أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » الرحلة الأخيرة من الشمال إلى الجنوب

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

الرحلة الأخيرة من الشمال إلى الجنوب

الطيب صالح وداعا


"ويل لأمّة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج، ويل لأمّة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدّين، ويل لأمّة مقسّمة إلى أجزاء وكل ّجزء يحسب نفسه فيها أمّة."

متى رغبت بزيارته، فهو ينتظرك في بشرّي (*) على كلّ درب وعند كلّ منعطف، لست بحاجة إلى دليل، فصوت نايه يتردّد في الوديان، يقودك إليه في الكروم أو مع الرّعاة في غابات الأرز والسنديان. إنّه حاضر في كلّ لحظة في الليل والنهار ليؤهل بك ضيفا عزيزا في دياره، بل في العالم كلّه، في متاحفه ونواديه ومكتباته؛ فإن أعياك السفر والترحال، فاختصر الطريق وسل عنه "النبي وخليل الكافر"، يخبرانك أنّ جبران لم يمت لأنّه صنو الدهر يعيش ما الدّهر عاش.

ورابندرانات طاغور نبي الهند وشاعرها وصوت العدل فيها، الذي أشرقت شمسه على العالم، يكسو جسمه بالرماد، ويعيش على النبات، يغتسل عاريا في مياه نهر الغانج يطهّر نفسه من خطايا ارتكبها آخرون، ورائحة الغار والبخور تهب مع الريح من قمم جبال الهيمالايا، تنتشر على السفوح وفي المروج والوديان، وعلى ضفاف بحيرات "ساحرات"؛ أو يجوب البلاد حافيا من كفر إلى كفر، ومن قارة إلى أخرى، يحمل قلبه في يديه يتلو صلاته ويقول:

"يا رب، ساعدني على أن أقول كلمة الحق في وجه الأقوياء، وساعدني على ألاّ أقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء. يا رب، علّمني أنّ التّسامح هو أكبر مراتب القوّة، وأنّ حبّ الانتقام هو أوّل مظاهر الضّعف. يا رب، إذا أسأت إلى الناس فاترك لي شجاعة الاعتذار، وإذا أساء إليّ الناس فأعطني شجاعة العفو."

وأندريه جيد و"سمفونيّة الراعي" تتردّد أنغامها صلوات "في سكون تذكارات الله" فإن لم يتناه صداها إلى أسماعك، فادخل بيوت الله، فأنت واجده هناك يصلّي بتقوى الأنبياء.

"الكوميديا البشريّة" وتجربة "بلزاك" في الحياة تتحدّث على لسانه؛ ومرارة طعم الحليب في الثّدي الذي أرضعه؛ وفي يده مسقاة ملأى بدمع العين والقلب يروي بها عطشى "الزنابق في الوديان" لتزهر طهرا في القلوب وعطرا تنثره على الكون.
ومرسيل بانيول رقيقا يحدّثك بحنين يضني، عن "زوجة الخبّاز" "واعتزازه بأبيه" "والقصر" الّذي بناه كرمى لعيون الأمهات، خير شاهد على عظمة وجمال القصور التي بناها.

"لم تزلزل الأرض زلزالها، ولا أخرجت الأرض أثقالها". اختفى أولياء صالحون، واختفت معهم مآثرهم، نشبت حروب فساد الظّلم وقلّ الإيمان؛ ما عدا ذلك فكلّ شيء على حاله باقٍ، لم تقم السّاعة، لم تنشف البحار، لم يتبدّل مشرق الشّمس ولا مغربها، وتوالت الفصول تباعا، كما توالى الليل والنهار، كلّ شيء حيث يجب أن يكون. لكنّ رحلة "عرس الزّين" توقّفت وتوقّف أيضا "موسم الهجرة" هذه المرّة من الشمال إلى الجنوب، شأنه في ذلك شأن المتنبي وجبران وطاغور وبلزاك وبانيول ولامارتين وطه حسين وغيرهم. من أول الدنيا إلى آخرها. هؤلاء كلّهم ومن بينهم الطّيب صالح، لم يموتوا لكنّهم رحلوا إلى بعض الدّيار.

"ونحن تحت هذه السماء الجميلة الرّحبة، أحسّ أننا جميعا أخوة. الذي يسكر والذي يصلّي، والذي يسرق والذي يزني، والذي يقاتل، والذي يقتل، الينبوع نفسه. هذه أرض الشّعر والممكن. سنهدم ونبني وسنخضع الشّمس ذاتها لإرادتنا، وسنهزم الفقر بأي وسيلة."

