أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 35: 2009/04 » مشكلات الحضارة وتأسيسات مالك بن نبي فيها

ياسر جاسم قاسم - العراق

مشكلات الحضارة وتأسيسات مالك بن نبي فيها


مالك بن نبي: مفكر إسلامي جزائري. كان يكتب بالفرنسية. كتب في مسألة الحضارة والدين، وكان له رد على سيد قطب في هذا الموضوع. له مؤلفات عديدة. ثمة موقع على الإنترنت مخصص له. عنوان الموقع (www.binnabi.net).

.

فـي مـنـاسـبـة عيد الثورة الجزائرية، كتب مالك بن نبي في العدد رقم 30 من مجلة (larevolution of ricaine) الصادر في تشرين الأول/أكتوبر عام 1967 كلمة المناسبة تحت عنوان (laflamme dusouvenir) ما ترجم إلى العربية:

شعلة الذكرى يتجدد وقدها حين نحتفل بيومها في كل عام، فالنار والضوء كانا دائما شعار رسالة في المنعطفات الكبرى للإنسانية: موسى إذ انس جذوة نار اتخذ نحوها سبيله وحيدا في ليل الوثنية مطلقا صرخة .... ومن بعده بقرون وأجيال كان باسكال يردد أمام رفاقه: نار. نار. فرح. فرح. دموع الفرح. وفي أعلى المشهد الإنساني نرى ذلك المسافر الذي يسري في ليل الشتاء الجليدي يصادف من بعيد نارا فيستحثه المسير فرحا إلى ضوء يجد عنده منزل ضيافة: منزلا تحت سقفه إخوة في الإنسانية.

يتبين من كلام مالك بن نبي هذا نظرته الأساسية إلى الشعلة الإنسانية الوقادة واهتمامه بالمبدأ الخاص بها الغالب على النظرات وفق المبادئ الأخرى، فعندما يقول: منزلا تحت سقفه أخوة في الإنسانية أراد أن يرجع إلى مسالة مهمة ألا وهي إن التفكير يجب أن يظل وفق المبادئ الإنسانية، وليس وفق أي صورة أخرى. لذلك صح أن نقول إن الأساس الذي تبناه مالك بن نبي في جل دراساته هو أساس إنساني بحت، ووضع لكل مرحلة من المراحل المختلفة.

في لقاء مفتوح في مسجد صلاح الدين مع مجموعه من الفتيات في 16 نيسان/أبريل 1972م يتكلم بموضوع الوقائع الاجتماعية التي يجب أن تكون نتيجة لأحداث مضت، تكون نتيجة لما قبلها، وسببا لما بعدها.

وكما يقول هو في كتاب شروط النهضة:

إن عدم إدراك هذه النظرية الكلية، أي إدراك إن الوقائع نتيجة لما سبق وسبب لما سيأتي، إن عدم إدراك هذه النظرية الكلية البعيدة عن النظرية الزمنية تحدث نظرة خاطئة، وتحدث عند المثقفين نظرة مؤسسة على خطا منطقي حين لم يستطيعوا أن يروا تطور التاريخ، فحين ننظر من هذه الرؤية (المؤسسة على خطأ منطقي) لا نرى تطور التاريخ. وهذه النظرة جعلتنا ننظر إلى المدنية الغربية على أن تاريخها بدأ في اليوم الذي التفتت أنظارنا إليها. والواقع ليس كذلك، وإنما لها تاريخها. المدنية الغربية إذن هذه ناتجة من عدم إدراكنا لها من خلال النظرة الكلية. هذا هو الغلط الحقيقي. فالمدنية الغربية نحن ننظر إلى جزئياتها وليس إلى الطابع الكلي الذي تأسست وفقه، والطابع الكلي سيجعلنا بالنتيجة ننظر. ونحن نتجاوب بصورة إيجابية إلى المدنية الغربية، ولكنا أخذنا القشور منها ولم نهتم بالواقع الإيجابي لها.

ويشير مالك بن نبي إلى الواقع الحضاري للإنسانية، ويقرر أن لكل مجتمع أمرين:

1- دينه.

