أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 42: 2009/12 » بـدائـيـة نـاصـعــة

هـيـام ضـمــرة - الأردن

بـدائـيـة نـاصـعــة


هيام ضمرةمثل أيام سابقات، يحمل نهاية يوم الدوام الحافل بالعمل بقايا أثقال موهنة، وقد نال العقل ما ناله من إجهاد، لا يألو يحصر تركيزه في قضايا انتشال الحياة الإنسانية من براثن المحن ومقارعة الأمراض، يصيب خلايا الجسم بكلل تتناقله الخلايا العصبية ليعم كامل الجسد ويصاب بما يشبه التراخي المنضوض.

ما أن تلقفتني جدران غرفة نومي وحررت أزرار قميصي المعبأ بإرهاق يوم حافل من الإنجاز، وما أن فككتُ عن وسطي قيد الحزام، حتى تمددت شعبي الهوائية مع سحبي جرعة عالية من الهواء عبأت تجويف صدري، ثم زفرت بقاياه دون الأوكسجين بذات القوة، لدرجة خلتني معها لوهلة قد استهلكت كامل هواء الغرفة لأغسل رئتي مما علق بهما من رائحة الدم والمعقمات وبـنـج العمليات. غمرتني مشاعر الراحة حين وضعت جسدي داخل البيجاما الفضفاضة، فتوقنا لأن نكون على سجيتنا يفوق كل احتياجاتنا حين نكون معبئين بالإرهاق، والملابس الفضفاضة تمتلك سحر إطلاق أريحيتنا بالكامل مع استرخاء كامل عضلاتنا، ليتملكنا شعور غامر بالارتياح.

سارعت بعد الاغتسال إلى غرفة المعيشة، وبإعياء متهالك ألقيت جسدي مفترش ا المقعد الكبير في صدر الغرفة، وقبل أن أمتلك إحساس الاسترخاء، هجم عليّ طفلي وألقى بنفسه على صدري مقتاتا فتات حناني، وبعض شوق يشبع لهفته إلى مداعبة حانية، عانقته بحب بالغ، وألصقت شفتي على وجنته الغضة لألتقط قبلة أفرغ بها قدرا من مكنونات مخضبة بالحنان، قبل أن يرتخي عنه ساعداي، وينسحب مدحور ا مغلوب ا على أمره إلى صدر أمه.

ومع انتظام نبضات قلبي وهي تستكين بارتخائها، تواصلت حواسي في متابعة الأخبار المصورة على شاشة التلفاز، لتستهلك الأحداث بمجرياتها الدامية بين إخوة النضال في دول الجوار ما تبقى بي من صبر كؤود، أتابع الصور وأتابع معها إحباطات زمن عاصف يُهدر الإحساس، لا يبقي فينا إلا بعض قليل من كرامة هزيلة تسند عصب الأنفاس، لتنتقل الصور على الشاشة الصغيرة في تتابعها ليظهر مسؤول يقدم دروع التكريم في حفل المتميزين بالأداء.

وقبل أن أصرف بصري وأترك أهدابي المثقلة تنغلق على غفوة مهيمنة، أثارت انتباهي صورة المرأة التي تقف في محاذاة المسؤول وبيدها درع تكريمها، لينطلق راداري الداخلي بتلقائية يجوب أركان ذاكرتي، وليتوقف مؤشره عند تلك الذكرى بعينها. قفزت من مكاني هاتفا:

"هي، إنها هي، يا الله!"

شدت زوجتي طفلها إليها وهي تتساءل بفضول أنثوي:

"من هي؟ ماذا هناك؟"

ووجدتُني أضحك ملء شدقي بينما مظهر البلاهة يرتسم على محيا زوجتي.

"علياء سعيد، تلك الفتاة التي أوشكتُ في لحظة غضب على جز مستقبلها قبل اثني عشر عاما."

واجهتني زوجتي بنظرة البلاهة ذاتها دون أن تنبس ببنت شفة.

