أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 47: 2010/05 » الشاعر عبد الله البردوني: أضواء على حياته وشخصيته

عبد الله بن محمد مسلم - الهند

الشاعر عبد الله البردوني: أضواء على حياته وشخصيته


عبد الله بن محمد مسلماسمه ونسبه:

هو عبد الله بن صالح بن عبد الله بن حسن البردّوني. وأما عن أصل اسمه فيقول البردوني بنفسه في هذا الخصوص: "عندما جئت أول مرة إلى صنعاء لم يسألوني ما اسمك؟ وإنما قالوا: من أين أتيت؟ قلت: من البردّون فصنعوا لي اسمي فورا، وهذا شائع في البلاد العربية، وربما غيرها، يسألونك من أين جئت، فتقول: من اللاذقية، فسمونك اللاذقي أو اللاذقاني، ويسمى هذا اللقب المكاني، وهو في اللغة العربية لا يشعر بمدح أو ذم، وإنما هو النسب المكاني الذي يشبه النسب العائلي." [1]

مولده ونشأته:

ولد الشاعر عبد الله في عام 1348هـ الموافق 1929م، وذلك في قرية البردون (*) من قبيلة بني حسين ناحية الحداء، شرق مدينة دنار، والتي تبعد عن صنعاء مائة وخمسين كيلومترا. وهذه القرية معروفة بمآثرها الحضارية الحميرية. ومن أهم معالمها الإسلامية المعمارية مسجد العامرية.

الشاعر عبد الله البردونيأما تاريخ ميلاد الشاعر فيمكن تقديره بعام 1929م ـ 1930م. وهذا بالتقدير القائم على أحداث مثل ضرب الطائرات البريطانية للأراضي التي كانت تحت سيطرة الإمام يحيى حميد الدين (1904م ـ1948م)، وكان ذلك عام 1928م، وبغرق محمد البدر، ابن الإمام يحيى حميد الدين في مدينة الحديدة. وكذلك يمكن لنا تقدير مولد البردوني بعام 1929م ـ أو 1930م استنادا إلى رواية أحد تلامذته [2]، أو كما قال البردوني عن نفسه في مقدمة ديوانه الأول من أرض بلقيس:

"نشأت في قرية البردون من أعمال زواجة بالحداء. وهي قرية شاعرية الهواء ذهبية الأصائل والأسحار. يطل عليها جبلان شاهقان مكللان بالعشب. ولهذه القرية في نفس الشاعر ذكريات وذكريات، فيها ولد الشاعر سنة 1348هـ وفي أحضان هذه القرية الخالدة".[3]

فيما يتعلق بوالدته فهي نخلة بنت أحمد بن عامر. كانت امرأة ذكية فلاحية. ولدت لعم البردوني ابنتين وولدا، هم: بختية، وطيبة، وعبد الله. ثم استخلفها أبو شاعرنا بعد موت أخيه، فأنجبت له ثلاثة أبناء: أحمد، وعبد الله، والثالث قد مات في شهر ميلاده. وقد عاشت والدته أكثر من تسعين سنة، وهي خاطبة كالرجال، وسارية الليل كالرجال، تشارك في الفتن المحلية مع قبيلتها، وكانت شديدة على الشاعر الكبير البردوني في صغره.[4]

نشأ البردوني في قرية البردون. وهذه القرية قرية معزولة دائما، تحتاج إلى رجل سليم قوي يصد عن القبيلة عدوان المعتدين. يقول البردوني: "وقد كان العمى مأتما صاخبا في بيوت الأسرة، لأن ريفه يعتد بالرجل السليم من العاهات، فرجاله رجال نزاع وخصام فيما بينهم، فكل قبيلة محتاجة إلى رجل القراع والصراع الذي يقود الغارة ويصد المغير".[5]

وينتمي البردوني إلى أسرة معدمة في شعب كان معظم أبنائه يعيشون في مجاعات، وأسرته كانت تعاصر في ذلك الحين الفقر والجوع، ولذلك يصور البردوني معاناته ومشاكل أسرته من الجوع في طفولته هذا التصوير الساخر:

