أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 36: 2009/05 » مقابلة مع الكاتبة وزنة حامد

"اقدّر النقد إن كان تصويبا، واحتقره إن كان تجريحا"

مقابلة مع الكاتبة وزنة حامد

حاورها: بسام الطعان - سورية


وزنة حامد أوسي: كاتبة سورية من مدينة الحسكة. لها مجموعتان قصصيتان هما: تداعيات من الذاكرة وصفير القطار. المزيد من التفاصيل عنهما تحت المقابلة.

.

س: متى بدأت علاقتك مع الأدب، وبالقصة تحديداً؟

وزنة حامدج: علاقتي بالأدب بدأت منذ نعومة أظفاري، عندما كنت طالبة في المرحلة الابتدائية حيث كنت من المتفوقات في مادة التعبير والإنشاء إذا ما قارنته بالمواد العلمية. أما حكايتي مع القصة تحديدا فبدأت منذ أن كانت جدتي تروي لي حكايات عجيبة من مخيلتها الذهبية. ثم انتقل اهتمامي بالقصة إلى البحث في المكتبات عن نتاج الأدباء والمطالعة الدؤوبة للقصص.

س: تكتبين القصيرة قصيرة جدا أيضا، فهل تستحق القصص القصيرة جدا أن تـُكتب وتقرأ؟

ج: اجل لكل قصة وظيفتها، فالقصة الطويلة لها وظيفتها بما يتناسب مع مستوى أحداثها، وكذلك القصة القصيرة جدا لها دورها في طرح مواضيع لا تتطلب الاسترسال والتماهي في سرد الأحداث، فالصورة الخاطفة تخدم الموضوع أكثر في الأقصوصة.

س: ما هو تقييمك للقصة القصيرة الكردية، اقصد المكتوبة باللغة الكردية؟

ج: هناك رواد للقصة الكردية، مثلا الشاعر الكردي جكر خوين في قصته "رشو داري"، وأحمد خاني في رائعته "مم وزين." وقد تابع الأدباء الشباب الأكراد المسيرة في كتابة القصة بلغتهم الأم مثل بافي نازي، وعبد الحليم يوسف، وأحمد إسماعيل، وترجمت أعمالهم من الكردية إلى العربية أو العكس.

بسام الطعانس: إلى أين وصل السرد النسوي السوري برأيك؟

ج: هناك أقلام نسوية مهمة وجميلة في المشهد الثقافي السوري، أسماء لها وزنها ومكانتها حتى على مستوى العالم العربي، مثل غادة السمان، وكوليت خوري، ونادية خوست، وسلمى الحفار، وماجدولين رفاعي، وأخريات حققن أعمالا مهمة وراقية كان لها صدى واسع داخل سوريا وخارجها.

س: أنت والنقد، في خصام أم في وئام؟

ج: النقد علم ومنهج وبدونه لا يستقيم أي عمل يقوم به الإنسان الذي لا يتعلم إلا من أخطائه وتوجيهات الآخرين له، فما بالنا بالأدب الذي يحتاج إلى الكثير من النقد والتحليل. لذلك أنا أقدر النقد إن كان تصويبا واحتقره إن كان تجريحاً.

س: هل تكتبين القصة بعفوية وبساطة وتلقائية، أم بتخطيط مسبق؟

ج: المشاهدات اليومية، التأمل في وجوه متعبة أرهقتها الحياة، أصحابها يترنحون في مشيتهم، لكل ألمه الخاص ومشاكله، مما يدفعني إلى قراءة هندسة هذه المشاكل بهدف إعادة رسمها وتدوينها على شكل بناء درامي اسميه قصة.

س: أيهما الأهم عند كتابتك قصة: اللغة أم الحدث؟

ج: في العمل الأدبي سواء كان شعرا أو نثرا يجب توفر الشرطين معا فاللغة وحدها لا تصنع أدبا والحدث بدون اللغة المناسبة يبقى حدثا عاديا لا يرتقي إلى مستوى الإبداع الأدبي إلا باستخدام اللغة.

= = =

أعمال الكاتبة ونموذج من قصصها

ظلم أبي

غلاف أمسكت أمي بيدي وسارت في طريق القرية المعتاد المؤدي إلى الطريق العام، بعد أن سلمت أختي الصغيرة إلى إحدى الجارات، تاركة وراءها كل شيء كأنها غير مبالية، ولا يهمها إلا أن يتوقف سعالها ولو مؤقتاً، فهي تقول لنفسها في بعض الأحيان إنها ذبحة صدرية.

