أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » لعنة الديك الرومي

أمل النعيمي - الأردن

لعنة الديك الرومي


أمل النعيميسيدي القاضي الليث ملك الغابة والعدل الموقر، حضرات المستشارين ممن صالوا وجالوا في مملكة كليلة ودمنة، الأخوات والأخوة الحضور من بني الإنسان والحيوان:

لم أطلب محاميا لأني أعرف وأعترف بأنني الجانية والمجني عليها، ولا أطمع في أكثر من حسن الإصغاء إلى كلمة حق في زمن أصبحنا نحتاج فيه إلى ألف وسيط ووسيط لكي تقال وتسمع. وصدقوني، إنني من أشد المعجبات بجمعية الرفق بالحيوان. لكنني أحيط عدالتكم علما بأن فصيلة الإنسان الذي يرعى هذه الجمعيات هو الذي دفع بي للمطالبة بالحكم على سلالة الديك الرومي بالانقراض. هاكم الحكاية.

ذاكرتي التي تتلاطم فيها الأحداث عادت بي إلى عالم النقاء والبراءة. وأنا طفلة، كان والداي رحمهما الله يجراني خلفهما بداية كل عام ميلادي جديد في زيارة منزلية لأحد أقربائنا وهما يحملان معهما ديكا روميا. يبدو الديك شبيها بكبش عيد الأضحى. شيء مضحك أليس كذلك؟

عفوية الأطفال نقشت في الذاكرة أن أولئك الأقارب لم يقوموا بزيارتنا في فرح أو ترح، وكانوا يتقبلون فدية الديك الرومي كإحدى المسلمات وبكل غطرسة وتعال. كبرت، وكبر شيء في داخلي يزيدني نفورا من تلك الزيارة وطقوسها المبهمة.

ورغم أن والدتي كانت نموذجا للحب والعطاء، فقد عنفتني بشدة، وأنعمت عليّ بصفة الجحود ونكران الجميل. لم يكن صعبا بعدها أن أفهم أن ذاك الديك الرومي كان حسب تقديرها أبسط تعبير شكر وعرفان لزوجة قريبنا، الأستاذة الجامعية وطبيبة النساء الماهرة التي أشرفت على مولدي السعيد بعد سبع سنوات عجاف من الانتظار.

أرجوكم، إني أسمع همهمات الاستنكار لجحودي طبعا. دعوني أكمل، فكلمات المرارة تحتاج إلى كم هائل من العلقم لاجترارها والتفوه بها بصوت عال. وصدقوني لقد كنت مستعدة أن أحمل روحي قربانا لأولئك الأقارب لو أنني لمست فيهم تفهما لمعنى الوفاء، العطاء، الاعتراف اللامتناهي بجميل.

أعرف الآن بعد أن دارت عجلة الزمن وشاءت الأقدار أن أمتهن مهنة قريبتنا تلك أن ما قامت به كان واجبا، وليس جميلا يحتاج إلى فدية إلى ما شاء الله. آه يا أعزائي عندما يتحول الإفراط في تقدير المعروف إلى نقطة ضعف تجعل من صاحبها فريسة سهلة لابتزاز أنبل المشاعر الإنسانية! فليذهب كل شيء إلى الجحيم.

طق. طق.

شكرا سيدي القاضي. صوت مطرقتك جاء في اللحظة المناسبة ليظل صوتي هو الأعلى، وهذا يزيدني إصرارا على إكمال الحكاية، لعل موقفك هذا يعطينا بصيص أمل في مجيء يوم يكون صوت الحق فيه دائما هو الأعلى.

علمتني رحلة الحياة درسا وأنا أتجول بين أرصفتها التي تبالغ أحيانا في القرف والحقارة، وأزقتها التي تزداد ضيقا مع الأيام، فقد عاهدت نفسي بأن أتوازن معها جيدا في مكيال الأخذ والعطاء. ولكن، والاعتراف سيد الأدلة، يبدو أن إيماني الشديد بالمثالية تداخل حتى في جزيئات الهواء الذي أتنفسه، ووقف حصنا منيعا بيني وبين واقعية تطبيق ذاك الدرس الموجع، فقد وجدت نفسي، وبلا وعي مني، أقدم بدل الديك الرومي ألفا على مائدة الحياة لأناس كنت وما زلت أعتبرهم الأغلى والأوفى. ولم أكن لأتنبه إلى فداحة خطأ ما أرتكب إلا حين وجدت أن أكثرهم قربا لنفسي صار ينفض من حولي.