خذها فديتك يا صـديقي = = ذكرى أرق من الرحيق

وألذ من نجومي الهوى = = بيـن العـشيقة والعشيق

وأذكر تهاديـنا عـلى = = كوخ الطفولة والطريق

وأنـا وأنت كمـوثقين = = نحِنّ في القـيد الوثيـق

نمـشي كحيـرة زورق = = في غضبة اللج العميق

وإذ ذكرت لـي طعـام = = أكلت أنفـاسي وريـقي

أيام كنا نسرق الرمـان = = في الوا دي السحيـق[6]

وعلى هذا النحو نجد كثيراً من القصائد التي تصور متاعب البردوني من الفقر والجوع، فندرج فيما يلي بعض الأبيات من قصائده التي يشكو فيها من الجوع وضنك المعيشة فهو يقول:

يا بلادي هذي الربى والسواقي = = في ضلوعي تنهدات شـوادي

إنمـا مـن أنـا وليس بكفـي = = مدفع والتراب بعض امتـدادي

ربمـا كنت فارسا لست أدري = = قبل بدء المجـال مات جوادي

العصافير في عروقي جيـاع = = والدوالي والقمح في كل وادي

في حقولي ما في سواها ولكن = = باعت الأرض في شراء السماء

يا ندى، يا حنان أم الدوالي = = وبرغمي يجيب من لا أنـادي

هـذه كلـها بـلادي وفيـها = = كل شيء ... إلا أنا وبلادي [7]

إن الشاعر الأعمى قد جرب الحياة المرة، وعاش حياة البؤس والشقاء وقد حرم من حنان أمه سنة 1958م، حينما كان صغيرا. ورفع ظل أبيه منه عام 1988 من الميلاد، وكان البردوني قد تزوج مرتين ولم ينجب ولدا. اقترن بزوجته الأولى فاطمة الحماي في العام 1959م، إلا أنها انتقلت إلى رحمة الله في عام 1974م. وبعدها اقترن بزوجته الثانية فتحية الجرافي سنة 1977م، وهي كانت خريجة من القاهرة في القسم الإنجليزي عام 1965م.

مرضه وكف بصره:

يعتقد بعض الناس إن البردوني لم يولد كفيفا، وإنما أصيب في الطفولة بمرض الجدري الذي كان يعصف بالآلاف من أبناء وطنه في ذلك الحين، عندما كان في الخامسة أو السادسة من عمره، فأولا فقد بصره من إحدى عينيه. وكانت عينه الأخرى بقي فيها بصيص من الرؤية، فمثلا إذا استيقظ من النوم صباحا ورأى دخول الضوء في الغرفة فهو يعرف أن الصبح قد أطل. ويشعر بضوء السراج إذا وجد في المكان سراج. ولم يمض عليها إلا قليل من الزمن حتى ذهب عنها هذا البصيص أيضا بسبب إصابته بضربة الشمس والصداع، بالإضافة إلى عدم وجود الرعاية الطبية والجهل على عامة الناس في تلك المرحلة من الزمن، فظل يكابد المرض سنتين، وعلى إثره فقد بصره تماما.[8]

تعليمه:

كان التعليم قبل قيام الثورة في اليمن محدودا، وإن وجدت فيها بعض المدارس إلا أنها كانت تقتصر على تعليم الطلـبة القـراءة والكتابة وبعض العلوم الإسلامية واللغوية، مثل النحو والبلاغة.[9]

تلقى البردوني المبادئ الأولية للتعليم في البردون على يد والده صالح بن عبد الله حسن البردوني، وعن شيخه يحيى حسين القاضي، فتعلم فيها الذي لا يتجاوز قراءة الحروف من معرفة ضمها وفتحها، وكسرها. وكان يوجد في أواخر أيام حكم العثمانيين في اليمن "كتاب (البياض)" أو "(الباب الصغير)" وتعلم فيه البردوني ثلث القرآن الكريم بادئا من أول النصف الأخير (السور القصيرة) حسب النظام التعليم القائم في ذلك الوقت التي كانت تساعد على تمرين الحافظة واللاحقة.[10]

ثم انتقل البردوني إلى قرية مجاورة تسمى المحلة، وهذه القرية تقع في ناحية عنس جنوب شرق مدينة ذمار حيث كانت له أخت متزوجة في تلك القرية، وفيها كان التعليم منتظما. ففي هذه القرية تعلم البردوني القراءة والكتابة وحفظ فيها بقية القرآن الكريم حتى سورة الأنعام، على يد الفقيه عبد الله بن على سعيد. وفي الحقيقة أنه قد أنهى التعليم الابتدائي فيها وهو عبارة عن حفظ القرآن الكريم وبعض الأناشيد والمنظومات.

