عباس علي عبود - السودان

مرافئ السراب (*)


(*) الفصل الأخير من رواية بهذا العنوان. الفصول الأخرى نشرت في الأعداد 14 و 23 و 33 و 34 و 35.

.

عباس علي عبودالتجريب الجسدي بحثا عن الحب، هل يقود إلى الفشل، وفقدان القدرة على معرفة الآخر؟ هل التناغم الروحي مقدمة للانسجام الجسدي؟ وكيف يمكن عبور الخط الرفيع بين الجسد والروح؟

في حانة نائية في مدينة بوشكين، كان المطر ينهمر وهما يحتسيان الفودكا. غاصت إيلينا ماروزفا في صمت عميق تطارد ذكريات غاربة. انتشلت خيالها من التهويم، ثم قالت بصوت خافت:

"أحترم الإنسان والحياة، وأريد العيش كما أريد."

"الكلُّ لا يريد غير ذلك."

"تبدو بسيطا لكنك تُضْمرُ ذكريات غامضة."

....

"هل توافق؟"

"على ماذا؟"

"دع الماضي لتبدأ إيقاعا جديدا."

كان طارق عبد المجيد قد وصل إلى قمة نشوة الخمر، ثم انحدر إلى الثمالة منشدا:

"ليس شعرا أنْ ترى قمرا ينقط خارطة

ليس شعرا أنْ ترتب ذكرياتي الساقطة

فانهض على فرس الدخان

وارحل معي من أجل أمك. (*)

"بأيّ اللغات قرأت الشعر؟"

"باللغة العربية."

"أنت من بلاد العرب؟"

"أنا من قلب أفريقيا."

"وأين تعلمت اللغة العربية؟ "

"إنها لغتي الأم."

"هل استلب الاستعمار ثقافتكم؟"

"ليس الأمر كما تظنين."

"إذن أشرح."

أراد أنْ يقول لها: إنها ميلودراما التلاقح الإثني والثقافي على قارعة النزوح، لكن اللغة لم تسعفه فصمت.

"أليست لديك إجابة؟"

"بلى."

كان الشعب الروسي بعد انهيار المنظومة السوفيتية في خضم الحيرة الروحية والفكرية. جماعات البوذيين بأزيائهم المميزة يتجمعون في الحدائق صيفا. فرق مسيحية مختلفة تغني في الساحات وتوزع الكتب. قليل من شباب النازيين الجدد يستهدفون الغرباء. جلس طارق عبد المجيد مع إيلينا ماروزفا وطفلتها في حديقة عامة، يلفهم صمت شفيف. أشارت إلى طفلتها وقالت:

"عشت مع أبيها أربع سنوات، أكمل دراسة الهندسة الميكانيكية ثم سافر إلى أهلة في أفريقيا."

داعب الطفلة ثم ظعن بذاكرته إلى الأسئلة الحارقة والقلق المتصاعد. رفرفت بصدره أجنحة الحنين. وكأنه على شاطئ البلدة، سابح مع التيار وسط أعشاب النهر، يحدّقُ إلى الغمام، عسى أنْ يبصر عصافير عابرة، أنوار شموس ونخيل.

على ضفاف النيفا احتضنته إيلينا ماروزفا وسط حشود الشباب، والموسيقى والأغنيات. إنها الليالي البيضاء حيث يتدفق السيّاح من أنحاء أوروبا ومن داخل البلاد. ثلاثة أيام والمدينة في كرنفال. دارت الشمس لأكثر من عشرين ساعة، فوق سماء المدينة، في مسار بيضاوي، ثم حانت لحظة الغروب. همستْ في أذنه: "هيا لنتعانق ليلة كاملة". تعانقا مع غروب الشمس. مرتعشا، ظاعنا في الهزيع الأخير من ليل الأشجان، دندنت بصدره الحسرات. وقبل أنْ يكتمل رداء الظلام، تسللت من بينه خيوطُ فجر جديد.

