أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 50: 2010/08 » الغربة والاغتراب في أدب يوسف القعيد

سمية الشوابكة - الأردن

الغربة والاغتراب في أدب يوسف القعيد


يوسف القعيد: روائي وقاص مصري. ولد في قرية الضهريّة (محافظة البحيرة) عام 1944. له أكثر من عشرين عملا روائيا، منها: الحداد (1969)، أخبار عزبة المنيسي (1971)، أيام الجفاف (1974)، البيات الشتوي (1974)، يحدث في مصر الآن (1977)، الحرب في بر مصر (1978).

.

سمية الشوابكةتحت وطأة التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده مجتمع ما، وأمام الإجراءات الرسميّة التي تحد من حريّة الفكر والرأي والإرادة تصبح الحياة صعبة والعيش أصعب ولهذا يفكر الكل بالمخرج أو المهرب من سوء الحال وضيقه فيكون البعد والاغتراب.

وتتعدد أشكال البعد وتتنوع مظاهر الهجرة، فقد يشعر الفرد بالغربة وهو في وطنه وبين ناسه، وقد يحس بالحنين لدياره التي تخلى عنها في زمن الشدة فيعود إليها بعد أن ذاق مرارة الشوق والحنين وشعر بالغربة شعورا أكبر لأنها لم تعد دياره التي عرفها، لقد تغيرت كثيرا عما كانت عليه، فلا الديار دياره، ولا الناس أهله، وقد يتعلق الفرد ولا سيّما البائس المعدم بالأحلام الوردية، ويعلق عليها آماله العريضة ليصحو من حلمه الجميل على واقع مرير فتزيد غربته غربـة، وأحزانه أحزانا.

يوسف القعيدويصوّر القعيد هموم المغترب، ومتاعب الهجرة ونتائجها على الفرد والمجتمع معا في أكثر من عمل روائي، فـ القلوب البيضاء وبلد المحبوب، ووجع البعاد روايات تقطر أسى وغربة. وجراح خضر مازال البعد يضنيها ويلوعها. وأيام الجفاف، والبيات الشتوي روايات الأحلام الورديّة في زمن الحلم الضائع المعلق في سماء الوهم الخادع.

فالفرد يشعر بالغربة والضياع عندما تقتله الوحدة، ويسحقه الفراغ، ويعجز عن إقامة جسور الألفة والمودة مع الناس، ويحس باليأس والقنوط والملل وهو يرى الأيام تسير ببطء في دورتها الاعتيادية دون أن يكون ثمة ما يغيّر هذا التكرار الممل.

أيام الجفاف

خلف الله البرتاوي بطل أيام الجفاف يشعر بضعفه وعجزه حيال كل ما يدور حوله في الرزيمات، القرية التي عيّن فيها مدرسا في مدرسة الرزيمات الابتدائية التابعة لحوش عيسى، وهي المدرسة نفسها التي عيّن فيها القعيد بعد تخرجه من معهد المعلمين، وقضى فيها عامين استوحى منهما أحداث روايته، أيام الجفاف [1]. فخلف الله البرتاوي شخص ضعيف، غير اجتماعي، لا يحسن إقامة علاقات طيبة وودودة مع غيره من أهل الرزيمات وذلك بسبب نشأته الأسرية فهو يقول: "فشلت في إقامة علاقة واحدة مع أي فرد هنا، وذلك لأني لا أجيد التعبير عن نفسي بالكلمات، وبطيء جدا في إقامة أي علاقات مع الآخرين" [2].

ويذكر في الهامش أنّ هذا يرجع إلى ارتباطه بأمه في طريقة فهمه للعالم، إذ أفهمته أمه منذ أيام الطفولة الأولى أنّ كل الناس أشرار، حسّاد يسرقون الكحل من العين عدا أسرته طبعا. ولهذا فإنه يشعر أمام الآخرين أيا كانوا بالخجل والاضطراب والحرج، فيؤثر الصمت على الكلام حتى إذا طلب منه التحدث أو المشاركة في الكلام أخذ في البحث عن الكلمات المناسبة حتى يستشعر الآخرون مدى فراغه، فيتركونه وينصرفون عنه. وهو ثقيل الظل في نظر الآخرين، ضيق الأفق لا يكاد يعرف شيئا عن حياة الفلاّح أو السياسة، ولهذا يفشل في التواصل مع غيره من الناس في القرية الصغيرة فيؤثر التقوقع على نفسه والحديث معها إذ يقول:

أصبح الآن من أهم عاداتي أن أحدث نفسي كثيرا، وحديث النفس حالة لا يقع فيها إلاّ من خلا عالمه من كل شيء تقريبا، ولم يبق له سوى نفسه، وفي كلّ حديث كنت أشرح أحداث اليوم المنصرم أحلم، أتمنى بل أنتقم، وأعيد في هدأة الليل تنظيم يومي من جديد وأحذف وأعدل كي تستوي كل الأمور [3].

