدرجيا تتحول نحو بيوت الطوب والإسمنت والحجر، تخللها العمارات ذات الطوابق المتعددة، بشوارعها وأسواقها ترقد المدينة على الضفة الغربية لنهر النيل، كسفينة هائلة راسية تمد الجسور عبر النهر لمدن أخرى.

مرت الأيام يوما بعد يوم، وولت الشهور والسنوات، على موقف آدم وباعة الفول المدمس المتجولة في حضور الزبون -حديث التخرج من القرية وحديث الالتحاق بالمدينة والتمدن، وتلك الضحكة الشقية العالية التي أطلقتها بائعة الفول ردا على سؤال آدم المباغت، وردة فعل الزبون.

في سوق أمدرمان بالقرب من المحطة الوسطى، بينما كان آدم سائرا في طريقه سمع من يناديه:

"آدم. يا آدم. يا زول وين ما شي؟"

عاد آدم ليجد المنادي زميله في المصنع إبراهيم ومعه شخص آخر لا يعرفه.

"السلام عليكم."

"وعليكم السلام."

إبراهيم لمحمدين معرفا: "آدم زميلنا في المصنع،" ولآدم معرفا: "محمدين قريبنا."

"أهلا وسهلا، تشرفنا،" رددها آدم ومحمدين.

إبراهيم: "ماشى وين؟"

آدم: "عاوز اشترى لي حاجات من سوق الملجة."

محمدين: "كيف حالك يا زول؟ ما عرفتني ولا شنو؟"

آدم: والله، "لا أذكر أني قابلتك قبل كده."

محمدين: "اتذكر كويس."

دقق آدم النظر في محمدين: شاب أنيق، يرتدي بنطالا وقميصا متناسقي الألوان، مخلل شعره على الموضة، طريقة الهيـبـيـز، يحمل كتبا وصحيفة في يده.

رد آدم: "لا أذكر."

محمدين: "تقابلنا قبل كده."

آدم: "وين؟"

محمدين: "تذكر يوم بائعة الفول المدمس وتلك الضحكة."

آدم، بعد تفكير: "أيوه. أيوه هو دا أنت، تغيرت كثير."

محمدين: "الوقت داك كنت خام. ما ناقش. ثم أردف: "كويس إنك أتذكرت، طبعا ما ح أسألك سؤال اليوم داك. (يا ابو ضراع عليك الله تقولي ال خليتها تضحك بيهو كده شنو؟). خليني اقدر ليك الي حصل. واحد من اثنين: إما تكون سخرت منى، وإما تكون سألتها سؤال من نوع إذا كانت ترتدي ... في داك اليوم أم لا؟

آدم: "موضوع التناير وما تخبئه تحتها التناير لا أخوض فيه الآن،لكن حاشا أن اسخر منك إذا كنت أنت قروي، فكلنا كنا ما زلنا ذلك الرجل. لو كنت أنت يوم داك حديث التخريج من القرية، فإن القرية هي المدرسة التي تخرج منها الجميع، وما زلنا نتعلم ونعمل من أجل أن نرى الإنتاج الحيواني والزراعي الوفير يتحول إلى إنتاج صناعة هنالك في الأرض الأم."

في طريقه إلى سوق الملجة، مر آدم أمام فترينات المحلات التجارية، بمعروضاتها المختلف الموزعة بنظام، في الملجة النظام غير عاطل، إنه يسعي ويدب بين أركانها، يحدد أماكن لكل من محلات اللحوم والخضار والزيوت والبهارات، في شكل مجمعات، ومع ذلك كثرة الباعة المتجولين والمتسوقين جعلت التداخل ممكنا، ليس بين أصوات البائعة المنادي بأسعار سلعهم، ولكن أيضا بالزحام. إنه مستودع كبير لمطبخ مدينة ضخمة ترقد على الضفة الغربية لنهر النيل.

D 1 آذار (مارس) 2009     A بقادي الحاج أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية

2.  تذكير بتكريم زهرة زيراوي في المغرب

3.  أحوال العمل وفرصه في عصر التكنولوجيا

4.  قراءة في "الحياة أغنية"

5.  قطار الأنفاق


القائمة البريدية