لكن القيد ما انجلى

الغيومُ تتراكمُ

التساؤلُ والحسرات

الغبنُ والشتات

محتشد بالنغم الحزين

كطائر أضاع السرب

ورائحة الضفاف

محتشد بالحنين

وثمّة امرأة

محتشد بالأسئلة

والنحيب

تسكع قليلا في أصقاع الروح، محتشدا بالكآبة في زمهرير الشتاء القارس. غادر حجرته حزينا، قفز إلى حافلة ونزل أمام متحف الأرميتاج. عصفت به رغبة محمومة لزيارة إيلينا ماروزفا. هاربا من ذاكرة إلى أخرى، عسى أنْ تمنحه شقاء أقل. وقف على الشاطئ. وسط النهر المتجمد انتشر بعض الرجال، ثقبوا طبقة الجليد السميكة وانزلوا صناراتهم في انتظار سمكة ما. فقال في نفسه: حياتهم الصبر، والعناد، والمثابرة. غادر النهر حائرا وقال في نفسه: يف صمد هؤلاء الناس حين وفدوا للمرة الأولى، أم إنهم أتوا فارين من صراع مرير!؟ هل شكّل الصقيعُ مأواهم؟ وهل تشبه سيبريا صحراء العرب؟ وقال في نفسه: هل مازال الوقت باكرا؟

قصد شقة إيلينا ماروزفا مسرعا وكأنّ وقع خطواته يقول: الأنثى تقود إلى النجاة أو الهلاك، والذكر يلعق جراح التمني!! حين ضغط على الزر انتظر طويلا حتى فتحت الباب قائلة:

"أتيت في هذا البرد القارص؟ أدخل."

جلس إلى ركبتيها. هدهدت ظهره كطفل صغير، ثم قالت:

"كيف تمضي أحوال الدراسة؟"

"جيدة رغم البرد."

"لكنك تبدو كمن يطاردُ أوهاما غريبة."

"هل تظنين ذلك؟"

"لا أظن ولكن يبدو لي من هيئتك."

"ربما، منْ يدري؟"

"ألا تعرف نفسك؟"

"ليس بما يكفي."

أعدت كوبين من الشاي وقطعا من الكيك وقالت له في نبرة حاولتْ أنْ تكون محايدة:

"بعد إكمال الدراسة ستسافر إلى بلادك؟"

"نعم."

"من المؤسف إنّك لا تستطيع البقاء معنا مدة أطول. أنت إنسان طيب رغم غموضك، ومزاجك المتقلب. وكيف أخبار صديقتك؟"

"إنها بخير."

"وهل ستأتي لحضور دفاعك عن الرسالة؟"

"ربما."

"لماذا؟ ألمْ ترسل لها؟"

"بلى."

وكان قوس الردى ينحني، والسهم قد انطلق. على سواحل الخليج الفنلندي، كانت ندى الحاج سعيد ترنو إليه حائرة، بينما صدره يترنّم في شجن: ندمان أنا، أبدا وحياتك عمري ما شلت الندم.

حين هبّت نسمات رطبة من البحر، همّ بسؤالها عن مريم بدر الدين لكنه صمت. وفي الطريق إلى مطار بطرسبورغ كانت الغيوم تحجب شمس الصباح، ورذاذ المطر ينقّر زجاج سيارة التاكسي. قالت له: سأعود بعد شهرين لنحتفل بحصولك على الماجستير. وكان هائما، يطارد أسرابا غامضة، ترنُّ بذاكرته كلمات الرسالة التي وصلته قبل أيام من ناتاشا تومانوفا:

كان حتما عليّ أنْ أسافر لإكمال العلاج في موسكو، فالداء العضال قضى على شعري؛ ولا أحد يدري. هل كان من حقي أنْ أدعك تضحي من أجلي، ولو لبعض الوقت؟ كثيرا ما أصابتني الحيرة وأنا أذكر حكاياتك الملتبسة، ولقد تملكتني رغبة لا تقاوم، لأعرف على وجه اليقين: أيُّ الفتاتين أحببت، مريم أم ندى؟ وهل أحببت أيا منهما أصلا؟ أرجو أنْ تذكرني بخير، فأنا لن أنسى لحظات طيبة قضيناها معا. وداعا يا عزيزي.