ومع الحديث مع نفسه يفقد القدرة على الإحساس بالحياة لأن ما يحدث اليوم هو ما يحدث بالأمس وما سيحدث في الغد وبعد الغد،

الناس في الرزيمات يعيشون ويموتون، وتمضي بهم الحياة بطيئة مع الدورات العادية للفصول، وقد تحدث تغيرات كثيرة في العالم، وتصل إليهم من الراديو أو من أفواه الذين يسافرون كثيرا، إلاّ أنهم لا يشعرون بهذه التغيرات إلاّ ببطء شديد لدرجة أنه مهما حدث في العالم، فإن كل شيء يتكسّر على الجدار الخارجي لحياتهم [4].

ويفكر البرتاوي بعد أن خلا عمله من رائحة الدفء اليومي، وران عليه الصمت الزاخر بالمرارة والانكسار، الناتج عن الإحساس بالهدوء، وبعد طلب أمه منه تقليل رسائله إليهم التي يكتبها يوميا، ويسجل فيها ما عرفه أو سمعه أو شاهده في القرية من أشياء، في مراسلة الفتيات من هاويات المراسلة التي نقل أسماءهن وعناوينهن من إحدى المجلات، ولما لم يأته الرد على رسائله الكثيرة التي بعثها أخذ يراسل نفسه، ويكتب لها خطابات موقّعة بأسماء فتيات يمنين أنفسهن بوصاله، ويصفن شغفهن به وحبّهن له ومدى إعجابهن برجولته.

وأصبحت كتابة الرسائل لعبته وأكذوبته التي أوهم نفسه بها، صدّقها وحاول إقناع الآخرين بها، ومشاهدة ردود أفعالهم حيالها، فهو يقول:

الأشياء التي بدأت كنوع من اللعب والتسلية أصبحت الآن قيدا ثقيلا على نفسي، فالرسائل أصبحت جزءا من واقعي اليومي رغم أنها بدأت أكذوبة، أصبحت أعيد تكوين يومي، ثرثرة حياتي، ما يحدث في العزبة بحيث يوافق في نهاية الأمر ما اكتبه لنفسي [5].

وعندما تتحول اللعبة إلى قيد تصبح الحياة قاسية بطيئة، إذ تمضي اللحظات مشحونة بالقلق والانتظار، انتظار الحظ السعيد الذي ستأتي به الأيام، غير أن الأيام لا تأتي إلاّ باليأس، وشيئا فشيئا تذوي الأماني في النفوس، وتموت الأحلام، وتدفن في حبة القلب، فالبرتاوي يجر حياته ببطء بعد أن تاهت ملامح الأشياء، ينتظر ما سيجيئ به الربيع من معجزات رغم تأكده أنه لن يرى الربيع القادم أبدا فهو يقول في ختام روايته:

ها أنذا الآن خلف الله البرتاوي خلف الله، أجرّ الحياة جرا بطيئا أعيش في وضح النهارات، وعند المساء وساعة حلول الفجر الرمادي الموحش، وفي ضوء القمر الشتوي المبتور الوجه، وتحت أشعة النجوم الهادئة المبعثرة على صفحة الليل، في انتظار حدوث المعجزة مع مجيء الربيع القادم، حقيقةّ أنا حزين، وكل شيء حولي هنا في الرزيمات لا يجعلني آمل في شيء ما البتة، غير أن الناس القدماء أكدوا لي من قبل أن هناك أياما سعيدة قد تأتي مع الأيام القادمة بعد هذا الشتاء الطويل، لكن كل شيء يؤكد لي أنني لن أرى الربيع القادم بعينيّ هاتين أبدا [6].

