فريدة بن موسى - الجزائر

بقايا جثة


كما لو أن الزمن يمر بطيئا هذه الليلة، تظل مزروعا على حافة الوقت المتآكل، كقطعة حديد مهملة في ركن من الحديقة. صدأ الجسد يكورك كومة حلم غير قابل للتأجيل. تراقب جحافلهم تقتحم خلوتك، ثم تجر جسدك، وتجعلك تركض ما قدر لك من العمر، خلف حلم موشوم بخدوش أظافرهم. الآن تنتعل ما تبقى من جروح حلم، لتبحث لك عن مكان يكمل نقصك.

وعبثا تحاول أن تمحو تلك الخدوش بريشة ألوانك الليلكية، وقبل انتصاف حزنك على قارعة الأرصفة التي عبدوها، بنتوءات أجساد صدئة، للحالمين الذين مروا قبلك في هذا الدرب، وأسالوا جرح ألوانهم جدائل شمس تغرق الكون بعطر الخزامى، من أجل عيون وطن سلب لب ريشتهم الشقية، تقف هنيهة لتتثبت من ملامح صورة، فعلت بك كل هذه الجروح.

تطالعك الثقوب في كل الجهات، حزما من العتمة التي انهمرت كوابيس شؤم، تستحيل إلى ماض قريب، عندما حذرتك أمٌك، وأنت تزرع على جبينها قبلة الوداع، على مشارف مزرعتكم، ألا تثق في ذئاب المدينة.

كانت دموعها الساخنة ممزوجةٌ ببسمة متخفية، تمسح عنها الدموع، ثم تطمئنها أنك لن تغيب طويلا، كي يتسنى لك إكمال النصف الآخر من جسد وطن متآكل.
تنحني وتقبل يديها، وتطلب منها أن تدعو لك، ثم تغوص في امتداد الشارع الملتوي.

أخيرا تستفيق من جنازتك التي أقيمت على شرف جرحك، متأملا تلك الجثة التي تلاحقها الكلاب المدربة والمسعورة، يصيبك الغثيان والخوف مرة واحدة، وتدرك في زحمة الضجيج أنك وقعت مرة أخرى.

تراقب أعدادهم التي كانت بأعداد أصابع يديك المقيدتين إلى آخر المنعطف، يجرون جسدك المشتت الواهن، لكنهم لا يعبأون لما قد يصيبك، كان كل ما يهمهم هو فصل رأسك عن جسدك، وعرضه على لجنة التفتيش، فقد تناهى إلى مسامعهم أنك خبأت صورة ما، واحتفظت بأسرارها الندية داخل فكرك.

لم تكن تذكر عما كانوا يبحثون بالضبط. لكن وفي غفلة من كرابيجهم الحادة، تذكرت أنك رسمت جثة مفصولة الرأس، معلقة على مشجب المساءات الحارقة بصهد أسلاك الكهرباء، التي غرزت بجسدك الهزيل.

وببساطة مواطن عادي قلت لهم:

"كيف يمكن للإنسان أن يتوب عن حب وطنه؟"

صفعك صاحب الجثة الضخمة، الذي ظننته ثورا، لكنه لا يحمل قرونا، وإنما يحمل صحراء قاحلة، لا تصلح إلا لتزلج الصراصير. هكذا تخيلته وأنت تتلمس مواطن الألم، الذي تحول فجأة إلى انتصار، حيث قيل لك، أن تحب وطنك في صمت دون ثرثرة مزعجة.

تغوص في الوهن أكثر، ويتملكٌك الرعب مما قد يأتي. يفتشون زوايا الفراغ، ثم فراغ جيوبك، ليس إلا قصاصات ورق كٌتبت بقلم رصاص باهت اللون، كالغرفة التي تحوي جسدك المنهك. تتنبه إلى فراغ الغرفة، وأنها بدون لون. لا تعرفك التفاصيل الغارقة حد الوجع، تواصل التحديق بعينين منفرجتين، وكأنك تتحقق من تاريخ المكان، وعبقه الذي ينبعثٌ بروائح تزكم الأنوف، لم تعهدها من قبل.

تراودك الأسئلة وأنت معلق على مشجب الحيرة، فتستحيل علامات الاستفهام إلى مشنقة باردة، تنتظر حرارة عنقك لتلتهب صهدا يحرق جلود الحالمين. تتقافز أنفاسك ذعرا من المكان، وقد غط في فراغ مخيف، ومن تلك الوجوه المسرفة في الكبرياء والقسوة، والتي ألقت القبض عليك وأنت تتأبط جثة لم تكن لغيرك. تزحف على ركبتيك لتلتحق برأسك المتدلي من شرفة قسوتهم، ثم تلتحف الصمت رداء من الخشوع، وأنت تمد قامتك المتناسلة كشجر لبلاب يتدلى على السقوف، طالعا توا من نثار الانكسار.

رافضا أن تنحني لهبات الريح الصفراء اللعينة، التي تثقب ما تبقى لديك من ألوان المساء المشع، وطامعا في الاغتسال، تسكب دمعا كهطول مطر، يغدو ركاما من الوحل، تنتشل جثتك من الهزائم التي مدت عروقها، كي تنخر عظام خيباتك المعلقة في العراء.

وكما لو أنك كنت في حلم أرعن، تستفيق على دمعة غارقة في الشجن، كنت قد خبأتها طيلة مراودتك للحلم، تفرك عينيك المتثائبتين، ثم تمسحٌ عنهما غبار تلك الدمى التي كانت تعبث برأسك. يزداد طعم الملوحة في مذاق صبحك البني، المتثاقل، تصفعك صورة الجثة التي ما تزال معلقة وقد استحالت إلى بالونة هواء فارغ.

تتحسس رأسك بأطراف أصابعك، ثم تتحسس باقي الجسد، لتثبت لعينيك كذبة ما ترى. ثم تغوص في حزن الهزيمة، حيث أنت لا أنت، وجثتك ما تزال معلقة، فهل غادرت المكان، وهذه رؤى حلم متصدع في هدأة صمتك الأخير، فربما فعلت مثل فعلتهم، عندما لم يجدوا من يهزمهم ثانية هزموا أنفسهم.

ورحت تتلصص، وتسترق النظر، ثم توقظ حلمك من غفوته ثانية، وتقرر أن تهاتف أمك لتسألها عن بقايا جثتك.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2009     A فريدة إبراهيم بن موسى     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  شياطين الإنس والجن

2.  موعد مع حفيدة جنكيز خان

3.  آليات القراءة السريعة

4.  أثر استخدام السرد في تعزيز الانتماء

5.  طبعة ثانية من بيروت 1982: اليوم ي


القائمة البريدية