دافع عن رسالة الماجستير بحضور عدد قليل من الزملاء. إيلينا ماروزفا قبلته وتمنّت له حياة سعيدة في وطنه. ندى الحاج سعيد تابعتْ الموقف حائرة، ثم دعتْ الجميع للاحتفال في فندق يطلُّ على الخليج الفنلندي. وكان سادرا في أزقة الأسى يراود عطر الاحتمال.

في حجرته بسكن الطلاب تقلبت ندى الحاج سعيد على الفراش تدندن بصوت خافت، بينما انطلق طارق عبد المجيد بخياله عبر زجاج النافذة. كانت الساحة المقابلة ناصعة البياض. أطفال يتراشقون بكرات الثلج، وفتاة تتزلج على الجليد. تابع حركتها المستمرة، خُيل إليه إنها تناديه: أيها الفتى الغريب هيا أنزل لنتزلج معا، هيا أنا في انتظارك. فكـّر في الخروج. تخيل إنها احتضنته وهو خائف من السقوط. ضمّتهُ إليها وتزلجا، ترنّح ثم هوى. ظلّ يحدّق عبر النافذة حتى حلول الظلام. وبين اليقظة والمنام، قذفت به الأحلام إلى البلدة:

كانت الأشجار كالحة والوقت غامضا. وحيدا وسط الحيرة قال في نفسه: غروب أم قبيل الشروق؟ انتزع أقدامه ومشى. كانت طلائع البيوت متهالكة على وشك السقوط، ولا أحد. تحشرجتْ بصدره الصرخات، فترنّح وسط الشارع متسربلا بالتوجس، والرعب. أشجار النيم يابسة، وكأنّ الحيطان ستنهار فوقه. لا طير ولا حيوان، لا صوت ولا ظلال، محض يباب. وقال في نفسه:

إلى أين نزح أهالي البلدة؟ متى، ولماذا؟ هل غادروا فرادى أم في جماعات؟ أم أنّ كارثة حلّت بهم فظعنوا في ليل بهيم، إلى المنافي والدروب. وهل رحل الجن والعفاريت!؟ أم أنهم يراقبونني الآن من فوق الحيطان، أو من خلف الجذوع اليابسة؟ هل تصارعوا مع أهل البلدة وأجبروهم على النزوح؟ ولم؟ لقد عاشوا وفق حسن الجوار كما يقولون، ومنذ زمان قديم.

أصغى لوقع خطواته، فحاصره صمت كثيف، وقال في نفسه: هل رحل الجن والعفاريت، أم إنهم في انتظاري في هذه الوحشة الضارية؟ الوقوف خطر، ولا بدّ من السير للإمام.

وقف أمام باب منزلهم؛ يسترق السمع. طرق الباب، ولا إجابة. طرق مرارا متلفتا حوله. بعد تردّد تسلق الحائط ونظر إلى الداخل. كانت شجرة النيم يابسة. قبع فوق الحائط مرتعشا. كاد أنْ يسقط لكنه تماسك، ثم هبط بالداخل. كان الغبار يغطى الملاءات والأواني، المناضد والكراسي. تصاعد الغبار، غطى الستائر، والنوافذ، والأبواب. تكاثف الغبارُ غمامات سوداء فوق المنزل. وسط الحوش طوقته العتمة، ولا أحد.

= = =

(*): من قصيدة "مديح الظل العالي" للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

D 1 أيار (مايو) 2009     A عباس علي عبود     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مقطع من رواية اللاز

2.  رحـلـتـي فــي يــوم

3.  انتفاضة 1987 الفلسطينية: الحدث والذاكرة

4.  كيف السبيل إليك؟

5.  الطابع البريدي: سفير الثقافة والفنّ


القائمة البريدية