هـدى الدهـان - العراق

شــرخ


كلنا في هذا الوقت نبني أسوارا حولنا. كل مما تَوفر له من طاقة واحتمال وتجارب مؤلمة وخيبات أمل في الآخرين. نبنيها من خشب فَتُبلى بفعل الزمن، أو من طابوق فتتعرض ربما للخلل بسقوط إحداها، فَتُحدث ثقبا يستغله الآخرون، أو من زجاج فَيَسُهل كسرها وتَسهَل رؤية أرواحنا عرايا من خلالها، أو من قضبان فَيَسُهل التسلل منها وإليها بلا أثر، أو من حديد، وبفعل الثقة والحب في المكان الخطأ، يتعرض هذا السور للصدأ. فقط من يبني من كل واحد منها سورا يضمن السلامة، ولا ضمان للسلامة إلا بالموت.

وهل هذه حياة حين نضع بيننا وبين الآخرين كل هذه الحواجز والمسافات؟ وهل هي حياة حين نتألم كل يوم أو نصاب بخيبة أمل أو اتهام أو نقد جارح وجهل وتجاهل؟ عملية مستنزفة للروح.

ماذا لو حدث شرخ في هذا السور؟ ماذا لو كان الآخر يتصيد لك الزلة؟ هل نُغلِق السور بيننا بحصاة؟ نُرَقِعُه بعذر؟ نَتركه كما هو؟ ماذا لو دخَلت عقرب أو عنكبوت سامة إلى الشرخ بفعل كلمة أو خيانة أو سرقة للوقت والروح؟ ماذا لو تلصص علينا من خلالها الآخرون فأخذوا صورة لفضفضتنا الموثقة بالأبجدية على الشاشات الذكية؟

هل نهدم السور كله ونبني أقوى منه من جديد؟ هل نجرؤ؟ عملية ترقيع الشرخ في السور بيننا وبين الآخرين ظاهرة ومعيبة.

أرى أسوارنا مشروخة من الداخل. نحاول لملمتها وتلوينها كالذي يتخذ من الشرخ سببا ليُعِدّه غصنا فيرسم حوله الأوراق والثمار. هكذا نحن، نجد سببا لكل تصرف لا نحبه، وعذرا لكل زلة تؤذينا. يتعبنا الهدم ويستنزفنا البناء.

لهذا أحلى العلاقات هي علاقات ساعات السفر القصيرة، ولقاءات في الأماكن الثقافية لأُناس يتشاركون نفس الاهتمام. أشخاص لن تراهم إلا مرة واحدة في حياتك، أشخاص لست مُضطَرا لبناء سور وأنت تتكلم معهم، ولست مُضطَرا أن تراقب سورك من مُتَلصِص أو متسلل، ولا خائفا من مِعول يفوضك باسم الحب أو العرف أو العادات. حينها ستستمع بأحلى ساعاتك وتكتشف في نفسك شخصا آخر له روح حلوة وأنه متحدث لبق ومحاور نبيه.

يحدث هذا فقط لأنك متأكد أنك لن تحفر أساسا لبداية علاقة أو قبرا لأخرى انتهت. وان كنت ذكيا جدا لا تأخذ مَن الذين تلتقي بهم لأول مرة وتجد روحك تنسجم معهم كطفل صغير رأى أرجوحة حلوة، أي عنوان للتواصل وأنت تغادرهم. حينها تأكد أنك لست مُضطَرا لبِناء سور آخر في حياتك، تُتعِبُكَ إدامتُه أكثر مما تُمتِعُكَ العلاقة نفسها مهما كان الآخر قريبا منك.

JPEG - 17.3 كيلوبايت
شرخ محاط برسمات
D 27 آب (أغسطس) 2019     A هدى الدهان     C 0 تعليقات