مشيناً مسافة طويلة. لم تتفوه أمي بكلمة. الصمت. الصمت كعادتها.

وصلنا الطريق العام، جلسنا ننتظر، وإذ بسيارة الركاب تتوقف أمامناً. ركبناً والأحاديث كثيرة. كل منهم يتحدث عن قصة مجيئه إلى المدينة. انظر حولي. لا افهم شيئاً مماً يتحدثون عنه. إلا أن أمي كانت في عمق تفكيرها والسعال الذي لا يفارقها لحظة.

وأخيراً، المدينة. نزلنا وسط الزحام. أتأمل كل شيء. إنها أكبر من قريتي بكثير. وفيها أناس كثر، والدكاكين أيضا، ومأكولات طيبة. جرتني أمي من يدي فكادت سيارة تصدمني.

قالت أمي لأحد المارة: "مرحباً."

"مرحباً سيدتي."

سألته أمي: "هل بإمكانك أن تدلني على هذا الطبيب؟" بعد أن عرضت عليه ورقة كتب عليها اسم الطبيب."

"نعم يا سيدتي إنه يسكن هناك."

قصدنا عيادة الطبيب. العيادة أيضا كانت مزدحمة. ناولت أمي الممرضة أجرة المعاينة، وجلسنا ننتظر دورنا. تبادل الأحاديث عن المرض كثير.

تقدمت الممرضة من والدتي وقالت لها: "تفضلي، دورك."

"شكرا لك."

دخلنا غرفة الطبيب. إنها مرتبة. آه، حتى الطبيب نظيف! يلبس صدرية بيضاء. وكم هو لطيف! عكس أبي. عامل أمي بلطف، وقال لها: "تفضلي سيدتي"، ولامس شعري وسألني عن اسمي وابتسم لي.

بدأ يفحص أمي فحصا دقيقاً ويكثر من الأسئلة، إلا أن أمي قالت له:

"هذه أول مرة أعرض نفسي على طبيب."

أجابها الطبيب وملامح اليأس بادية على وجهه:

"كان عليك أن تعرضي حالتك على الأطباء قبل هذا الوقت سيدتي."

بهذا أنهى الطبيب فحصه لأمي وقال لها: "أرجو لك العافية."

سألته أمي عدة أسئلة وصوتها مخنوق في حنجرتها. حاول الطبيب أن يواسيها ويخفف من آلمها بكلمات طيبة، إلا أن الواقع لا بد منه. وصف لها بعض الأدوية فقط.

رجعنا في المساء إلى البيت. كان أبي متكئا على مخدته يلف سيجارته من التبغ الذي لا يفارقه أبدا. لم يبال بمجيئنا، ولم يحرك ساكناً، ولم يسألها عن مرضها، ولم يواسيها بكلمة.

أشعل سيجارته ودخنها بصمت. جلست بمقربة منه نظرت إليه، قلت في أعماق نفسي، ليتك كذلك الطبيب يا أبي، فأنا أكره قسوتك وظلمك لأمي، حتى أنك تكاد لا تخرج من البيت حتى لا تصبح مهزلة لأطفال القرية. تعتمد على أمي في كل شيء، وتعاملها بإجحاف.

قطعت أمي أفكاري وطلبت مني أن احضر أختي الصغيرة من عند الجارة. أحضرت أختي. ضمتها أمي إلى صدرها. قبلتها بعمق. في هذا الليلة لم يغمض لأمي جفن. اشتد عليها السعال. ساء وضعها الصحي يوما بعد يوم.

في إحدى الليالي استيقظت على صوت أمي. كانت تنوح وتبكي وهي تضم أختي الصغيرة إلى صدرها. أبي كان يسمع كل شيء. يراه. لكنه غير مبال، فقد اعتاد أن يضربها ويقسو عليها فقط.

بكيت أنا أيضا بصمت كي لا تسمعني أمي، وقلت في أعماق نفسي: آه يا أماه! كم تحملت من ظلم وقسوة!

