أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 41: 2009/11 » زمن الرحى: تعليق على مسلسل زمن العار

هدى الدهان - العراق

زمن الرحى: تعليق على مسلسل زمن العار


كنت كالذي يشاهد مسرحية تنسيه أنه على أرض الواقع، يعيش فوق منصتها ويجسد المقولة القائلة إن الحياة مسرح كبير. كلما ارتفعت يداه لتصفقا بحرارة حين يبدع ممثل في التمثيل حتى لا يعود تمثيلا يخشى أن تلهيه أصوات التصفيق عن التمتع بالمزيد، فيرجئ التعبير عن إعجابه إلى حين، ثم يستمتع بكلام يحضره يوميا ويرى مشكلة ليس لها حل إلا المعاناة وتحمل الألم، ويرتفع بجسده لينهض محييا الممثلين والمخرجة فيخشى أن يكون لوقوفه ما يعيق رؤية الآخرين فيكتفي بالجلوس والسكون. حين أضيئت الأنوار، قرر أن يكتب عنه حين يعود. هذا ما حدث معي وأنا أشاهد مسلسل زمن العار في رمضان الماضي.

مسلسل زمن العار

كنت أنتظر أن أكتب عنه يوما بيوم، فاستزدت منه أكثر فأكثر، كما يستزيد عطشان مهاجر عائد من ماء نبع في قريته. حين أضاء لنا نور هلال العيد، أمسكت بالقلم، ولكني كلما بدأت الكتابة خشيت أني إذا كتبت عنه اليوم ونشرت ما أكتبه فقد يفوتني من إبداعه شيء فأبخسه حقه ولا سبيل إلى إعادة الكلمة إلى القلم.

ماذا أعدد؟ الكل لم يجيدوا، وإنما أبدعوا، وأبدعن، بدءا بملابسهن التي من النادر أن نشاهد من ترضى أن ترتديها، مغطية كل قسمات جسدها (إلا إذا كانت واثقة من نفسها طبعا)، ومرورا بالوجوه المعبرة بنظرة عين خالية من مساحيق التجميل.

من أين نبدأ؟ من شعر سلافه معمار التي تركته كما هو بلا تصفيف، كما تتركه أي بنت يشغلها أمر أو مشكلة ما، كما يحدث معي ومع آلاف المشاهدات، أم من إبداعها وهي ترتجف وتقول إنها ستنسى أنها إنسان يحس ويشعر ويحب ويخاف أن يبقى وحيدا في نهاية العمر وعنوسة الثلاثينات، وأنه سينسى أنه (بني آدم) ما أن يخرج من مصيبته تلك؟

بمن نبدأ؟ وبمن ننتهي؟ من الأم المريضة التي لم أر من جسد نوبات الربو مثلها باختلاجاتها وبرجفتها وبعيونها المفتوحة التي كنت أشاهدها بوجه قريبتي المصابة بنفس المرض وأنا صغيرة، وبقسمات الاستراحة على وجهها وهي تأخذ الأوكسجين، ثم نظرة الخوف من معاودة النوبة مرة ثانية؛ كم أبدعت ثناء دبسي؛ أم من (جميل) في الحلقة الأخيرة فقط، التي كانت كافية لنرى إبداع تيم حسن في رفّة جفن، ونظرة عين تعبر عن عشرات من الكلمات، ونشر العضلات والتوعد للزوجة المتعِبة. بنظرة عين فقط نعرف أن هذه الطاعة ليست عمياء، وهذه العودة ليست توبة، وهذه الـ "حاضر" لطلباتها ليست إلا ما يحضره لها، ليقتص لنفسه ولسوء اختيار وتصرف دفعته هي لهما. بنظرة واحدة يا تيم.

وبعد، من منا لا يعرف رجلا أخذته الشهامة بالتضحية برغباته ونفسه لزوجة مريضة ثم حين يتيقن أن العمر فات، يقوم متخبطا ليتمسك بآخر ورقة خضراء باهتة في خريف عمر قادم لا محالة، رجلا اشتاق لرائحة عطر بدل رائحة الدواء وصوت موسيقى في مطعم ذي ضوء خافت، بدل صوت السعال لأحد عشر عاما على كنبة في غرفة؟

من الآخر؟ نورس (مكسيم خليل): كيف باستدارة ظهر لزوجة أبيه وهي تخرج من الغرفة، وبنفخة "أف"، ونفخة سيكار، يرقى برفضه للواقع، ويقتص منه بليرات الآخرين. وبمفتاح باب يعود إلى مكانه، يرينا أنه أغلق هذا الباب إلى باب آخر ووطن آخر. وزميلته نادين تحسين بيك: كلوحات يرسمها فنان من العصور الوسطى لسيدة ثرية، تُريك طيات الثوب، ورقة الدانتيلا، ونعومة الحرير، وكأنك تكاد تلمسه فعلا. كإبداع هذه الريشة، جسدت نادين هذا الواقع الذي نعيشه، بلا زخارف ولا رتوش ولا فتاوى ولا مضادات ليست حيوية للحياة، بنظرية "عشها كما هي، واحترم كونك فريسة أو صيادا."