2- حضارته.

والدين يعني به العقيدة، أي الطاقة التي تجعل المجتمع يتمكن من مواصلة السير من المكان الذي طوقته فيه الأخطاء بلوغا إلى مأمنه. وهذه الطاقة يعبر عنها بطاقة النجاة. وعندما نصل إلى المرفأ، وهو حضارة المجتمع، ويعني به الإمكان الحضاري الذي يخوله القيام بوظيفته التاريخية بوصفه مجتمعا متفردا يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه.

والسؤال هل هذا ضرورة؟ نعم إنها ضرورة متصلة اتصالا روحيا بغريزة البقاء، فإذا أراد المجتمع الإسلامي أن يبقى على وجه الخريطة، عليه أن ينقذ نفسه بدينه لأن الدين هو الوسيلة الوحيدة لديه ليسير إلى مأمنه، بل والمأمن بالنسبة إلى سائر المجتمعات، فالأمر لا يختلف من مجتمع لآخر فالمأمن هو الحضارة.

هذا الارتباط الوثيق الذي يقرره مالك بن نبي بين الدين والحضارة هو الأسلوب الاجتماعي الناجع لإنقاذ مجتمع من المجتمعات من الأخطار المحدقة. وبالتالي هو ينظر إلى الواقع المجتمعي للمجتمعات العربية والإسلامية وصلتها الوثيقة بدينها، فيقول ما معناه: إننا نستطيع أن نحقق نهضة من المنطلقات الدينية، وعلى المجتمعات العربية والإسلامية أن تنقذ نفسها بدينها، ووفق ما قرره الدين لها وليس وفق منطلقات أخرى.

وعند ذلك، إذا عدنا إلى المعركة التي تخوضها المجتمعات التي سماها المجتمعات التاريخية يكون المجتمع إذ ذاك في مستوى المعركة. وبالنتيجة فمالك بن نبي عندما يجعل الانطلاقة من الدين للمجتمعات العربية والإسلامية لتحقيق الحضارة فهو يبني تحليلاته وفق مفهوم الصراع الفكري الذي وقع بين المدارس الدينية في المجتمعات، ويريد أن تتوحد النظرة إلى الدين من خلال المناهج المتوخاة

وبالنتيجة فان شروط النهضة التي يتوخاها مالك بن نبي هي شروط مجتمعية لا ترقى لمشروع نهضوي ذي مزايا جمة، كمدرسة أبو زيد أو اركون، ويرتبط مشروعه بنموذج المجتمع المثالي حيث يعتبر:

مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة.

وتعد أذن هذه المعادلة مقياسا عاما يدل على اتجاه الحضارة. كما يدل علماء الرياضة الدال (le discriminant) في المعادلات الجبرية من الدرجة الثانية.

وهنا يركز مالك بن نبي على شأن الحضارة التي تتغير ميزاتها، وتتجه بوجه خاص طبقا لعلاقة المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال في المعادلة الحضارية، أي طبقا لترتيب هذين العنصرين في تلك المعادلة.

وعليه فإنه يمكننا القول إن هناك بصورة عامة نموذجين من المجتمع: نموذجا يقوم فيه النشاط أساسا على الدوافع الجمالية، ونموذجا يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية. وهذا الاختلاف الأساسي ليس مجرد اختلاف شكلي. إنه يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة، فالنموذجان اللذان يختلفان هكذا بسبب اختلافهما في ترتيب عناصر الثقافة لا يتطوران باتجاه واحد، بل إنه في بعض الظروف تنشأ بينهما متناقضات جذرية، حتى أن الأمر الذي لا يريده أحدهما، بل لا يمكنه أن يريد تحقيقه بسبب أخلاقي، ترى الآخر يحققه بسبب جمالي.