وأرى أنّ البرتاوي بطل أيام الجفاف قد ترك أوراق عمره للجفاف، وحكم على نفسه بالضياع والغربة منذ أن أدرك عدم قدرته على التواصل مع الرزيمات وأهلها، وآثر الصمت والتقوقع على الذات الذي لم يورثه إلاّ الهوس، والانفصال الجنوني الذي يمنّي صاحبه بالحلم الوردي، ويدفعه إلى الانسحاق النفسي الرهيب. فقد كان بإمكان البرتاوي وبكل بساطة أن يهجر القرية التي ملّ صمتها وسكونها ودورة أيامها الرتيبة، ويعود إلى مدينته المنصورة التي تفيض حياة وحيوية، ولا سيما بعد ذهابه إلى دمنهور ومقابلته للمدير العام الذي خيّره بين النقل إلى بلدته المنصورة أو البقاء في الرزيمات تحقيقا لمصلحته ومراعاة لمستقبله، إذ سيصدر قرار وزاري في العام القادم بتعينه ناظرا بصفة رسمية، وبناء على ذلك سيصرف له بدل تمثيل، وسيمنح درجة بشكل استثنائي، وعندئذ يختار البرتاوي البقاء في الرزيمات وحيدا غريبا تأكله الوحدة، وينهشه الفراغ، وتلعب بأعصابه رياح الغربة، فقد أضاع نفسه من اجل الترقية التي هي حلم لم يتحقق بعد فهو يقول: "أربعة أعوام كاملة مرّت، ضاعت مني خلالها الفرصة الوحيدة للخلاص من هذه الغربة، وبعد ضياع هذه الفرصة ضاع كل شيء" [7]. ويقول في موضع آخر:

والواقع أن الوحدة أو العزلة حالة غريبة، لا يشعر الإنسان فيها بأي شيء ولا حتى بالألم، ولا ينتظر الإنسان سوى النهاية، نهاية وحدته وعزلته... وكلما أمعنت النهاية في بعدها عمّق ذلك إحساسنا بها وانتظارنا لها وتقربنا لحدوثها [8].

والحقيقة أنّ الظروف التي جعلت انتقال خلف الله البرتاوي من محافظة الدقهلية إلى محافظة البحيرة، والمحافظتان من محافظات الوجه البحري مأساة كبيرة أوصلت البطل إلى الجنون "ظروف لا تؤدي بالضرورة أو الاحتمال المرجح إلى المرض النفسي الذي يصل بالمدرس إلى معايشة الوهم بدلا من الحقيقة، فهذا القصر في تلك القرية، والعمل الذي يمارسه، والخدمة الميسّرة التي أتيحت له كان لا بد من أن تتغلب على دواعي الانسحاب من الحياة الاجتماعيّة إلى الحدود المرضية" [9].

وتذكرنا تجربة بطل أيام الجفاف بتجربة "البوسطجي" في قصة يحيى حقي [10]، فالبطل في القصتين هو ابن المدينة الذي تدفعه ظروفه للعمل في القرية حيث يعاني هناك الوحدة والفراغ والملل والشعور بالغربة والضياع فيجنح لاصطياد ما يبدد الملل: البرتاوي يكتب الرسائل ويبعثها لنفسه، والبوسطجي يفتح رسائل الآخرين ويعرف أسرارهم هروبا من وحدته وعزلته، "إلاّ أنّ نتيجة الفعل في البوسطجي تنعكس على القرية بأكملها وتتسبب في القتل، بينما النتيجة في أيام الجفاف تنعكس على البطل وحده" [11].

البيات الشتوي

وفي البيات الشتوي تصبح الغربة أقسى وأمر عندما يضع الناس البسطاء أحلامهم في سحابة يكون مصيرها الزوال، ويحلّقون في سماء الحلم الجميل رغبة في وضع أفضل وحياة جديدة. ويشي عنوان الرواية بالكسل والفتور الإنساني ليس بسبب قسوة الطقس الشتوي فحسب بل بسبب الفقر والجهل والتخلف وانعدام القدرة على التغيير.

وتدور أحداث الرواية في قرية السوالم القريبة من قرية الضهرية وعزبة المنيسي بعد وصول البعثة العلمية برئاسة المهندس عصمت فهمي النجعاوي

التي أكدّت وجود بئر بترولية في السوالم حيث تتعلق القرية وأهلها بالحلم النفطي الذي سيقلب حياتهم رأسا على عقب ويصبح المهندس وبعثته والبئر البترولية، والحياة الجديدة والأماني والوعود موضوع اهتمام الناس، فالناس تنظر للأمر بدهشة ويحاول كل منهم حساب الأمور في ذهنه كي يتوصل إلى رأي فيما يحدث، وبمجرد أن يخدش شكل الحياة في السوالم حادث ما، وينفذ إلى حياة الناس حتى تتباين وجهات نظرهم إليه، يأتي المساء، ويجتمعون على المصاطب أو على الجسر الكبير، أو في باحة المسجد، ويتناقشون في الأمر، يقولون كلمات بسيطة تخرج من الأفواه مطحونة، متآكلة الحروف، يدلي كل منهم برأيه ولا يتفقون على أمر ما في النهاية [12].

