أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » نصان: سمكة + بيتزا

غادة المعايطة - الأردن

نصان: سمكة + بيتزا


سمكة

كان بانتظار طفله ذي الثماني سنوات أمام المدرسة. وفي مشهد متكرر، خرج الطلبة بأعمارهم المتفاوتة، هذا يمازح صديقه بحركة تختصر معنى شقاوة، وذاك يتحسس آخر قطعة من كيس (الشيبس) الذي ما أن انتهى منه حتى دسه في جيب معطفه الشتوي (سلة النفايات المتحركة لطلبة المدارس).

والد يهبط من سيارته ويقطع الشارع بحذر، يعود وبيده طفل وقد خرجت جميع قمصانه من البنطال بينما (يجر) معطفه على الأرض، وباليد الأخرى الشقيقة الصغرى تلتهم بقية (سندويشة) من الواضح تماما أنها (زعتر) من ختم حبات السمسم والسماق المنتشرة على وجنتيها.

فتح جهاز الراديو في السيارة. أخبار بي بي سي. مذكرة اعتقال البشير. سمع الخبر ولعن الـ... غضب واختار موجة إذاعية أخرى. بصوت مشوش، تخلله لحظات انقطاع كامل، سمع المغني يقول: "أرض العرب هي العزيزة الـ..." وانقطع الصوت تماما.

ردد بهمس: "ارض العرب. أي عرب؟"

فضل الاستماع لأصوات الطلبة وضجيجهم (وضحكاتهم) فرحا بانتهاء الدوام المدرسي لذلك اليوم على الاستماع لمآسي العرب المتلاحقة.

خرج من بوابة المدرسة طفل وبيده إناء زجاجي. تابع الطفل بنظراته. (ما قصة السمك هذه الأيام؟) كان طفله قد ابتاع سمكة من المدرسة في اليوم السابق، وانشغلت الأسرة كبيرها وصغيرها بالعناية بالسمكة وسط احتجاج إناث الأسرة بضرورة وجود رفيق للسمكة يؤنس وحدتها، بينما هددت الشقيقة الكبرى بإعادتها إلى أقرب نهر أو بحر أو محيط (على الرغم من بعد هذه التضاريس عن العاصمة عمان)، من باب الشفقة على السمكة التي يجب أن تكون في بيئتها الطبيعية وليست سجينة حوض.

فجأة، سقط الإناء الزجاجي، وتناثر الزجاج، بينما السمكة الصغيرة تضرب يمنة ويسرة رعبا من الأجواء (الجافة) التي انتقلت لها فجأة. أخذ الطفل بالبكاء بحرقة. تدافع الطلبة لمراقبة السمكة (الحدث). هبط الآباء والأمهات من سياراتهم بحركة لا شعورية، إما تضامنا، أو ... الله اعلم.

ركض الطفل صوب أمة (السمكة. السمكة) وبدأ موجة أخرى من (النحيب). استفز المشهد بواب المدرسة. خرج وبيده زجاجة من الماء في محاولة لإنقاذ السمكة. سكب الماء على السمكة ولا تزال السمكة ترقص رقصة النهاية. كثر الصخب. وارتفعت أصوات المواساة للطفل الصغير.

هبط من سيارته. اتجه نحو صندوق السيارة. تذكر أنه قد أعاد الإناء البلاستيكي الذي كانت زوجته قد وضعت به حبات من التمر ليتناولها في وقت الراحة بين محاضراته في الجامعة. نزع الغطاء. أفرغ في الإناء قارورة الماء الصحية التي يحرص دوما على اقتنائها في سيارته. توجه نحو مسرح الحدث.

انزلقت السمكة عدة مرات بين يديه قبل أن ينجح ويضعها في خانة الحياة. قدمها للطفل والذي كان من الصعب شرح ردة فعله على عملية الإنقاذ. شكرته الأم وتوجهت إلى سيارتها برفقة طفلها الباكي المبتسم.

عاد إلى سيارته. ابتسم. فعلا هناك علاقة ما بين السمكة التي كادت أن تنطوي على الرصيف بينما المعظم يحزن ويتألم وينتظر (الآخر) ليفعل شيئا ما، وبين "ارض العرب هي الـ..."

خرج طفله من بوابة المدرسة مع سمكة أخرى في إناء زجاجي. توجه بسرعة نحو طفله. ومنعا لتكرار (المأساة) أمسك طفله بيد، والسمكة باليد الأخرى السمكة، وهيأ نفسه لاحتجاج أنثوي آخر.

دندن بصوت مسموع في طريق العودة: "أرض العرب هي العزيزة الغالية. الغالية."

::

بيتزا

احتفاء بأول مكافأة يحصل عليها من عمله الخاص، دعا أسرته لتناول (بيتزا)، طبقه المفضل.

في المطعم الخالي تقريبا من الزبائن، طلب ضعف الكمية المطلوبة ليتمكن من الاستمتاع بباقي الكمية (على السهرة).

"أهلا وسهلا. تفضلوا." قال الجرسون.

طلب البيتزا النباتية مع العصير وطبق لازانيا وطبق سلطة.

"مع لحمة أم بالخضار فقط؟ سأل صبي البيتزا.

"نباتية أو سمحت." أكد مرة أخرى.

كتب الصبي الطلب، وقال: "ربع ساعة وتكون جاهزة."

وبانتظار البيتزا (النباتية) دار الحديث عن أنواع البيتزا: أشهر مطاعم البيتزا، أفضل مذاقات البيتزا، السر في ارتفاع سعر البيتزا. طال الحديث ولم تظهر البيتزا.

تقدم شاب بكل هدوء ولباقة وقال:

نأسف جدا، لقد حصل خلل. تم تجهيز بيتزا باللحم وليس بالخضار. هل لديكم مانع من تناولها؟ ستجهز بيتزا الخضار بعد دقائق وستكون بيتزا اللحم على المحل."

تقبلت الأسرة الفكرة، فيما (صاحب الدعوة) استنكر بسريه تامة. بعد دقائق حضرت البيتزا، فرك يديه استعدادا لالتهام البيتزا. وضعت أطباق البيتزا. مسح الأطباق بنظرة ثاقبة. زينت قطع اللحم جميع الأطباق. الأسرة انشغلت بالطعام. لم تكن البيتزا نباتية. تقدم الشاب الهادئ اللبق، وقال:

"نأسف مرة أخرى. لقد حصل عطل في المطبخ..."

لم يسمع صاحب الدعوة باقي الجملة. توجه للمطعم المجاور وابتاع لنفسه وجبة من البطاطا المقلية.

بعد انتهاء الوليمة، توجه والأسرة للسيارة. ومن باب المطعم الجانبي، لمح صبي البيتزا خارجا منكس الرأس. كلمة واحدة التقطها من بين جمل كثيرة:" مطرود." خرج من المطعم يردد: "ومالو أكلنا العربي؟"

من يومها كره البيتزا. أما بقية القصة السعيدة، فقد كان صبي البيتزا ابن مالك المطعم.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A غادة المعايطة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  رسالة إلى عود الند

2.  صـديـقـتـي الـوهـمـيـة

3.  عود الند في الصحافة-1

4.  مقتطفات من رسائل القراء

5.  في العدل والظلم: "لست مذنبة"


القائمة البريدية