ولما بلغ البردوني الثامنة أو التاسعة من عمره انتقل إلى مدينة ذمار، وهي عاصمة ومركز المحافظة، ومكث هناك حوالي عشر سنوات، ودرس بالمدرسة الابتدائية في ذمار حيث أكمل تعليم القرآن الكريم حفظا وتجويدا.

ثم انتقل بعدها إلى دار العلوم المعروفة بالمدرسة الشمسية بذمار، وسميت هذه المدرسة بهذا الاسم نسبة إلى شمس الدين بن شرف الدين الذي بناها، وكان حارب الأتراك في القرن العاشر وكان مرشحا للإمامة. وقد تم تأسيس هذه المدرسة على يده في عام 1947م، وهي مدرسة عريقة تخرج فيها نخبة من الأدباء والمفكرين والكتاب، ففيها أعاد البردوني تجويد القرآن الكريم مرة ثانية على القراءتين (نافع وحفص)، والثالثة والرابعة على القراءات السبع المتواترة، من شيوخه في علم القراءات من العلامة محمد الصوفي، والعلامة صالح الحودي، والعلامة حسين الدعاني، والعلامة أحمد التويرة، وتلقى فيها دروس النحو وأصول الدين والفقه واللغة.[11]

وتخرج البردوني من هذه المدرسة الشمسية محاميا، وحاملا إجازة القرآن الكريم. يقول عن نفسه: "أصبحت محاميا حاملا إجازة القرآن الكريم من أجل شيوخ المدرسة الشمسية صالح الحودي الذي درست على يده كتابين في علم الكلام أو معرفة الله أو دهليز الكفر عند أهل السنة. وكان الكتاب الأول يحمل اسم (الثلاثين المسألة الصغرى) والثاني يحمل اسم (الثلاثين المسألة الكبرى).[12]

عندما دخل البردوني في هذه المدرسة عانى عديدا من المصائب والمشاكل لأنه قد ولد في بيت فقير وأسرة معدمة، فطبعا لم تستطع أن تعيله. ولذلك كانت إعالته شيئا ثقيلا عليه فقد كان في المدرسة يعلم الأطفال المتخلفين في الحفظ ويكرر لهم كرارا لمساعدتهم على الحفظ، فيحصل بالمقابل على لقمة العيش التي تكفيه في حياته اليومية. وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة سمع البردوني كلمات رديئة من الطلاب، إذ كانوا يقولون: "أعمى لا غرام ورجام".[13]

كانت حياة البردوني في هذه المدرسة حياة صعبة، ومع هذه الصعوبة قضى حوالي عشر سنوات كابد فيها مكاره العيش، ومتاعب الدرس، والحنين إلى القرية وملاعبها [14]، وبذل قصارى جهوده في سبيل العلم والمعرفة، فتعلم في هذه الأثناء علوم الدين واللغة والأحاديث والتاريخ والكلام وغيرها من العلوم الأخرى حتى أجاد فيها. وفي هذا العهد مال إلى الأدب العربي فقرأ كل ما يقع عليه يده من الدواوين القديمة.