ويتخذ مالك بن نبي دليلا على هذا من حضارتين:

1- إن المجتمع الغربي قد مارس من بين فنونه فن التصوير وتصوير المرأة العارية بخاصة بسبب الدافع الجمالي، بينما لا نرى الفن الإسلامي قد خلف آثارا في التصوير كذلك الذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية، لأن الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العنان للفنان أن يعبر عن كل ألوان الجمال وعلى الخصوص المرأة العارية.

2- إن تطور الملابس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة معينة هو إبراز جمال المرأة في الشارع بكل ما يمكن يوضح مظهره، بينما نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاها مخالفا تمام الاختلاف، إذ هو يهدف أساسا أن يخفي جمال المرأة في الشارع.

وهنا تكمن نظرة مالك بن نبي الأخلاقية من حيث اتخاذه هذين الاتجاهين ليس أمر تفكير واختيار وإنما هو أمر تقليد يخضع للوراثة الاجتماعية وللعادات والتقاليد. وليس يعني هذا إن الثقافة الإسلامية تفقد عنصر الجمال وإنما تضعه في مكان آخر في سلم القيم.

ويعتبر مالك بن نبي أن كل ثقافة تتضمن عنصر الجمال وعنصر الحقيقة، غير إن عبقرية إحداهما تجعل محورها الجمال، بينما الأخرى تفضل أن يكون محورها الحقيقة. وبالنتيجة فان كل ثقافة تتضمن علاقة (مبدأ أخلاقي–ذوق جمالي) تكون ذات دلالة عن نوع عبقرية مجتمع معين، وهي ليست تطبع إنتاجه الأدبي بطابع خاص فحسب وإنما تحدد اتجاهه في التاريخ أيضا.

وهنا يشير مالك بن نبي إلى مسالة مهمة جدا، ألا وهي إذا قفز المبدأ الثاني لمحتوى الثقافة على المبدأ الأول فما هي النتيجة؟ وهنا على سيل المثال ظاهرة الاستعمار كظاهرة ثقافية تدل على أن الثقافة الغربية حددت علاقة (مبدأ أخلاقي-ذوق جمالي) لصفة معينة وذلك بأن قدمت العنصر الثاني على الأول في ترتيب القيم فأثـر هـذا الترتيب في علاقـة الإنسـان بالإنسانية. فـكـل ثقـافـة سيطرة (culture dempire) هي في أساسها ثقافة تنمو فيها القيم الجمالية على حساب القيم الأخلاقية.

وعلى الرغم من أن استخدام مالك بن نبي للفظة الاستعمار هو استخدام قديم ويبرز بعض المعاني في مجالات لا تخص النهضة، ولكن استخدام ثقافة السيطرة كمصطلح يركز عليه هو في مجاله أكثر دقة من المجال الأول. ومالك بن نبي استخدم هذا المصطلح وبصورة دقيقة.

ثم إن مالك بن نبي يربط الثقافة بعلم الاجتماع ويعتبر أن القرن التاسع عشر قد أحدث خطوة في طريق تطوير تعريضها، فعلم الوقائع الاجتماعية قد بدأ باوجست كونت، الذي يعدونه أبا لعلم الاجتماع. والواقع أن ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق، فقبل ظهوره كان التاريخ ضربا من الأحداث المتتابعة.

ومع ذلك فالقرن التاسع عشر قد شهد حقلا من حقول الدراسة أكثر اتساعا ووسائل للبحث والتحقيق أخصب وأكثر تنوعا، فعلم الإنسان وعلم الأجناس وعلم النفس والاقتصاد السياسي تتلاقى أضواؤها جميعا، وتتركز في نقطة واحدة هي الواقع الاجتماعي.

وهنا نشأت محاولات تهدف إلى وضع تعريف جديد للثقافة، إذ لم يعد التعريف التاريخي الذي خلفه عصر النهضة بكاف في إقناع المنطق الجديد. وهنا ينشأ تيار جديد وسط تقاليد الفكر الكلاسيكي وعاداته، تلك التي كانت ترى في الثقافة ميراثا من مواريث روما وأثينا، وتفسر النهضة على أنها هي ذاتها عودة التاريخ القديم.