يبدو أن الديك الرومي لم يعد برهانا كافيا لولائي وإخلاصي، وصار مبدأ الأخذ اللا مشروط هو عنوان عطائي الوحيد. ولم يعد يفصل بيني وبين هاوية العدم إلا شعرة معاوية. حينها أدركت أن لعنة الديك الرومي قد أصابتني والعياذ بالله.

سيدي القاضي، الحضور الكرام

هناك أسطورة تقول إن لعنة الفراعنة ترافق صاحبها بعد الموت إلى عالم المجهول، لكنها لا تصيب إلا أولئك الذين يعتدون على حرمة الصمت المقدس في هرم ملك فرعوني قديم. لذا أجيبوني بربكم:

هل الحب عدوان؟ هل الإخلاص عدوان؟ هل نكران الذات عدوان؟ هل...؟ وهل...؟ وهل...؟

وهكذا بدأت حملتي ضد واحد من أبناء جلدتكم يا أحفاد كليلة ودمنة. يا من تركتم كما هائلا من فلسفة لا يفهمها سواكم وقلة قليلة من البشر الذين سيظلون على مدى العصور صيدا سهلا للعنة ديككم الرومي.

أتوسل إليكم، إني أطالب عدالتكم بتوقيع أقصى العقوبات على هذا الديك اللعين. أعرف أن لا ذنب له فهو أيضا جان ومجني عليه من حيث لا يدري. ولكن حياتنا نحن بني الإنسان تحفل بما لا يعد ويحصى من أبرياء، جعلت منهم صدفة أو مكيدة شريرة، أو... أو... مجرمين وهم من اسم الجريمة ومعناه براء.

اجعلوا من هذه القصة ملحقا لكتابكم الرائع، وليكن حكمكم عادلا، قاطعا بلا تمييز واستئناف. ربما أستطيع بعد ذلك لملمة ما تبقى من كبريائي وعزة نفسي. ربما عاد إلي أولئك الذين أتخمهم عطائي بصداقتهم ومحبتهم. ربما وجدت بعد ذلك وسيلة أقل إفراطا في السخاء أعبر فيها عن شمائل كانت تعتبر أكليل غار قبل أن تدور رحى الأيام، وتطحن منها الكثير، لتصبح اليوم ضعفا وعارا.

إني أضع رقبتي ورقبة ديككم الرومي تحت سيف عدالتكم، فإما أن تقطعوا رقبتي فأستريح، وإما أن تقطعوا رقبته فيريح.

طق. طق.

مطرقتكم تعلن: الحكم بعد عقد جلسة استدعاء للأرواح، وعرافة، وبلورة مستقبل للتأكد من وجود الصفات المثالية في الماضي وما خلفته من ارث من السلب والإيجاب، ثم التنبؤ بما قد تؤول إليه الأحوال إذا استغنى بنو الإنسان عن الشيم المذكورة أعلاه، وتحولوا إلى روبوتات تبرمج بعضها وفقا لمعيار التحضر الذي قد يستهل بنعت المثالية والصفات الحميدة بالتخلف وإبطاء عجلة التطور، التي تسير بسرعة تفوق الضوء باتجاه نفق قد لا نرى في نهايته أطلال محكمة وقاضيا ومحاميا وجلادا ومجرمين وأبرياء.

عندما يصبح داخل الإنسان مجرد فراغ، يتساوى الميلاد والممات، ويصبح ما بينهما شيئا عديم اللون والطعم والرائحة، اسما ممنوعا من الصرف، وجملة لا محل لها من الإعراب.

رفعت الجلسة.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A أمل النعيمي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  احتراق الغريب لوجع الحبيب

2.  مجرد فكرة

3.  كلمات لحب خارج التغطية

4.  كـلـيـي والفن الحديث: نحو عالم الحرية

5.  اتفاقية مكافحة التمييز في التعليم


القائمة البريدية