وفي مطلع الأربعينات تقريبا وبالتحديد في عام 1943م انتقل البردوني إلى صنعاء والتحق هناك بالجامع الكبير بصنعاء، وبدأ يدرس فيه حيث قضى عدة شهور فقط ودرس فيه على يد العلامة أحمد الكحلاني والعلامة حميد ميعاد. وبعدها التحق البردوني بدار العلوم بصنعاء، فدرس من بداية الصف الرابع الذي يتكون من أربع شعب يؤهل الطلاب فيه للدخول في هذه المدرسة. فتعلم البردوني كل ما أحاط به منهجها. والمنهج الذي كان فيه البردوني يتوزع على كتب أصول الدين وكتب النحو والصرف والفقه والتاريخ وعلم الكلام وكتب البلاغة القديمة[15]، فدرس هناك منهج هذه المدرسة وتفوق فيه، واستفاد فيها من الأساتذة البارعين في العلوم الدين واللغة والفقه والتاريخ من أمثال العلامة جمال الدين الديب، والعلامة الفخري الرقيحي، والعلامة قاسم بن إبراهيم وغيرهم حتى وصل إلى درجة الغاية (*)

وحصل البردوني بعد ذلك على إجازة من دار العلوم برئاسة العلامة علي فضة، "في العلوم الشرعية والتفوق اللغوي"[16]. ثم التحق بالمنهج الآخر لكي يتقاضي مرتبا رمزيا كخريج، وعين ي نفس المدرسة مدرسا للأدب العربي شعرا ونثرا.

واستفاد البردوني في أثناء تدريسه في المدرسة العلمية من طلبته الطامحين، فكان يستعين بهم لقراءة ما يصل إليهم من كتب مثل ديوان ليالي القاهرة لإبراهيم ناجي، وديوان قالت لي السمراء لنزار قباني وغيرها.[17]

في إبان هذه الفترة استفاد البردوني كثيرا من كتب طه حسين التعليمية خاصة كتاب التوجيه الأدبي للثانوية الذي قد ألفه طه حسين وعبد الوهاب عزام كلاهما.[18]

كان البردوني دائما منكرا للاتباع والتقليد، مع أن أساتذته كلهم كان ميلهم إلى القديم، ولذلك قال له أحد علمائه: "لماذا يا عبد الله تعلمت الشرح الصغير والجوهر المكنون ولا تنظم على تلك التشبيهات والاستعارات والمجازات؟ فأجاب البردوني قائلا: "لأن التعليم يمتد الشعر وليس التعليم إلا أساسا للثقافة الشعرية وغيرها من الثقافات العليا".[19]

أما المنهج الذي درسه البردوني في المدارس النظامية فلم يكن كافيا ليرضى طموحه في الاستزادة من كل جديد، ولم يضيع وقته إذ هو دائما كان ينتهز الفرص. حتى عندما دخل في السجن قال عن نفسه: "فأمضيت أسبوعا في سجن الرادع (كذا) مشتغلا بقضايا اجتماعية، إلى أن شاركني غرفتي في السجن الأستاذ محمد الحورش أخو الشهيد أحمد الحورش، فقرأت وإياه كتابا عن أتاتورك وكتابا مترجما عن الألمانية، كان ينطوي على سيرة الملك عبد العزيز آل سعود.[20]

بدايته مع الشعر:

كانت مدة إقامة البردوني في "المدرسة الشمسية" بذمار عشر سنوات كابد فيها مكاره العيش ومتاعب الدرس وغيرها عديدا من المصاعب والمشاكل. ومع هذا كله مال البردوني إلى الأدب وقرأ كل ما يصادفه من الكتب الأدبية وخاصة دواوين الشعر الجاهلي أو الإسلامي.

وبدأ البردوني يقرض الشعر وهو في الثانية عشرة من عمره، أي بدأ ميلاده الشعري في عام 1946م، فلم يكن يمر يوم أو يومان إلا وتعهد فيه الشعر، قراءة وتأليفا، وكان أكثر شعره في تلك الفترة مليئا بالشكوى من الزمن، وكثيرا التأوه من ضيق الحال، وفي هذا الشعر نجد نزعات هجائية تكونت من قراءة الهجائين، ومن سخط الشاعر على المترفين.[21]

لقد تشكلت ثقافته من قراءته للدواوين القديمة ودواوين بعض الشعراء المعاصرين. وتتضح هذه الحقيقة من تأثره بالمتنبي وأبي تمام والمعري. وقد قد تأثر البردوني بهم في الأربعينات. ومن أهم مطالعاته في بداية الأربعينيات أربعة كتب: الأغاني للأصفهاني، وكتاب الموازنة بين الشعراء، للدكتور زكي مبارك، وكتاب الشوامل والهوامل، لأبي حيان التوحيدي، وكتاب مع المتنبي لطه حسين.