كانت حكاية البترول والخير الذي ينتظره الجميع، أحلاما لم يكن هناك من يحلم بها، أقصى ما كان يحلم به أحدهم هو أن يكون حسابه في الجمعية التعاونية في آخر العام بالعدل، وأن يبقى له من ثمن المحصول ما يكسو به الأولاد، أو ان يمتد دور المياه يوما واحدا، أو أن ينجح ابنه، الذي يتعلم في مدرسة المركز، أو أن تلد جاموسته عجلين في بطن واحد [13].

JPEG - 11.6 كيلوبايت
غلاف: يوسف القعيد

هذه كانت أقصى أحلامهم التي يتمنون حصولها قبل وصول البعثة إلى قريتهم، أما بعد وصول البعثة ومباشرتها بالحفر، فأصبحوا يحلمون بشكل آخر للحياة، يحلمون بالمسكن النظيف، والتأمين الصحي، والشوارع الواسعة والمساكن الشعبية، ودور السينما، والملاهي والشوارع المضاءة، والمقاهي المزدحمة بالرجال والسيارات والنساء الرائعة، والمحلات المزدحمة، والعمارات العالية، والأشجار المطلية بألوان زاهية، والنقود الكثيرة في الأيادي، يحلمون بالأيام القادمة التي تحمل لهم الخير والتي عليهم الاستعداد لها منذ الآن.

وربما كان فقرهم وجوعهم ومرّ عيشهم، هو الذي دفعهم إلى التعلّق بالأحلام النفطية "ففي السوالم أغنياء قليلون، وفقراء كثيرون، ظالمون ومظلومون، رجال يملكون مساحات من الأرض، ورؤوسا من الماشية وبيوتا نظيفة، ورجال لا يملكون سوى أجسادهم وقلوبهم الفارغة" [14].

ومع هذا كله هم فقراء قانعون، راضون بما قسم الله لهم، فالغنى والفقر قدر مكتوب من الله لا يملكون الاعتراض عليه، يؤكد هذا ما يقوله فتحي سالم لحب الدين سرحان:

الغني غني والفقير فقير، اتولدنا كده، دي حكمة ربنا، عايز تغيّر الكون، تعيد تنظيم الدنيا ... فيه في السماء رب، وفي مصر أولو الأمر اللي الدولة شايفاه بتعمله، الواحد منا ينام ويحط في بطنه بطيخة صيفي، اللي يعملوه في مصر صح، لازم يكون صح، هو كدا صح من غير مناقشة، وإحنا نفهم إيه وانت تفهم إيه، اللي هناك حكام ودا شغلهم [15].

ونلحظ فيما سبق استخدام الدين كعنصر قوي التأثير في نفوس الناس لتسويغ الفوارق الطبقية، التي طالبت الثورة الناصريّة بتذويبها، عن طريق التوزيع العادل لوسائل الإنتاج، وتظهر في النص إشارات غنيّة الدلالة على انفراد أولي الأمر بالحكم في شؤون الشعب في عقد الستينات الذي نادى بالحريّة والعدالة والمساواة.

وقرية السوالم قرية متخلفة جاهلة، يسودها التخلف والجهل، والفقر والقهر، وهي لذلك تبدو قرية معزولة عن العالم لا تهتم بمعرفة ما يدور حولها من أحداث، ولا تشغل نفسها بالتفكير في الهموم السياسيّة، فالمهندس عصمت فهمي النجعاوي يقول مؤكدا حقيقة ما ذهبنا إليه:

أتساءل: هل لهؤلاء الناس رأي فيما يحدث، وعندما استمع إلى أخبار العالم من الراديو في آخر الليل: "القاهرة تحييّكم، إعفاء نيكيتا خرشوف من جميع مناصبه، انهيار الحكم العسكري الرجعي في السودان، الصين تفجر قنبلتها الذرية الأولى، قرض من الاتحاد السوفيتي ... أدرك لحظ سماعي لهذه الأخبار إنّ ذلك يحدث في عالم آخـر، كوكب شقيق لنا، الناس معزولون عن كل ما يحدث، وأن سمع أحدهم ما يحدث وعرفه بالصدفة، فإنّه يفتح عينيه اللتين بلا رموش ويتوقف في مكانه، يفتح فمه يقول: "ياه كل ده يحصل في الدنيا، يا أخي دي الدنيا واسعة" ثم يمضي في طريقه كأنّ الأمر لا يعنيه [16].