أردفتُ قائلا:

"نعم، القصة ترتبط بأول عملية جراحية واجهتني في بداية عملي كطبيب جراح."

وكمن هجره الإعياء فجأة، تساقط عني ارتخائي، وألقيت صنارة صيدي في بحيرة ذاكرتي لأصطاد تفاصيل الصورة وكأنها تستعيد أحداثها أمامي. ها أنا أحاول إشباع فضول زوجتي وأنا أواصل السرد:

"في مستهل حياتي العملية، وأقدامي ما زالت تدب بحذر بين أروقة المستشفى الحدودي البعيد الذي عينت فيه كطبيب مسؤول، وفي ليلة شتائية يقرص بردها الأطراف، والريح تزأر بوحشية قاسية في سكون المنطقة، أُحضر إلى المستشفى طفل هزيل في الخامسة من عمره، في حالة اختناق بداء الخانوق (الدفتيريا)، وقد انحصر قدره بالحياة بإجراء جراحة عاجلة لفتح ثقب في عنقه، ووضع أنبوب ييسر دخول الهواء إلى رئتيه، ولم يكن في المشفى طبيب جراح سواي، يقضي ليلة مناوبته الدورية، كما إن مشرطي لم يكن حينها قد تلطخ بدم آدمي حيّ بعد. وقفت أرتجف وبرد حجرة العمليات العارية يتجمع في كل أجزاء جسدي، وقد حط عتام الخوف بثقله على أنفاسي، تكاد تصطك أسناني وأنا أترنح على حافة الغثيان، بدت لي حينها جدران غرفة العمليات فك ضخم على وشك افتراسي، أنقل نظرات غائمة بين الطفل المختنق والممرضتين المتصلبتين بزيهما الناصع البياض، وهما ترقبان بأعين متحفزة خطوتي التالية لإسعاف الطفل المعبأ بالزرقة، وعامل الوقت في هذه اللحظة بثمن الماس."

انتفضت زوجتي كأنما خرجت فجأة من قمقم معتق بالزمن:

"ها، هل خذلتك شجاعتك؟"

تطايرت كلماتها في فضاء الصالة، فلم يكن مزاجي حينها مهيئا للمناكدة، فاستكملت روايتي ونظراتي تتماوج على سقف الغرفة:

"فجأة اكتسحتني الإرادة، انتفضت من بردي وتساقط عني الصقيع، وعزمت أن أكون الجراح الذي يجب أن أكونه، فيما تتمثل حياة الصغير أمامي، وأهمية المسارعة إلى إنقاذه بأي وسيلة ملائمة، وانحصر همي بطرد شبح الموت عن الحياة الغضة التي ما زالت تتفتح لأضواء الدنيا، ووجدت يدي تمتد بالمشرط إلى عنقه لتفتح ثقبا يعبر إلى قصبته الهوائية، ورغم مشاعر التأثر واهتزاز داخلي بالخوف والرهبة، إلا أن عقلي حصر تفكيره بالخطوات اللازم إجراؤها في تلك اللحظة. وحين امتلأت رئة الطفل بالهواء، وتمددت بالحياة أوعيته الدموية، واستعاد الجسد نفح أنفاسه وانقشعت عنه الزرقة، غمرني فيض من الغبطة والارتياح، وسحبت أنا الآخر أنفاسي، ونشوة النجاح في الإنجاز تتملكني. فلتعش أيها الصغير ولتتدفق فيك سوائل الحياة، ولتملأ الدنيا بعد ذلك صخب ا وضجيج ا، لا يهم حينها إن حولت كل ما تسقط عليه نظراتك إلى حطام، أو حولت الحطام إلى تشكيل مبتكر، المهم أن تعش وينبض قلبك بالحياة، ويستعيد ذووك الأمل."