والبردوني تأثر بالشعراء المعاصرين أيضا أمثال إيليا أبو ماضي، وأبو القاسم الشابي، وعلي محمود طه.

وتأثر البردوني بشعر "أدونيس" كثيرا خاصة بديوان وجوه دخانية في مرايا الليل"، وديوان ترجمة رملية لأعراس الغيار.[22]

هذه هي بداية البردوني الشعرية التي تلتها بداية المعاناة والقسوة، ورافقها سحابة الإبداع وشرارة النضال المتوقدة في صدره.

نضال البردوني:

أسلفنا القول إن البردوني قد حرم من نعمة البصر حينما كان في الخامسة أو السادسة من عمره، ولكن لم يمنع العمى البردوني من أن يأخذ موقعه في صفوف النضال الشعبي الذي قام به المثقفون والأحرار من أبناء الشعب اليمني وعلى رأسهم الشاعر الكبير اليمني محمد محمود الزبيري، ونعمان، وزيد الموشكي، وعلي عبد المغني وغيرهم الذي حملوا على كتفهم قضية تحرير الشعب من الاستبداد والظلم والفقر والجهل. وقد أدى البردوني فيه دورا بارزا بشعره وحمل لواء القصيدة العربية الحديثة بدهشتها، والعريقة بعبقها، هو الذي وقف بكل صلابة اليمني في وجه حكم الإمامي الكهنوتي. وندد البردوني بذلك العهد وبظلمه وجرائمه وتخلفه، ولم يخف من بطش الطغاة ولا من قيودهم الدامية، بل جاهر البردوني بصوته المجلجل وتحدى النظام الإمامي. ولذلك ما زال يعد البردوني الضمير الحي الذي يتصدى لأي محاولة طارئة على مسار طريق الفجر. إن البردوني قد كرس شعره للوطن والثورة والإنسان والحرية وظل على ذلك المنهج حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.[23]

كان البردوني عاشقا للوطن والحقيقة والحرية والضوء وحاول بشعره محاولة شديدة إثارة قضية تحرير الشعب وإنقاذه من الاستبداد والفقر. وعلاوة على ذلك فقد خلق البردوني جانبا من ثقافة الجيل الجديد وأسهم في تخصيب دائرة الوعي في صفوف أوسع الجماهير.[24]

كان أول من حرض وحث الشعب ضد حكم الإمام. وله كثير من القصائد في ذلك. فنذكر فيما يلي بعض أبياته التحريضية. فهو يقول [25]:

يا شعب مزق كل طاغ وانتـزع = = عن سارقيـك مهـابة الأربـاب

وصمت الشعوب على الطغاة وعنفهم = = صمت الصواعق في بطون سحاب

فاحذر رجالا كالوحوش همومـهم = = سلب الحمى والفـخر بالأسـلاب

وكذلك ظل البردوني يقارع سلطة الإمام وأعوانه الذين لا يؤمنون بحقوق الشعب في العدل وكرامة العيش والحرية بهناء.

ولعل خير دليل على أن البردوني قد بذل جهودا جبارة في سبيل تحرير اليمن هو جرأته الصادقة التي قد واجه بها الإمام أحمد حميد الدين، فقد وجه البردوني خطابا ضده في يوم عيد جلوسه على العرش، فخاطب الإمام في ذلك العيد بقوله:

عيد الجلوس أعر بلادك مسمعا = = تسألك أين هناؤها؟ هل يوجد؟

تمضي وتأتي والبلاد وأهـلها = = في ناظريك كما عهدت وتعهد

إلى أن يقول:

للشعب يوم تستثير جـراحه = = فيه ويقذف بالوقود المرقـد

ولقد تـراه في السكينة إنما = = خلف السكينة غضبة وتمرد [26]

مؤلفاته:

كان للبردوني شغف كبير بقراءة الكتب قبل الثورة وبعدها، فهو كان يقرأ كل ما تقع عليه يده عندما يجد من يقرأ له، وقد أشار إلى هذا الجانب الدكتور المقالح قائلا:

"كنا نقرأ الكتاب الواحد عشرات المرات ونقرأ الديوان الواحد عشرات المرات أيضا، ومن تلك القراءات تكونت حصيلته عن المعارف التي تجلت أولا في شعره وثانيا في كتاباته النثرية".[27]

جمعت هذه القراءات المتنوعة بين القديم والجديد وبين السياسة والتاريخ والأدب وما إلى ذلك. وقد وهبه الله تبارك موهبة فائقة في الحفظ والذكاء. كما وصفه النقاد والصحفيون بـ "خزان الحكمة اليمانية" أو "إنترنت بشرى" [28]، فكتب البردوني عن الشعر والأدب والفكر والثقافة والتاريخ وغيرها من العلوم. وله اثنا عشر ديوانا وثمانية كتب ومئات مقالات في المجلات والصحف والإذاعة [29]. وتعد دواوين البردوني الاثني عشر نقدا عميقا لأوضاع المجتمع اليمني وفساد السلطة وظلمها وآفاتها آنذاك. (راجع قائمة بمؤلفاته في الهوامش).

وكان البردوني يعكف على تأليف كتاب عن اليمن الموحد بعنوان (الجمهورية اليمنية) حين أدركه الموت [30]. وكان قد انتخب رئيسا لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين عام 1970م في مؤتمره الأول، إذ كان من الأوائل الذين سعوا لتأسيس هذا الاتحاد [31]. وكان البردوني يكتب مقالة أسبوعية في صحيفة 26 سبتمبر، بعنوان "قضايا الفكر والأدب". كما كان يكتب في صحيفة الثورة بعنوان "شؤون ثقافية" وكذلك تم له نشر عديد من المقالات والمقابلات في الصحف والمجلات المحلية والعربية والقنوات الإذاعية والفضائية العربية والعالمية.

وفاته:

شارك البردوني في عديد من المحافل الأدبية والشعرية في مختلف البلدان، وكان يمثل اليمن في كل المحافل. ولكن في الأيام الأخيرة من حياته عجز البردوني عن السفر، فكانت آخر سفرياته إلى الأردن في عام 1998م، قبل عام تقريبا من وفاته.

وقد وافته المنية بعد عناء طويل مع المرض، فقد عصف المرض بصحته في السنوات العشر الأخيرة من حياته، وكان البردوني قد عانى عديدا من الأمراض في الأيام الأخيرة من حياته. في هذا الصدد تقول السيدة فتحية الجرافي، وهي الزوجة الثانية والأخيرة للشاعر البردوني: "قبل عشر سنوات سافر إلى روسيا، وأجرى الأستاذ الراحل فحوصات عديدة أثبتت أنه مصاب بسبعة وعشرين نوعا من الأمراض. منها: ضغط الدم، والربو، والسكر، والأملاح، والقلب وغيرها."[32]

وفي الساعة الحادية عشر من صباح الاثنين الموافق 31 أغسطس/آب عام 1999م توقف قلب الأديب والشاعر عن الخفقان بعد أن خلد اسمه كواحد من أعظم شعراء العربية في القرن العشرين. وكانت وفاة البردوني خسارة كبيرة للأدب العربي في اليمن وبقية الأقطار العربية [33].

= = =

الهوامش

[1] البردوني في أربعينيته، من إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، صنعاء، ص:119.

* = عرف البردوني نسبته إلى اسم بلدته "بردون" وقد ميز اسمه بتشديد الدال حتى لا ينسب خطأ إلى أتباع المفكر الاقتصادي الفرنسي بردون، الذي وصف من قبل الماركسية بـ "البرجوازي الصغير" لذلك يوصي عبد الله بهذا التشديد ذاكراً انتماءه إلى بردون ـ الحدا ذمار.

[2] هو الشاعر الشاب الحارث بن الفضل الشميري. دون ترجمة البردوني في الكتاب التوثيقي الصادر في أربعينة الشاعر. قال في استهلال الترجمة إنه استعان بالشاعر نفسه قبل شهر من وفاته.

