أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » أقنعة تذيبها الدموع

نعيم الغول - الأردن

أقنعة تذيبها الدموع


خلف كأس من البيرة جلست مرام، وخلف فنجان من القهوة جلست رانية، وخلف الزجاج العريض للكافتيرية المطلة على دوار فراس في جبل الحسين كانت جلستهما معا بعد سنوات من الفراق. كان اختيار المكان اقتراحا من رانية فقد شهد زمالتهما في المدرسة الإعدادية وحيث يشكل بالنسبة لها منطقة وسطى من عمان بعيدا عن عمان الغربية ولهفتها إلى الغرب وقريبا من عمان الشرقية والتصاقها بأذيال الشرق.

شعر مرام المقصوص كاريه لم يكن يضايقها، ولا كان يعنيها أن تلفت الأنظار إلى جمالها، ولهذا لم تكن تحركه يمينا وشمالا كلما تحدثت. لكنها كانت تحدق فيمن يدخل ويخرج، ومن يجلس قريبا أو بعيدا، كأنما هي مكلفة بأن لا تغفل لحظة واحدة عمن حولها. في المقابل كانت رانية تطيل النظر إلى الزجاج، وتتفقد حجابها الأبيض على رأسها كلما مر رجل، أو تجول صوت ذكوري في الأجواء القريبة منهما.
وضعت رانية كوعيها على الطاولة، وشبكت يديها قريبا من فمها، وقالت وابتسامة جانبية تتطوح على شفتيها:

"لم أصدق حين شاهدتك على التلفاز أول من أمس، وقلت ترى هل هي هي أم غيرها؟"

فضحكت مرام وقالت: "هي هي، ولا كل المصائب تغيرها."

فردت رانية وقد اتسعت ابتسامتها: "قلت ما تزال المتمردة التي لا تضع الدنية لأحد في حقها أو حريتها."

صلصلت الضحكة من فم مرام وهزت رأسها مرات: "هي هي ولا كل مصائب الدنيا تحولها."

فتابعت رانية: "وتذكرت كيف كنت في المدرسة تصرين على رفض أن تضربك المعلمة، وتقولي لها أن تبحث عن أية عقوبة لا ضرب فيها، ولا شتم، ولا إهانات."
"هي هي بعينها."

"والمصيبة أنك كنت تحققين غرضك. حتى صارت المعلمات يحسبن لك حسابا."
"هكذا هي الدنيا. مع القوي دائما."

"وكنت تقولين إنك لن تتزوجي إلا بعد الدكتوراه، ولن تتزوجي إلا عن حب، وإنك ستختارينه بنفسك، ولن تنتظري حتى يختارك فتوافقي أو ترفضي."

صفقت مرام للجرسون وقالت بشيء من الملل: "إلى متى سيستمر درس التاريخ يا رانية؟ إنهِ قهوتك، سأطلب لنا شيئا آخر."

"ربما عصير برتقال. ولن ينتهي درس التاريخ. الماضي للمرأة والمستقبل للرجل. سيستمر الدرس حتى تقولي لي ماذا فعلت بعد الدكتوراه. هل تزوجت؟"

تنهدت وقالت بصبر: "نعم تزوجت."

فسألت رانية بلهفة: "وكما كنت تقولين؟ أعني اختيار وحب وقصص كهذه؟"

"حرفيا. حتى إنني رفضت أن يأتي ويطلبني من أهلي. تعرفين أبي وأمي لا يلتفتون للتقاليد السخيفة. اتفقنا أن نتزوج كيفما اتفق ويبلغ هو أهله وأنا أبلغ أهلي ورتبنا أمورنا كما نشاء. وماذا عنك؟"

فرجعت رانية بظهرها إلى الوراء، وغابت نظراتها خلف الزجاج ملاحقة أرجل المارة: "أما أنا فلأني عكسك تماما فقد وصلت إلى سنة التوجيهي وكنت مقتنعة أنني حتى لو نجحت بمعدل ممتاز فلن يسمحوا لي أن أكمل المشوار."

"وخرجت من المدرسة بعد التوجيهي أم قبله؟"

"بل أكملت ودخلت الجامعة بعد أن قال أحد أقارب أبي إن التي لا تكمل دراستها لن يتقدم إليها أحد، وستعنس لأن الشباب يبحثون الآن عمن تساعدهم على أعباء الحياة."

"وهذا ما يحدث الآن. صار علينا أن نقايض الزواج بالعمل، وإلا عليك أن تجفي تدريجيا، وأنت تراقبين نفسك أمام المرآة بانتظار العريس. أنا أرفض هذا المنطق. أرفض المقايضة."

"أنت من جبهة الرفض وأنت في بطن أمك، ولا أدري كيف نزلت؟"

فضحكت مرام: "بعملية قيصرية صدقيني."

استطردت رانية وهي تبادلها الضحك: "وانتظرت حتى جاء (بسلامته). مهندس حصل على شهادة الهندسة بالتجسير، قالت والدته إنه يريد فتاة بيضاء طويلة نحيفة متعلمة وموظفة ومحجبة وعلى خلق وتقدس الحياة الزوجية. وصادف أن كل هذه المواصفات موجودة عند حضرتي وتزوجنا. هل صار لك أولاد؟"

"لا."

"هل هناك مانع طبيعي عند أحدكما؟"

قلبت مرام شفتها السفلى وردت: "لا. مع الأول كنت مصممة على أن نجرب حياتنا معا مدة سنتين أو ثلاث قبل التفكير في الأولاد."

