أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 44: 2010/02 » كلمة العدد 44: الصداقة في الشرق والغرب

عدلي الهواري

كلمة العدد 44: الصداقة في الشرق والغرب


عدلي الهواريإذا استلطفك شخص في دولة عربية يعلنك صديقا له خلال دقائق من تعارفكما، وقد يدعوك إلى بيته في اليوم التالي. ولهذا الأسلوب إيجابياته بالتأكيد، ولكن له سلبيات أكثر، فهذه الصداقات تنهار بسرعة مثلما نشأت.

تنهار عند أول سوء فهم، وتنهار عندما يطلب صديقك الجديد استلاف مبلغ من المال وتعتذر عن ذلك، وتنهار عندما لا تتجاوب مع رغبات الصديق في أن تفعل ما لا ترغب في عمله. ولا تنهار الصداقة فحسب، بل لا بد من الاستماع إلى بعض الردح والإهانات، قبل أن تصبح "الصداقة" ذكرى أليمة، ويصبح يوم تعارفكما يوما أسود.

الصداقة في الغرب تتم ببطء. على العكس من الشائع في الدول العربية، لا يسعى المواطن الذي يعيش في الغرب إلى الإكثار من الأصدقاء، وحتى يصل شخص ما إلى مرتبة صديق، يجب مرور الكثير من الوقت، وتعرض الصداقة إلى الكثير من المواقف التي تؤدي إلى فرز الأشخاص، ويصبح شخص ما صديقا، أما البقية فمعارف وزملاء، وما إلى ذلك.

الصديق يتقبلك كما أنت، ولا يحاول تغييرك. الصديق لا يصادقك لأنه يريد شيئا من هذه الصداقة. والصديق لا يعاتبك على مزاجك المتكدر عندما تقابله، ويختلف معك في الرأي دون أن تتأثر صداقتكما، فلكل منكما شخصية مستقلة، والصديق يستأنف صداقته معك، كما لو أنه كان معك قبل خمس دقائق، رغم اللقاء بعد خمس سنوات من الغياب.

إذا تعرفت على شخص وقال لي "يا صديقي" يكون رد فعلي التلقائي: "الله يستر"، فنحن للتو تعرفنا على بعض. وعندئذ، تبدأ ساعة توقيت انهيار الصداقة: بعضها ينهار بعد أيام، وآخر بعد أسابيع، وبسرعة تنتقل من شخص محبوب إلى آخر لا يطاق.

الصداقة كالزراعة: هناك حاجة إلى تربة جيدة وبذور خالية من الأمراض وماء ورعاية لكي تنبت زهرة جميلة عطرة. فلا داعي للاستعجال في جمع الأصدقاء وتحويل ذلك إلى هواية كجمع الطوابع، أو اعتبار من يضيفك إلى فيس بوك صديقا، أو من يسبغ عليك صفة "صديق" لتخديرك تمهيدا لاستغلالك وصداقتك بشكل أو بآخر. الأيام كفيلة بأن تؤكد لك، هذا صديق فعلا، وآخر عابر سبيل.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

D 1 شباط (فبراير) 2010     A عدلي الهواري     C 0 تعليقات