[3] الأعمال الشعرية الكاملة ـ للبردوني ـ ج(1) ـ ص:5، 1986م.

[4] من المقدمة لديوان عبد الله البردوني، "الأعمال الشعرية الكاملة" مجلدين، ج1، ص:24، 25.

[5] المصدر السابق، ص:51.

[6] المصدر السابق، ص:337.

[7] ديوان "لعيني أم بلقيس" للبردوني، ص:11.

[8] حوارات صحفية مع علي المقري، مجلة العربي، العدد(504) نوفمبر 2000م.

[9] علي هود باعباد، التعليم في الجمهورية اليمنية، ماضيه، حاضره، مستقبله، ص:17-103.

[10] عبد الرحمن مراد، البردوني الشاعر والمفكر، ص:26. وأيضا البردوني في أربعينيته، ص:128.

[11] مكانة المدرسة الشمسية بذمار، للبردوني، صحيفة 26 سبتمبر، العدد (728) الخميس 14/ 11/ 1997م، ص:6.

[12] عام القنوط صحيفة (26 سبتمبر) ص:6.

[13] حوار صحفي أجراه معه الكاتب والشاعر علي المقري، مجلة العربي الكويتية، العدد (504) نوفمبر 2000.

[14] عبد الله البردوني، مقدمة"من أرض بلقيس"، ص:5.

[15] البردوني، الثقافة والثورة في اليمن، ص:413ـ وينظر أيضا إلى كتاب "البردوني في أربعينيته" صادر عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في سياق موضوع الدكتور وليد مشوح.

* = الغاية، هي نهاية دراسة اثني عشر عاما متواصلة، كان التعليم فيها يشمل القرآن والتفسير وعلم الكلام وعلم الصرف والنحو والأدب والشعر وعلم البلاغة.

[16] البردوني في أربعينيته، ص:12.

[17] البردوني، المواضي المستقبلية، صحيفة 26سبتمبر، العدد (793)، 26/2/1998، ص:6.

[18] الطالب الأستاذ، البردوني، صحيفة 26سبتمبر العدد (782) 4/12/1997م، ص:6.

[19] البردوني، حلقة من الذكريات الثقافية، صحيفة 26 سبتمبر العدد (725) 24/10/1996م، ص:6.

[20] عام القنوط، صحيفة 26 سبتمبر، ص:6.

[21] الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني، ص:566.

[22] الملحق الثقافي لصحيفة الثورة، العدد (12717)، يوم الاثنين، الموافق 6/9/1999م، ص:2.

[23] الملحق الثقافي لصحيفة الثورة، عدد خاص عن البردوني (13802)، أغسطس 2002.

[24] البردوني في أربعينيته، ص:91.

[25] الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني، ج1، ص:256، وراجع للتفصيل، ص:108،118، 192، 226، 236، 246، 257، 264.

[26] المصدر السابق، ص: 246-247.

[27] البردوني في أربعينيته، ص:173.

[28] المصدر السابق، ص:173.

[29] انظر لملحق رقم:2، من هذه الرسالة وقد أعاد نشر بعض مقالاته التي كتبها للإذاعة والصحف والمجلات ضمن كتابيه: "قضايا يمنية" و"أشتات".

[30] من مقدمة الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني التي كتبها (الجزء الأول)، الحارث بن الفضل الشميري، ص:26، 27.

[31] ديوان البردوني، ص: 51، و"البردوني في أربعينيته" ألفته مجموعة من الأدباء والكتاب، ص:10.

[32] البردوني في أربعينيته، محطات هامة في حياة البردوني، لزوجته فتحية الجرافي، في حوار مع عايدة عبد الحميد، ص:155.

[33] راجع للتفصيل، كتاب البردوني في أربعينيته، ردود أفعال على وفاته.

دواوين البردوني

1ـ من أرض بلقيس، قام بنشره المجلس الأعلى للآداب والفنون، القاهرة، 1961م.

2ـ في طريق الفجر، بيروت، 1967م.

3ـ مدينة الغد، بيروت، 1970م.

