أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » سنديانة جبالنا + عندما هوت الفضيلة

ظلال عدنان - الأردن

سنديانة جبالنا + عندما هوت الفضيلة


سنديانة جبالنا

عتيقة كنت أراها. تقوس ظهرها كقوس النصر، فهي حقا انتصرت عليه. حين تراها ينتابك إحساس أنك تعرفها قبلا. ربما هي جينات النساء العربيات، متماثلة. يتوارثن العزة والأنفة وقوة الاحتمال: احتمال الذل والمهانة، والصبر على كدر الأيام، وغدر أهل الزمان، فكل أمهات العرب أمك.

خصتني بكأس للشاي لا يشرب بها أحد غيري. تحب الأطفال وتجزل لهم العطايا. تهش في وجوههم وتطعمهم مما لديها.

جمالها كان باديا لم تمحه كتابات أيام وخربشات سنوات. نقلتْها للعام المائة.

مرة علمتُ أنها لم تنجب أطفالا. فظننتُ أن هذا هو سبب حنوها وعطفها علينا.

مرة أخرى بعد أن مزقتُ ثوب الطفولة علمتُ أن أمها هي سبب حرمانها من الإنجاب.

تعجبت وسألت: لم؟ لم يجبني أحد.

انتظرتُ حتى ارتديت خلعة الرجال وخط الشارب أولى حروفه في وجهي، قالوا لي: قد تزوجت وأمها لم تكن راضية عن زواجها، ودعت عليها ألا ترزق بالأبناء. وفُتحت أبواب السماء ليستجاب الدعاء من أم جهلت أثر الدعاء على الأبناء.

أكمل لي أحدهم: كان جمالها يفوق الوصف رغب بها الكثير، خُطبت لأحد أبناء القرية. وبالمال استطاع مختار القرية أن يجعل أباها يعدل عن تلك الخطبة ويزوجه إياها. وكان للمال ما أراد.

ذات صباح قروي يكتسي بخضرة الزيتون ويعبقُ برائحة خبز الطابون، اشتقت لكأسي عندها. وارتشاف الشاي بالنعناع.

دخلتُ بلا استئذان، فلا داعي لطرق الباب بعد أن ضعف السمع عندها.

وكأم حنون كانت تعتني بزوجها المختار الذي ما عاد يقوى على الحركة. أبهرني منظرها. هي بظهرها المحني ويديها المرتعشتين وخطوها البطيء تغسل وجهه برفق وتصلح ثيابه. بحثتْ عن زجاجة عطر أوصتني أن أشتريها لها من المدينة، وقد داعبتها حينها: ماذا؟ عطر؟! سأخبر المختار.

رشت العطر. على يديها ومسحت به وجه زوجها وبقايا شعره.

لم تفتني حينها دمعته الحبيسة وهو يطلق دعواته: الله يبارك فيك. الله يرضى عليك. سامحيني يا حجة. سامحيني.

علمت يومها بقية حكايتها: كان المختار فظا غليظا معها، قاسيا عليها يهينها، ويكيل لها السباب والشتائم. وهي كالسنديانة؛ تزداد شموخا نحو السماء وتلقى أغصان محبتها له، وتمد جذور عفوها وصبرها لتمتص كرهه وحقده.

ذات لحظة خريفية رحلت سنديانتي. وكأسي يحتضنه صندوقها.

::

عندما هوت الفضيلة

أمسكتْ قلمها، وكتبتْ عنها، لا لأنها شخصية ذات فضائل ومكارم؛ بل لتثبت واقع أمة صرنا إليه:

(كما الزئبق هي، مديرة مدرسة الفضيلة. وقد تتساءلون عن وجه الشبه بينها وبين الزئبق. فأجيبكم، يا سادة يا كرام، بتحدّ: لو أنكم تستطيعون إمساك الزئبق بين أصابعكم؛ إن أتيتموه من اليمين غافلكم من الشمال، وإن حاصرتموه من المقدمة تفلّت متسللا من المؤخرة.

كانت معلمة فاشلة مستهترة متهاونة في عملها مهملة لأطفالها. كل من يراها ينتقد هندامها وعدم مبالاتها؛ حتّى أن أكوام الأجيال في القرية يتندرون عليها.

وفي غمضة عين انتقلت من كونها معلمة لتجلس على كرسي الإدارة الذي لم تتوقع يوما أن يكون لها، فاحتلته أعواما طوالا، تردّت فيها مدرسة الفضيلة وتهاوت أركانها، وتطايرتْ أحلام الطفولة، فتلاشت دون عودة.

كانت لا تفارق كرسيها وسماعة هاتفها إلا ما ندر، لا تعلم ماذا يجري في المدرسة من قصور وإهمال وفوضى، وقتْل للفكرة السامية، إلا إذا تبرّعتْ معلمةٌ بنقل مجريات الأحداث إليها.

لم تكن تتصدى لمواجهة المشاكل بنفسها، بل ديدنها التهرب منها، وإيكالها لمشرفة أو مساعدة أو معلمة أو حتى طالبة. لكن أكثر ما حيرني فيها قدرتها على المراوغة، وطاقتها العجيبة في اختلاق الأعذار، وسرعتها الخارقة في التنصّل من أقوالها وتحريفها. تراها مبتسمة في وجهك مهللة مرحبة، وفي لحظات تغرس سمّها الزعاف في الطفولة المنسية. تظهر لك الود وتحيك لك المؤامرات.

قد تظنون أنني متحاملة عليها ربما لتقصيري في عملي، لكنّها هي ذاتها تعترف بقدراتي في التعليم وتميزي. قد تتساءلون: إذا لم تعاملك بهذه الطريقة؟ ربما هي خصتني ببعض مزاياها الإضافية من المراوغة والكذب، لكنّ طبعها وتركيبتها النفسية قد جُبلتْ على ذلك في تعاملها مع الجميع، ولولا أننا، بني آدم، جميعا خلقنا من تراب لقلتُ إنها مخلوقة من الزئبق الصافي، فهي تعدك اليوم وتخلف غدا، وتنطق بالكلمة الآن وتحلف الأيمان وتنكث بعد ساعة. قد ملأ الجبن قلبها وخارت همتها، فاستسلمت للحياة وركودها، فباتتْ بركة ماؤها آسن مهما حلا منظره.)

أغلقتْ قلمها، وطوتْ أوراقها، ثم مزقتها وبعثرتها، وحدثتْ نفسها: لا تستحق مكانا بين أوراقي، ولا أن أخلدها بقلمي. فلتطوها الأيام ولتذهب مع الريح إلى مجاهل النسيان.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A ظلال عدنان     C 0 تعليقات