إبراهيم يوسف - لبنان

حب في الشتاء

(ويمنعني علي دين ثقيل)


أمّا الشعر، فشأن مختلف، لهفته تعيش حيّة في القلب، ولي معه حكاية حزينة. حزينة بلا ريب. تعود إلى زمن المراهقة، حين كنت مقبلا على الدنيا، معتدّا بنفسي، مفتونا بها، ولا أجد ما عداها يستحقّ الاهتمام. إلاّ قصيدة نظمتها في أوّل خفقة للقلب. فالشعر لزوم الحبّ يأتي من رحمه ولا يستقيم بدونه. هكذا ولدت قصيدتي الأولى، والأخيرة.

سلخت في إعدادها أيّاما وليالي. وحين استقامت. قلت أستشير أصحاب الشأن، قبل أن يحملها "الهوى" وينثرها بلسما على المحبّين. هكذا توجّهت، بلا إبطاء، إلى عيادة السيّد علي "روضة". طبيب غلب شعره شهرته في الطبّ. هذا الشاعر الطبيب عاش يتيما، فغلبت كنيته لأمّه "روضة" على "الحسيني" عائلته لأبيه، التي تعود في جذورها إلى آل بيت الرسول الكريم. إذا هو السيد علي "روضة" أو "الحسيني"، ويطلقون عليه لقب "الحكيم" أيضا. من سلالة آل البيت، شاعر وطبيب.

استقبلني استقبالا لائقا. وحسبني مريضا في البداية، فسألني عن علتي. وعندما ارتبكت خجلا وتولتني الحيرة، شجّعني وحثني على الكلام، فأنست إليه وبحت له بسري.

لاحت الحفاوة على وجهه من جديد وانفرجت أساريره، ولمعت عيناه توسّما بفتح شعريّ جديد، وبانت عليه فرحة أعمق حين تلقى الخبر، فاستدعى "روز" ابنته، طالبة في الإعدادي تساعده في عيادته كأمينة للسر أيّام العطل، ثمّ أوصاها بألاّ تدخل إلى العيادة من يأتي من المرضى أو الزوار، لكيلا تعكر علينا صفو جلستنا، فالوقت مخصّص للشعر، لا للمرض كما قال. ثمّ صرفها. وعاد فاستدعاها بعد قليل، وطلب إليها أن تحمل لنا القهوة؛ قهوة لم أكن قد عاشرتها وأحببتها بعد.

كنت مزهوا بنفسي وقد استمع إليّ باحترام، وانتباه ملحوظ. وأصرّ أن أحتسي معه القهوة، لكي يضمن للجلسة شأنها ومعناها. ثم أشعل لفافة تبغ، وسألني إن كنت أدخن. تجنّب الإلحاح على التدخين كما ألحّ على القهوة. لعله لو لم يكن شاعرا، لو كان طبيبا فحسب، لما كان يدخّن. عبّ نفسا عميقا من سيكارته واسترخى في مقعده، ثمّ التفت إليّ وابتسّم مشجعا من جديد، قائلا لي باهتمام: "هيّا هات ما عندك يا صديقي."

في الواقع لا أذكر من القصيدة ألاّ عنوانها: "حب في الشتاء". توقف الطبيب الشاعر عند العنوان وسألني:

"أليس الربيع بالحبّ أولى؟"

وأجبته على الفور: "وهل الوحل يبقى حتى الربيع؟"

إجابة مستنكرة غريبة، مرفوضة وغبيّة في آن معا. لعلّ محور القصيدة كان يدور حول "الحبّ في زمن الوحل" على غرار "الحبّ في زمن الكوليرا" (*). أليست للشاعر حرّية "التّفلت" في "الحكي" والتفكير كما يوحي له الهوى؟ وإلاّ كيف يكون شاعرا "ويجوز له ما لا يجوز لغيره"؟

هذه المرّة لاح على فمه طيف ابتسامة، لكنّه لم يعلق ودعاني بتهذيب مقرون بالصبر والكياسة والرثاء لأكمل القراءة، أو "الإلقاء".

لم أكد أبلغ من القصيدة البيت الثالث، حتى فاض كيله، فتنحنح وتململ في مقعده، ثمّ وجم قليلا وبانت الخيبة في عينيه، خيبة قاسية بلا شك. كان كريما معي. فاستوقفني دون أن ينسى لياقته، قائلا لي بضيق يخلو من التّهكم ولا يخلو من الابتسام:

"اسمع جيدا يا صديقي: دخل على أبي حنيفة أعرابي، تبدو عليه إمارات النعمة والوقار، من رصانة في المحيّا، وعلامات أثيرة في اللباس. وأبو حنيفة جالس براحة، متكئا بمرفقه على مسند في جواره. ما إن دخل الأعرابي بهيئته الرزينة، حتى استوى أبو حنيفة في جلسته، "فلملم" نفسه واسترجع إلى الخلف قدميه الممدودتين، احتراما لحضور الزائر المهيب. رحّب أبو حنيفة بالوافد الكريم، ودعاه بحفاوة إلى الجلوس. ثمّ سأله عن حاجته. قال الأعرابي: "جئت أستفتيك في الدين والدنيا." ثمّ ابتدأ يسأله. سأله عن مناسك الحج. وسأله عن أحكام الزكاة. وعن أصول الصوم. ثمّ عن مواقيت الصلاة. وعندما التبس على الأعرابي ما قاله أبو حنيفة عن صلاة الظهر والعصر، سأله مستوضحا: "وما الحكم يا مولاي إذا تقدّم العصر على الظهر؟" قالها الأعرابيّ بأناة وفواصل بين الكلمات. فأجابه أبو حنيفة على الفور، ولمّا يصح من صدمته بعد عندها: "يعود أبو حنيفة فيمدّ ساقيه، ويجلس على هواه دون حرج ولا خجل."

لم ينته الطبيب من الحكاية حتى نادى روز، لكي تباشر فورا بإدخال المرضى.

هكذا عاهدت نفسي، ووفيت صادقا بوعدي، فلم أطرق بعدها باب النظم أبدا، ولو أنني أهوى الشعر، وأميّز منه بين الحسن والرائع والرديء، وأتذوّق سلافه حتى الثمالة. لكنني آليت على نفسي ألاّ أنظمه أو أفتي به أبدا، بعد هزيمة منيت بها، وخيبة ما زالت مرارتها تحت لساني.

السيّد علي "الحسيني"، الشاعر الطبيب، كان ينبغي أن يعيش حياة أطول. ويتحفنا بشعر أحلى وأغزر. أصيب بذات الرئة. لم يعش عمره. هزمه التبغ والتدخين والمرض، ترك دنيانا ومضى. رحل إلى دنيا الحق. مات فقيرا واستوطن في جوار الله. شفاعته عند ربّه شعره وفقره وطبّه وآل البيت. ولم ألتق بروز منذ ذلك اليوم. ما بلغني للأسف أنّها فشلت في زواج لم يتكرر، وتخلت مكرهة عن ابنة لها صارت صبيّة. وأنّها تجاوزت محنتها. تدمن التدخين، وتمارس هواية الرسم والشعر، وتعمل في شركة للتأمين لتقتل وقتها وتعيش.

= = =

(*) الحب في زمن الكوليرا عنوان رواية للروائي الكولومبي، غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل.

D 1 آذار (مارس) 2010     A إبراهيم يوسف     C 0 تعليقات