في إحدى الصباحات تأخرت أمي في نومها على غير عادتها. فرحت لذلك كثيرا. هذا يدل على أنها تحسنت قليلا. فتحت جارتنا الباب، ونادت أمي: "ألهذا الوقت أنت نائمة؟" أبي كان خرج من البيت منذ الصباح الباكر. مدت الجارة يدها إلى وجه أمي وصاحت بأعلى صوتها: "إنها ميتة."

التم كل من في القرية من نساء ورجال، ورجع أبي لتوه إلى البيت. لم ينطق بكلمة، ولم يفعل شيئا غير التدخين.

بكاء النساء ونواحهن يذبحاني، ويتلاشى قلبي معهما. ارتميت على صدر أمي.

إنه الموت. ذلك الشبح الأسود الذي لا يرحم. كم رائحتك طيبة يا أمي! في هذا الوقت كانت كل مراسيم الدفن قد حضرت. دفنت أمي. انتهى كل شيء بالنسبة للموجودين. أما نحن أفراد العائلة فلم ننم تلك الليلة. أبي كان يهدئ من روع أختي الصغيرة. علامات الحزن بادية على وجهه.

توالت الليالي والأيام. ساءت أحواله أيضا: أبي الذي ندم على ما فعله بأمي. أصبح يبكي كثيرا ويحزن لفراقها، كأنه يريد أن يرجع الماضي، أو الزمن إلى الوراء، لكن دون جدوى، فلا شيء يواسيه: سيجارته فقط وبعض القهوة التي لا تتواجد في البيت غالبا.

لازم أبي الفراش. لم يعد قادرا على مغادرته لأن أحواله الصحية ساءت. ولكن من الذي سيعتني بنا أنا وأختي؟ حاولنا بتوجيهات من أبي أن ندير أحوالنا. لم ينتظر الزمن كثيراً ولم يشفق القدر، فقد خطف شبح الموت والدي أيضا، ولم يبق لنا إلا شفقة أهل القرية علينا، فقد اتفقوا إن يأخذ كل بيت واحدة منا لأنهم لا يستطيعون تربية الاثنتين معاً.
وهكذا أمسكت كل جارة بيد واحدة منا وذهبت بنا إلى بيتها. شاء القدر أن نفترق، ولم نكن نلتقي إلا عندما نلعب في زقاق القرية أو في فسحتها.

توالت الأيام. يمر الزمن ولا يترك إلا الحرمان، في إحدى الصباحات الباكرة ذهبت إلى البيت الذي تسكنه أختي، وقصدت فراشها وهمست في أذنها وأيقظتها من نومها العميق. طلبت منها أن تتبعني بصمت. أمسكت بيدها كما كانت تفعل أمي وسرنا في طريق لا اعرف له نهاية. المهم أن نكون معاَ.

اشتد علينا الحر والجوع. جلسنا لنرتاح قليلا، وإذ بكلتينا نغوص في نوم عميق. أفقت فلم أجد أختي. ركضت هنا وهناك، ابكي وأصيح بأعلى صوتي دون جدوى. وهكذا وصلت إلى طريق مزدحم بالسيارات. أخذني رجل كريم رباني كابنة له. الآن أصبحت في الثامنة عشرة من عمري، وما زلت أبحث عن أختي الصغيرة.

= = =

من أعمال الكاتبة

الكاتبة: وزنة حامد أوسي

الكتاب: صفير القطار (قصص قصيرة)

الناشر: إصدار دار الحوران، دمشق

عام النشر: 2009

عدد الصفحات: 110

مصمم الغلاف: أكرم كيسو

JPEG - 19.3 كيلوبايت
غلاف: وزنة حامد

::

الكاتبة: وزنة حامد أوسي

الكتاب: تداعيات من الذاكرة

الناشر: دار الحوران، دمشق

عام النشر: 2007

عدد الصفحات: 101

إصدار اتحاد الكتاب العرب، دمشق

JPEG - 20.1 كيلوبايت
غلاف: وزنة حامد
D 1 أيار (مايو) 2009     A بسام الطعان, وزنة حامد: مقابلة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ناجي العلي: 25 سنة على رحيل الجسد

2.  المسرح وموروثنا الشعبي

3.  صراع الموت والحياة في رواية "في البال" لغصون رحال

4.  امرأة لكل المناسبات

5.  بطاقة تعريفية


القائمة البريدية