لكن هذا الفكر الجديد يلاحظ أن فكرة ثقافة تمتد لتشمل ما وراء ما أطلق عليه الإنسانيات الإغريقية اللاتينية، وأن معناها يتجاوز ما أنتجته قرائح الفكر الكلاسيكي من أعمال أدبية ليضم في رحابته واقعا اجتماعيا يتجاوز هو أيضا حدود أوروبا وليحمل بصورة عامة طابع العبقرية الإنسانية، فهذا هو العصر الذي اكتشفت فيه أوروبا عامة وألمانيا خاصة ثقافات آسيا على يد شبنهور ونيتشة.

ويتبنى مالك بن نبي منهجية مهمة تتمثل في مسالة تعايش الثقافات، وكيف أن للثقافات دار أمنها وإقامتها في مواطن حضاراتها. ولكن الإحداث التي تنتج عنها لها ميدانها بصفة عامة. ففي المنطقة الحرام التبت تم تركيب البوذية على حدود ثقافتين عظيمتين هما ثقافة الصين والهند. وحين اتجه العالم إلى إنشاء منظمة اليونسكو كان يهدف إلى السيطرة على عملية من نوع آخر هي إحداث تكامل بين العناصر الثقافية لتحقيق تركيب ثقافة إنسانية على المدى البعيد. وممكن أيضا الإشارة إلى أن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو تفكير في مشكلة الحضارة.

ولو أردنا محاكاة هذه الجملة بصورة أخرى مع اعتبار ما بين الحضارة والثقافة من ربط وثيق وهكذا فهنا يجعل مالك بن نبي علاقات ربط وثيقة بين الحضارة والثقافة، ويستلهم الأسس الإنسانية لهذه العلاقات.

والثقافة هي أساس لتشكيل الحضارة، ويقول مالك بن نبي إن أي تفكير في مشكلة الحضارة هو في جوهره تفكير في مشكلة الثقافة، وبذلك تكون الحضارة في جوهرها عبارة عن مجموعه من القيم الثقافية المحققة، ومصير الإنسان رهن دائما بثقافاته، ويعتبر تغير الوسط الثقافي بإنشاء محيط جديد هو من اجل الإنسان نفسه.

وهنا يشير مالك بن نبي بانتقادات إلى الثورة الصينية في أنها غيرت الإنسان إلى نملة زرقاء حين فرضت على الشعب الصيني لباسا ازرق. والواقع أنه يجب أن تغير أحد طرفي التشبيه كيما نكون محقين. وهنا يعلق مالك بن نبي على أن وجه الشبه ليس بين الإنسان وبين النملة الزرقاء، بل هو بين النملة الزرقاء والدودة البائسة التي كانت تدب في أقذارها وأسمالها في غرز الأفيون هنالك، حيث كان يجتمع الباحثون عن النسيان وعن الغرائب والعجائب.

النملة الزرقاء إذن ليست هدفا وإنما هي دليل على أن زمن الدودة الصغيرة قد ولى، وأن الصيني لن يلبث أن يصل إلى مستوى الإنسان إن كان لم يبلغه بعد. وفي هذه القرينة بعد ظهور النملة الزرقاء أمارة ثورة ثقافية من شأنها أن تحدث تغيير المحيط الذي كانت تدب فيه الدودة الصينية، وهو الذي يشكل في الواقع هذه الدودة حتى تصل إلى الكمال.

وفي هذا المستوى تقوم مشكلة الثقافة على تحديد يشمل أساسا الناحيتين الحيوية والتربوية، فالثقافة في مهمتها التاريخية تقوم بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم بالنسبة للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات للبيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن، كما تكون جهاز مقاومته الذاتية.

والثقافة تنقل أفكار الجمهور الشبيه وأفكار القادة الفتية. وهذان العنصران هما اللذان يغذيان عبقرية الحضارة، فهي تدين لهما بدفعتها ومقدرتها الخلاقة. والحضارة تقع بين حدين اثنين: الميلاد والأفول. وهنا يملك نقطتين اثنين من دورتها باعتبارهما ليستا محل نزاع. والمنحنى البياني يبدأ بالضرورة من النقطة الأولى في خط صاعد ليصل إلى النقطة الثانية في خط نازل.