كندة حنا: هل رأى أحد كيف رفسها نورس وهي تنتحب من أجل بثينة؟ مشهد واقعي تماما لرجل له مثل شخصية نورس، يريد أن يحل مشكلة أو ينتهي من مشكلة بدون أن يسمع نواحا، حتى وإن كانت أخته. هذه الأخت التي ثارت لنفسها أخيرا وعاشت واقعا تجاهلته فترة بهروبها منه ومن مسؤولية البيت.

أين كنتِ يا ديما بياعة؟ كم زوجة تعاني ما تعانين، وتكتم الضحكة في السرير لأن الآخرين خلف الأبواب، وتكبت صرخة غضب خوفا من آذان تمسك عليها الزلة؟ جدفت مع التيار، وأخذت بيد الجميع، ولم تكره أحدا، لا لأنهم أحبوها أو لم يحبوها، بل لأنه لا حيلة لها غير العطاء، والأمل ببيت مستقل، وزوجها الذي ساير الواقع ولم يرفضه ليحصل على فتات كان من حقه أصلا بلا تحمل هذا العناء.

أرقى ما في الدراما السورية الحديثة هو الواقع، فأكبر مهندس ديكور لن يصنع بيتا كبيت بسام كوسا. الباب ذو الخشب المنخور، وزجاج الشباك المكسور، وتفاصيل دقيقة لن تنحتها إلا يد الواقع اليومي. أما بسام كوسا نفسه فلا أكاد اصدق أنه الحوت والادعشري. بروعة، الرجل مطحون بين رحى الديون وهموم الأولاد وحب يخاف ضياعه ويخاف بقاءه. هل رأى أحد نظرته ومنى واصف تخبره أن المرأة تغفر للمرأة زلة شرف، ترى هل يسامح الرجل؟

قالت لي زميلة لي في العمل إنه لولا اختلاف البلد لقلت إن هذين المؤلفين لم يؤلفا هذا المسلسل وإنما جاءا بآلة تسجيل، وسجلا كل ما يحدث في بيتها بالضبط مع والدة زوجها المريضة، ولكنها لا تزال على قيد الحياة، وهذا الاختلاف فقط.

لن أكتب عن الكل لأني لا أحب التعداد فلسنا في دائرة إسكان، ولكني لا أستطيع أن أترك أسماء تهرب من بين أسنان قلمي قبل أن أتساءل: هل زوجة جميل القوية هي نفسها من انكسرت وطُلقت في مسلسل (الانتظار)، وظلت في حالة انتظار لرجل يعطيها اسمه فتتوج بزواجها منه وتنتهي أيام انتظارها وانكسارها؟ أين تلك المنكسرة في مسلسل (دروب النحل) وهي تصارع أيام السجن وتتوق لأولادها من هذه المستذئبة مع زوجها، ولكن المدافعة عن حقها بهجومها على بيت بثينة. من يستطيع أن يمثل دورها وهي ترتجف وتصرخ في هجومها على بيت بثينة: "وينا الشريفة؟ وينا؟"

وفي خضم الصراع يأتي حتى الأخ الذي يأسنا من دوره في الحياة أو قدرته على اتخاذ موقف غير الكلام والانتقاد، يأتي ليحملها ويخرجها بالقوة (ابتسامة في خضم الشجار. شكرا للمخرجة التي هدهدتنا من شد الموقف قليلا). وموقفه الأخير بترميم بيت أخته الآخذ بالسقوط بإعادة زوجها إليها. والحقيقة أن قمر خلف أجادت الاثنين، وتركتني أفكر: أيهما هي؟ وأتمنى أن تكونهما معا.

أم السوس (سمر سامي) رائعة، ومن حقها اغتنام آخر فرصة في حياتها، ولم ترتكب ذنبا. والحقيقة أنها عندما أعطت القليل وبعقد شرعي فقط غنمت بيتا، في حين مضى العمر ولم تحصل على شيء سوى المتعة.

محمد قنوع وفصاله مع البائع والمشتري: أنت لها وله ولهم ولهن في هذا الدور. محمد خير الجراح: أبدعت كما أبدع أبو بدر. أنت هنا بانحناءة رأس ورفعة حاجب تخبرنا أنها في النهاية ملكك وحدك، فأنت الذي تبيع كل شيء ولا تشتري من أحد شيئا. وأنت هناك دوما لمن يريد أن يشتري بالمال، ومفقود لمن يريد أن يشتري معروفا.