"ما دام هناك أول إذن هناك ثان؟"

"وثالث أيضا. المهم لم نتفق على أشياء كثيرة لم تكن ظاهرة أيام الحب والخطوبة، واكتشفت أنه معقد، ويحسدني على نجاحي مع أنه يحمل شهادة الدكتوراه مثلي. لكنه كان بلا طموح، بعد رسالته نام وقال لا يقول لي أحد قم. كان مغطى بقشور وسقطت القشور بعد الزواج."

تنهدت رانية وقالت: "أحسن ما يكون مدفون داخل صدفة لا تظهر ما فيها إلا بالكسر."

"هل كسرت الصدفة؟" وأردفت مازحة: " أوه. لا تقولي قتلتِه، لا أعرفك عصبية."

"لا كسرني أنا. تزوج علي."

"ابن الكلب. ولماذا رضيت؟"

"تزوج دون علمي."

"إذا كانت أموره طيبة ويستطيع الزواج من اثنتين فلم يشترط موظفة وعملا وهو شخص تقليدي؟"

لا تقليدي ولا أصلي. مهر الجديدة من محسوبتك. أنا دفعته."

كانت ترشف فشرقت وسعلت وهتفت: "الله لا يوفقك. أنت عار على جنس حواء."

"لا حواء ولا مواء. خدعني وقال لي أنه سيفتح مكتب هندسي مستقل، وسنصبح أغنياء، وأقنعني بالذهاب إلى البنك وطلب قرض بضمان راتبي. وأخذ المبلغ ودفع مهر للست."

"وماذا عملت؟"

"رفعت قضية تفريق وقضية أطالب فيها بالمبلغ. آسفة قاطعتك ودخلت في موضوعي."

"بالعكس أنا سألتك. الثاني يا ستي اخترته أيضا حسب نظريتي والمصادفة أنه قال لي إنه أيضا اختارني حسب نظريته. المهم، أيضا اتفقنا على سنتين هدنة أطفال. واكتشفت أنه على علاقة مع سكرتيرته وطلقني وتزوجها. ولم أرفع قضية ضده لأنني لا أريده أن يظل حتى على هامش حياتي حتى يحكم لي أو له."

"والثالث؟"

"عندما اكتشف أني متزوجة اثنين قبله قال خلينا مثل سارتر وسيمون دي بوفار."

"ماذا يعني؟"

"يعني عيشة كالأزواج بلا زواج."

"زواج عرفي أم مسيار؟"

"لا هذا ولا ذاك. نعيش تحت سقف واحد دون زواج."

"هذه هي آخرتها؟"

"لماذا؟ أنا رضيت. هذا أنسب لي."

"كيف أنسب لك؟ الناس وأهلك وأقاربك والله؟"

"أنا طوال عمري منسجمة مع نفسي. الناس لا دخل لها بي، وأقاربي لا أعرفهم والله أراد هذا وإلا لما حصل. ثم إن البيت ملكي وفي أي وقت أستطيع أن أقوله له الله معك. وأنا لا أخسر شيئا."

"متأكدة أنك لا تخسرين شيئا؟ عمرك الآن ثمانية وثلاثون عاما. وأنت بدون أولاد وبدون زوج."

"ماذا يعني؟"

"يعني أن الزمن لا يرحم. إذا كان الرجل والطفل مهما لك فلن تجدي أيا منهما. العمر لا يحتمل المزيد من التجارب."

"أنا دكتورة، ولي مكانتي في الأوساط العلمية والثقافية وعندي شقة وسيارة وراتب كبير وما زلت جميلة. الفرص ما تزال موجودة."

"ها أنت تقايضين."

فردت بحدة ولكن بصوت خافت: "وهل حالك أنت، وأنت عكسي، أفضل؟"

"ليس تماما. ربما خيبتي أثقل. ولداي معي. من ناحية لا أعرف كيف سأربيهما إذا تخلى هو نهائيا عنا. ومن ناحية أخرى هناك شيء ما قد أتوكأ عليه يوما ما حين يكبران."

كانت الدموع قد بدأت تسيل من عينيها وتترك خطا أسود متعرجا على الجانبين. وحين رفعت رأسها لتنظر إلى مرام كانت هذه قد منحت وجهها كله إلى الزجاج الذي عكس فجأة صورتيهما عند دخول الغروب حرم السماء وجو المدينة وفراغاتها. بدتا كتمثالين في ساحة عامة تلوثا بدخان السيارات وغبار الجو وينتظران موسما شتويا غزير المطر يغسل ما ران عليهما.

وضعت رانية يدها على يد الدكتورة وضغطت عليها، فأدارت مرام رأسها ووضعت يدها الثانية فوق يد صديقتها، وبادلتها الضغط بحميمية أكثر. كانت الدموع أيضا تلملم بقاياها استعداد لنزول جديد. مسحت عينيها وقالت ضاحكة: "خرب مكياجي."

فشاركتها رانية الضحك وقالت: "وأنا أيضا."

فنهضت مرام وهي تقول: "يمين شمال الخيبة واحدة. تعالي نصلح مكياجنا كي نرى العالم أجمل."

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A نعيم الغول     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  احتراق الغريب لوجع الحبيب

2.  مجرد فكرة

3.  كلمات لحب خارج التغطية

4.  كـلـيـي والفن الحديث: نحو عالم الحرية

5.  اتفاقية مكافحة التمييز في التعليم


القائمة البريدية