وهنا يحدد مالك بن نبي ما بين الطورين الأولين، حيث يوجد بالضرورة توازٍ معين. ويشير إلى تعاكس في الظاهرة، فطور الأفول النازل هو عكس طور النهضة الصاعد، وبينهما يوجد بالضرورة اكتمال معين، هو طور انتشار الحضارة وتوسعها. وهنا يمكن رسم هذه الحالة بالشكل التالي:

JPEG - 11 كيلوبايت
شكل بياني مرافق لبحث

ومن المؤكد أنه عندما نتناول الحضارة الإسلامية فلا بد من أن يدخل في اطرادها بالضرورة عاملان هما: الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد نفسه والإنسان المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة. وعليه فإنه مما ينسجم وطبيعة الأشياء حينما ندرس تطور هذه الحضارة أن ندرس من حيث الأساس العلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها.

إذن فكل القيم النفسية الزمنية التي تميز مستوى حضارة ما في وقت معين ليست إلا الترجمة التاريخية لهذه العلاقة العضوية بين فكرة معينة، كالإسلام مثلا، والفرد الذي يمثل بالنسبة إليها السند المحسوس، وهو المسلم نفسه.

ومن هنا فإن مالك بن نبي يلجأ إلى لغة التحليل النفسي بغية تتبع اطراد الحضارة باعتباره صورة زمنية للأفعال وردود الأفعال المتبادلة التي تتولد منذ مطلع هذا الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تنبعث فيه الحركة والنشاط.

وحينئذ فعندما نعد الفرد عند نقطة الصفر في الصورة التخطيطية أعلاه فإننا نجده في الحالة التي يعرفها بعض المؤرخين المسلمين بالفطرة مع جميع غرائزه كما وهبته إياها الطبيعة. أما الفرد في هذه الحالة فليس أساسه إلا الإنسان الطبيعي أو الفطري.

غير أن الفكرة الدينية سوف تتولى إخضاع غرائزه إلى عملية شرطية تمثل ما يصطلح عليه علم النفس الفرويدي بالكبت. وهذه العملية الشرطية ليس من شأنها القضاء على الغرائز، ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية، فالحيوية الحيوانية التي تمثلها الغرائز بصورة محسوسة لم تلغ ولكنها انضبطت بقواعد نظام معين. وفي هذه الحالة يتحرر الفرد جزئيا من قانون الطبيعة المفطور في جسده، ويخضع وجوده في جميعه إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية في نفسه، بحيث يمارس حياته في هذه الحالة الجديدة حسب قانون الروح.

وهنا تطبق هذه النظرية على حالة المجتمع الإسلامي الذي يحكمه هذا التغيير نفسه، إذ كان المجتمع لا يتحدث بلغة غريزة اللحم والدم من ناحية. ومن ناحية أخرى فان صوت العقل كان ولا يزال صامتا في هذا المجتمع الوليد، فكل لغة هذا العصر قد كانت روحية المنطق، إذ هي بثت الروح أولا وقبل كل شيء.

هذا هو الطور المهم من أطوار الحضارة الطور الذي تروض فيه الغرائز، وتسلك في نظام خاص تكبح فيه الجماح، وتتقيد عن الانطلاق. والتحرر عندما يبلغ تمامه يبدأ الطور الأهم من الحضارة، وهو طور الغريزة التي تكشف عن وجهها تماما. وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية التي تصبح عاجزة عن القيام بمهمتها تماما في مجتمع منحل يكون قد دخل نهائيا في ليل التاريخ. وبذلك تتم دورة في الحضارة.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A ياسر جاسم قاسم     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مواعيد للعدد القادم، 29

2.  عدلي الهواري: اتحاد الطلبة المغدور

3.  خربشات: نصوص قصيرة

4.  وكأنهم على موعد لا يؤجل

5.  كتاب خطاب الجنون في الثقافة العربية


القائمة البريدية