نضال سيجري: غالبا من يتقوقع هاربا أو مترفعا عن هذا المجتمع يوصم بالتعالي والعيش في عالم وهمي آخر، في حين نجده أول المساندين لمن احتاج للنصيحة وللمال ثم للمأوى، حتى وإن كلفه هذا النوم في حديقة عامة. هؤلاء لا يعيشون حلما ولا يفرضون علينا واقعهم، كما نحاول نحن أن نجرهم إلى واقعنا المليء بالصخب والصراخ، ولكننا حين يتعبنا حتى سماع صوت أنفسنا يأتون هم ليغلقوا من حولنا النوافذ التي تُدخل الرياح والتراب لننعم بنوم هادئ لحين زوال العاصفة.

هناك أبطال يعجزني أداؤهم عن الكتابة عنهم، وهم مفخرة لفن التمثيل في الوطن العربي: خالد تاجا الأب، والجار سليم صبري، وصوان المسلّة منى واصف.

رشا شربتجيمخرجتنا رشا شربتحي: بعيني الرشا صورتِ هذا المسلسل، بتفاصيل دقيقة أذهلتني. شفاه بثينة المتشققة من العطش وغصتها وهي تلوك سندويشا معجونا بذل الحاجة لأنه لا مال لديها لتشتريه، وغموسه دمعة.

بمشهد ذهاب بثينة إلى الطبيبة النسائية لتجهض نفسها وامرأة من الضيعة تحمل مولودا بكل اعتزاز تنزل المنحدر بينما ترتقي بثينة إليه تجر نفسها جرا لتذهب إلى عيادة الطبيبة لتجهض، والأم ومولودها لم يوجدا اعتباطا، وإنما لترينا فرص الأخريات في الحياة التي حرمت هي منها.

هذا المسلسل يوصل لنا فكرة أن لا عار على المرأة، إنما على المجتمع الذي يدينها لأنها فُضِحَت، فلو تم كل شيء كما خطط له لما علم بالأمر أحد. وحين نصوغ جريمة كاملة نكون أذكياء جدا بالتأكيد، فيصفق لنا المجتمع. أما المرأة التي لم تتح لها الحياة فرصا كثيرة للاختلاط بالآخرين ولمعرفة نواياهم، فهي من يفتضح أمرها لأنها لم تُجد إخفاءه. ولا أقصد علاقة الحب فقط، فهذا المسلسل يتضامن مع فكرة مسلسل (ممرات ضيقة)، فلولا أن البطلة فيه دافعت عن نفسها ضد اغتصاب شخص وثقت به جدا مما أدى إلى جرحه ونقله للمستشفى واتهامها بمحاولة قتله وبالتالي انفضاح أمر العلاقة وإدانة المجتمع لها يعني ببساطة أنها لو رضيت بالاغتصاب وصمتت بعدها لما عرف أحد، ولظلت نظرة المجتمع لها ملؤها الاحترام والتقدير.

برأيي كل تفصيل وكل حدث كتبه وعالجه المؤلفان هو واقعي: "منا وفينا كما يقولون"، ولن يتغير. وهذه حياتنا بلا رتوش، سنعتادها ونعيش فيها كما هي، لأن محاولة تغيير العالم ليس من اختصاص حتى شعب واحد أو جيل واحد. ولم أر واقعا يتغير للأفضل. وحقيقة لماذا أصلا نرى أن ما يحدث عارا؟ هذا واقع يطحننا يوميا، صحيح أنه مخالف للقيم أو أحيانا لأعراف دينية، ولكنه الواقع. هذا زمننا وليس زمن الفرسان. ثم من قال إن زمن الفرسان لم يكن فيه عار؟ برأيي هذا أول مسلسل أشاهده ليس فيه ممثلون وأبطال. من وجهة نظري كل كان بطلا في دوره.

= = =

المسلسل التلفزيوني السوري زمن العار.

تأليف وسيناريو وحوار: حسن سامي يوسف ونجيب نصير.

إخراج: رشا شربتحي

التمثيل: حشد من الفنانات والفنانين

الإشراف العام: هاني العشي

JPEG - 34.9 كيلوبايت
مسلسل زمن العار
D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009     A هدى الدهان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عندما يصبح الوطن منفى

2.  نصوص قصيرة

3.  آمال وحبال: 2

4.  كلمة العدد 12: مسك ختام العام الأول

5.  حوار: الحسن الغشتول


القائمة البريدية