يراودني فيض من الوداعة، وحالة لا أحسن التعبير إزاءها في فوضى الحواس، وأنا أتحدّث عن الأنين والناي وجبران ثمّ عن الطّيب صالح، عن الطينة الزكيّة للأديب الكبير، وآمل أن يسعفني الخطاب، لأّن مثلي لا ينبغي أن يتحدّث عن مثله، إلاّ لكي يتجدّد في النّفس الأمل، بمن يأتي يواصل المسيرة، ويعوّض عن الفراغ المتروك، وهو آت بلا ريب، زادا في رحلة العمر القصير.

من عليائه يرعى الله عباده، يستجيب لنداء الملهوفين، يراقب جميع أبنائه، يدوّن لهم سيئة بسيئة، وحسنة بحسنات، كثيرا ما يختزل السيئات، غالبا ما يضاعف الحسنات، يحصي عباده الواحد تلو الآخر، يعرفهم جيدا، يتفقدهم جميعا، يحبّهم ولا يميّز بينهم، والطّيب صالح واحد من هؤلاء، ممن ضاقت بهم الأرض، لتتّسع لهم السّماء. طال عذابه، شهد على الحروب، شهد على الجوع، شهد على تخصيب اليورانيوم، شهد على هول المظالم واشتدّت أوجاع أيّوب، ففزع إلى ربه.

"رقّ له قلب الله" واتّخذ قراره بالسّاعة التي لا ريب فيها، "فأمر الملاك السّاطع إلى جواره أن يستدعي الموت. أطلق الملاك صرخة دوّى لها الكون، وتردّد صداها عبر السماوات، حتى وصل إلى ذلك المكان الخفي البعيد، حيث يتأهّب الموت بخيوله المطهّمة البيضاء، امتطى أسرع خيوله، تلك التي تمضي في سرعة البال، حذوة حافره، تلامس الريح "فتشرقط" نارا من ذهب، مضى دون ضجّة ولا ضوضاء وهناك على بعد من العرش العظيم، وقف الموت متهيبا ينتظر الأوامر."

هيّا أيها الموت، هيّا انزل إلى الأرض، فقد اشتقت إلى عبدي الطّيب، لقد عاش وتألّم ما يكفي، أرهقته الحياة وتحمّل الحرب والظّلم والجوع، ولا أريده أن يكفر. أسرع واحمله إليّ، فقد آن له أن يستريح.

"لم يقل الموت كلمة واحدة، بل أطلق العنان لفرسه الأبيض الجميل، ورفس جوانبه بمهمازه، ثمّ أسرع بالنزول عبر بوابات السماء، مجتازا الكواكب والمجرات، مخلفا وراءه نورا وهّاجا"، وبلغه وهو يحتضر في ليله الأخير، وحين رأى الموت الدّهري قادما إليه عرفه، لكنه لم يخف بل تبسّم وكأنّهما على موعد، ثمّ أغمض عينيه فتركنا ومضى في سلام.

"ضمّه الموت كطفل إلى صدره، وارتفع به عاليا، عاليا، حتى غاب وراء نجمة الشّمال. أنشدت الملائكة له ترنيمة رخيمة، وبلمساتها الرقيقة داعبت شعره وجبينه وهي تقول : لا عليك لا عليك، استرح عند الله أنت."

الطّيب صـالـح لـم يمت، إنّه رحل إلى بعض الدّيار، والصخرة الهائلة، صخرة سيزيف (Sisyphe) من نصيب من يتمسّك بالبقاء، من نصيبنا نحن، ندبّ في الأرض، لنحملها في كلّ يوم من الوادي السّحيق، ترهقنا بكتلتها العظيمة، يصيبنا الإعياء، قبل أن نبلغ القمّة. تفلت من أيدينا، تعاود السقوط، نعاود المحاولة في عناد، يتجدّد الأمل، يتجدّد العذاب، لن تصل الصخرة أبدا، لن نبلغ الخلاص.

أسأل الله لك يا سيّدي بحرارة المؤمن، صادقا، مستغفرا، نادما، تائبا، مؤمنا بقضاء الله، متضرّعا أن تكون الجنّة مثواك؛ وإن كانت الكتابة والقراءة من متع الفردوس ومشاغله، فواصل رسالتك عن الحب والسلام من هناك حيث الخلود، وحيث الكل في واحد.

= = =

توضيح: ما أحيط بمزدوجين (") فهو للطيّب صالح أو للآخرين، ومن قصيدة أجنبية.

(*): بشرّي: بلدة لبنانية ولد فيها الكاتب والشاعر اللبناني جبران خليل جبران الذي نظم قصيدة "أعطني الناي وغني" التي تغنيها فيروز.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A إبراهيم يوسف     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  أوجه الكتابة والكثافة المتفاوتة

2.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

3.  تطوّر دلالة المكان في الشّعر العربيّ الحديث

4.  أورهان باموك: رواية ثلج

5.  مرجان الضوء: بين الحرمان والارتواء


القائمة البريدية