4ـ لعيني أم بلقيس، بغداد، 1972م.

5ـ السفر إلى الأيام الحضر، مطبعة العلم، دمشق، 1977م.

6ـ وجوه دخانية في مرايا الليل، بيروت، 1977م.

7ـ زمان بلا نوعية ، مطبعة العلم، دمشق، 1979م.

8ـ ترجمة رملية لأعراس الغبار ، مطبعة الكاتب العربي، دمشق،1981م.

9ـ كائنات الشوق الآخر، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1987م.

10ـ رواغ المصابيح، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1989م.

11ـ جواب العصور، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1991م.

12ـ رجعة الحكيم ابن زايد، دار الحداثة، بيروت، 1994م.

وله تحت الطبع ديوانان هما:

1ـ رحلة من شاب قرناها.

2ـ العشق على مرافئ القمر.

أعماله النثرية:

1ـ رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، دار العودة، بيروت، 1982م.

2ـ قضايا يمنية، دار الحداثة، بيروت، ط2، 1988م.

3ـ فنون الأدب الشعبي في اليمن، دار الحداثة، بيروت، ط2، 1988م.

4ـ اليمن الجمهوري، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1983م.

5ـ الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية، دار المأمون، القاهرة، 1988م.

6ـ الثقافة والثورة في اليمن، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1991م.

7ـ من أول قصيدة إلى آخر طلقة "دراسة في شعر الزبيري وحياته" دار الحداثة، بيروت، 1993م.

8ـ أشتات، 1995م.

أعماله المترجمة:

1ـ عشرون قصيدة مختارة مترجمة إلى الإنجليزية في جامعة انديانا في أمريكا.

2ـ ديوان مدينة الغد، مترجم إلى الفرنسية.

3ـ الثقافة الشعبية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

4ـ كتاب اليمن الجمهوري، مترجم إلى اللغة الفرنسية.

5ـ كتاب "الخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج" هو محاضرات باللغة العربية لطلاب الجزيرة والخليج العربي، مترجم إلى اللغة الفرنسية.

الأعمال والمناصب التي اشتغل بها في حياته:

بعد أن حصل على إجازة من دار العلوم في الشرعية والتفوق في اللغوي التحق البردوني بالسلك التدريس لكي يتقاضي مرتبا رمزيا كخريج وبعد ذلك:

= عين مدرسا للأدب العربي في دار العلوم عام 1953م.

= عمل وكيلا للشريعة كـ"محام" وكان يترافع في قضايا النساء ويظل عليه "وكيل المطلقات" من عام 1954م ـ 1956م.

= شغل منصب رئيس لجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم مديرا للبرامج في نفس الإذاعة إلى عام 1405هـ /1980م.

= كان يكتب في برنامجه الإذاعي الشهير "مجلة الفكر والأدب وظل مستمرا في هذا العمل حتى تاريخ وفاته.

= عين مديرا لإذاعة صنعاء فعمل مشرفا ثقافيا على "مجلة الجيش" من 1389هـ/ 1969م إلى 1395هـ/1975م.

= انتخب رئيسا لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين عام 1970م في مؤتمره الأول، إذ كان من الأوائل الذين سعوا لتأسيس هذا الاتحاد.

الجوائز التي حصل عليها:

= جائزة أبي تمام بالموصل في القاهرة عام 1391هـ الموافق 1971م.

= جائزة الأمم المتحدة "اليونسكو" عملة فضية عليها صورة الأديب البردوني في عام 1982م كمعوق تجاوز العجز.

= جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن 1404هـ/1984م.

= جائزة وسام الأدب والفنون في صنعاء عام 1982م.

= جائزة سلطان العويس بالإمارات 1414هـ/ 1993م.

= جائزة شوقي وحافظ بالقاهرة عام 1401هـ الموافق 1981م.

D 1 أيار (مايو) 2010     A عبد الله محمد مسلم     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لو أنه لعق يده

2.  ملتقي يحتفي بعبد الرحمن الحاج صالح

3.  لأنها هي الأنثى

4.  أنت لا تقرأ

5.  القدس: بكيت حتى انتهت الدموع


القائمة البريدية