هتفت زوجتي فجأة وكأنها تذكرت أمرا مهما تبتغيه في تشتيت استرسالي:

"هل أصنع لك كوبا من القهوة؟"

مرة أخرى تركت كلماتها تتفشى في المكان، فقد تملكتني حمى السرد، وليس من قوة قادرة على نزعي عن جلوة طغيانها، فتمسكت بأذيال الحالة الاسترجاعية التي أدخلتني إليها صورة تلك المرأة على شاشة التلفاز، لتؤكد أن الإرادة والعزم والدافعية الذاتية، كلها عناصر تشكل القدرة على تجاوز الفشل، والاندفاع بقوة ونجاح نحو قمة الهرم.

عاد صوت زوجتي يشق ضجيج استذكاراتي وهي تقول بصوتها المتراخم:

"لقد صنعت قالب حلوى بالشوكلاتة غاية في الروعة، سترغب في تناول قطعة مع الشاي."

تنامى قهري داخلي. واجهتها بنظرة لوم واستنكار، فسكتت واستكانت إلى صمتها من جديد، فقلت:

"أظنك ترغبين في معرفة علاقة المرأة بقصتي."

علقت نظراتها في وجهي بوجوم الموافقة، فيما عدلت وضع طفلها الذي بدأ يستسلم بتراخي ملائكي للنوم، فاندفعت مسترسلا من جديد في لذة الاستعراض الذي نتقنه كلما شعرنا أننا محور فاعل في صنع حالة من حالات النجاح. تُرى هل يتذكرنا الآخرون بنفس الملامح؟ هل يربطون نجاحاتهم بالدافع الأساس لانطلاقتهم بعزم مأمول؟

"بكل اختصار، كانت هذه المرأة الممرضة المسؤولة عن مراقبة حالة الطفل خلال المرحلة الحرجة التي تتبع العملية، ويعتبر تجاوزها بسلام معيار نجاح العملية الجراحية، وفي لحظة غفلت فيها الممرضة عن مراقبة الصبي، تنبهت بعدها أن الأنبوب الذي ثُبِتَ بالجراحة في عُنُقِه، ليتنفس من خلاله، قد سدته الأغشية المخاطية تماما، واحتقن وجه الطفل. وبدل أن تسارع بأقصى ما تستطيع إلى شفط الأغشية من الأنبوب، ارتبكت وتهاوى صمودها تحت نياط رعبها، وتكثف غمام الخوف على عقلها المضطرب، فانطلقت مذعورة نحو غرفتي، لتنتشلني من نشوة إنجازي، وغبطة نجاحي. وصلتُ غرفة الطفل بعد فوات الأوان، وباءت كل محاولات إنقاذه بالفشل."

جحظت عينا زوجتي استهجانا . ليس أقسى على النفس البشرية من توقع الخطر على الطفولة البريئة فما البال حين تنعق فوق رؤوسها غربان الموت.

أشارت إليّ بالانتظار. حملت طفلها المستسلم لحرائر غفوته بحنان بالغ وهي تطبع قبلة رقيقة على جبينه، وخطت به نحو غرفته، لتعود وقد حط في عينيها شوق الفضول:

"يا إلهي! كيف يحدث ذلك بين أيدي ملائكة الرحمة؟"

هززت رأسي بأسى، فثمة أحزان تتشبث بعقولنا قبل أفئدتنا، فاتخذت أهدابي وضعية الارتخاء وأنا استكمل استحضار الصورة:

"كم كان قاسيا أن يتبدل نجاحي إلى فشل. بكل بساطة، لقد أفسدت بتقصيرها أول إنجازاتي، مما مرّد غضبي وفوّر حنقي، فانطلقت منّي عبارات قاسية جلدت مشاعرها، وأوجعت بشدة ضميرها، فلاذت بصمت أحمق، وبدت بألوانها المهاجرة كتمثال شمع واجم، الأمر الذي أثار حفيظتي، وأخرج نهم غلتي، فالتقطت القلم الفاخر الذي نلته هدية من أبي يوم تخرجي طبيب ا جراح ا، وكدت أن ألوث به ناصية التقرير الذي سيودي بمستقبل هذه الممرضة، توقفت فجأة عند العبارة "تسببت بموت" تجمدت يدي كأنما تأبى أن ترضخ لثورتي المتفلتة، ورفعت نظراتي باتجاهها والسؤال يشتعل لهيبه في عقلي، أهي حقا من تسببت بموت الطفل؟ أم إن الأقدار تجعل منا أسبابا لسوق بعضنا إلى حتفه؟ ومن يضمن وأنا الطبيب الجراح الذي ينفتح على مكمن العلل من أن ينقلب حظ أحد مرضاي بين يديّ يوم ا ما لأسباب لا سلطة لي عليها، هل سأكون حينها قاتلا؟"

وضعت القلم جانبا وكامل جسدي ينتفض، وصرختُ بوجهها بعصبية مجنونة:

"اللعنة، قولي شيئا تدافعين به عن نفسك."

نظرت إليّ بعيون منكسرة من فوق صفرة وجه داكنة وهي تشد ساعديها على جانبيها كصنم بدائي حفر على جذع خشبي، وقالت بصوتها الذليل وعبراتها تكاد تطفح عبر مآقيها:

"أرجوك، امنحني فرصة لأكفر عن خطيئتي."

فاستشطت غضبا، وتابعت ثورتي وصوتي يضج كطلق ناري مرتد:

"أُغربي من أمامي، لا أُريد أن تصادف عيناي وجهك أبدا فأنت حقا شؤمي."

عاود زوجتي فضولها فسألت وهي تفرد أطراف ثوبها حولها، وترفع ساقا فوق ساق:

"ها، وعلى ماذا استقر قرارك بالتصرف معها بعد ذلك؟"

لم أرها مطلقا بعد هذه الحادثة. اختفى أثرها تماما ، ونسيتها في غمرة نجاحاتي فيما بعد، بل وانزاحت الحادثة عن صفحة ذاكرتي حتى هذه اللحظة.

"ولكنها الآن ..."

وقبل أن تكمل عبارتها، قلت مؤكدا :

"نعم، هي الآن نجحت حيث عقدت العزم منذ لحظة فشلها الأولى، والأخيرة على ما يبدو، على النجاح بإخلاص. إنها إرادة العزم يا عزيزتي، فقد عقدت العزم بإخلاص على النجاح وتفانت في عملها تكفيرا عن غلطتها، أطلقت أقدامها بقوة باتجاه الهدف الصحيح."

ضمت زوجتي كفيها في حجرها ووجهها يتخذ شكل الانفراج وهي تسحب نفسا عن فرح:

"الحمد لله، إذن أنت لست نادما ."

"انتصرت على غضبي حين منحتها الفرصة. أحيانا ندفع ثمنا باهظا لنأخذ دروسنا في تحمل المسؤوليات. لقد مات الطفل وأحيا بها عزيمة الأداء بإخلاص، هي أقدار تيسر لأقدار، إنها الحياة ومفارقات أحداثها."

"أما فكرت بالانتقام؟ أقصد، ألم تؤد خسارتك لإنجازك الأول إلى ارتداء كساء القسوة بعد ذلك؟"

انقلبت على جانبي وقد فغر فاهي بتثاؤب سلطوي، وكفي تندس تحت وجنتي، فيما كنت أغوص في وسائد المقعد. أجبتها وصوتي يتلاشى ووعي ينزلق في خلدة مستحكمة:

"لو فعلتُ ذلك لكنتِ، وأنتِ شريكتي، أول من يكتشف بدائيتي."

وتخافت صوتها في أُذنيّ دون أن تتبينه مسامعي وهي تقول:

"هل نمت؟ يا إلهي، هل كنت في حاجة إلى خبر في التلفاز ليُنسيك يوم مولدي؟"

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2009     A هيام ضمرة     C 0 تعليقات