ولهذا فإن الحلم النفطي الذي يرسمونه في حبات قلوبهم، ويغمسون عيونهم في أمانيه ووعوده الوردية سيكون طريقهم لبدء حياة جديدة ينظرون إلى العالم من خلالها، ويحاولون التغيير الأحسن والأفضل، ولكن ما جدوى الأحلام إن لم تجد واقعاّ صلبا يسندها، ويجعل منها حقائق مرئية للناظرين كلهم؟ فالسوالم التي حلمت بالثراء الذي سينشلها من هوّة الصمت المرير، والواقع المتخلّف صُدمت بحلمها الخادع، عندما قررت اللجنة تأجيل المشروع إلى سنوات قادمة؛ لأن كميات البترول الموجودة في البئر التي تم حفرها في أرض ورداني كميات غير تجارية لا تغطي نفقات الحفر والاستخراج والتكرير. وهكذا تتبخر الأحلام الوردية، وتتلاشى صور الحياة الجديدة التي رسمها أهل السوالم، وتتوه معالمها؛ ليعودوا من جديد إلى ما كانوا عليه من الفقر والجوع الذي سيدفعهم إلى التفكير في الخلاص الذي لن يجدوه في اعتقادهم إلاّ بالسفر.

الرجال في السوالم يجلسون في صحن الجامع، يحكون حكايا مبللة بالوجد عن أيام حلمهم التي ضاعت ولن تعود:

يتذكرون الأحياء، الذين أقعدهم المرض في بيوتهم، يتأملون حياتهم، إنّهم قضوها يجرون، يلهثون، يكرهون بعضهم ويتعاركون على دور المياه والري والمحصول، يكتبون الشكاوى في السر لأولياء الله وأولي الأمر في البندر، غير أنّهم يدركون الآن أنهم جميعا مجبرون على السفر بمفردهم في آخر الأمر إلى جهة غير معلومة [17].

ولنا أن تساءل لماذا هم متأكدون من أن خلاصهم هو السفر؟ أليس جديرا بهم أن يتحرروا من هذا البيات الذي يلفهم ويعيقهم عن الحركة والانطلاق، ويسيروا بخطوات ثابتة نحو أملهم الذي يحلمون به، بالعمل الجاد، والعلم النافع بدل الجلوس للأحلام التي شغلتهم عن واقعهم وعملهم، وأدت بهم إلى اليأس والقنوط والكآبة؟ ويبدو أن أهل السوالم قد أدركوا أن الأحلام وحدها لا تكفي لبدء حياة جديدة، وأن زمن المعجزات قد انقضى وان زمن الفعل قد بدأ لأنهم أبصروا حقيقة ما كانوا فيه، وما يجب عمله الآن بعد أن تاهوا طويلا. فحب الدين سرحان يعترف أن حكاية البترول كانت مجرد حلم لم يسمن أو يغني من جوع إذا لم يجد إرادة قوية، وعزيمة جادة لتحقيقه فهو يقول:

الحكاية كانت حلم، إحنا كنا مغفلين، كنا مساكين، انتوا عارفين يا جماعة، كل واحد فينا كان عامل زي الغرقان، زي ليه، كان غرقان بالفعل، لقينا قشة، قشاية صغيرة قطعناها بأيدينا وأسناننا، كل واحد فينا خد حتة صغيرة وقال لنفسه: خلاص الأشيا بقت معدن، وسبحنا، كنّا عارفين إن الواحد منا لو طال الثاني يغرقه، انتوا طبعا عارفين إيه اللي حصل بعد كدا، اكتشفنا فجأة إن اللي في أيدينا مش قشة ولا حاجة، كلّ اللي حصل إننا قعدنا كدا، ومفيش حد فينا مصدّق، نسنا إن إحنا غرقانين نضحك ونبكي، وبعد كدا قعدنا ننتظر معجزة تحصل لنا [18].

إنّ المعجزة لن تكون إلاّ بالفعل الذي تتحقق عن طريقه كل الأماني والأهداف، وإلاّ سيكون الحلم غربة ما بعدها غربة؛ لأن قمة التعاسة والشقاء الاستسلام للوهم والخيال والأحلام، والعيش في الخيالات التي تعطّل إرادة الفعل وفعل الإرادة.

بلد المحبوب

وتبكي روايات القعيد الأخرى الوطن الذي تخلى عنه ساكنوه في وقت الشدة والأزمات، والإنسان الذي تخلّت الديار عنه، وأدارت له ظهرها، ونسيت فضله في زمن الرخاء، والمغترب الذي تعلّق بالوهم فهاجر بحثا عن المستقبل الزاهر، فأضاع ماضيه وحاضره ومستقبله، وجرّ الوبال على أهله وناسه، ولم يحصد من الغربة إلاّ الويلات والحسرات إذ تحكي رواية بلد المحبوب قصة العاشق الذي ترك محبوبته والنيل قرابة عشر سنوات ليعود إلى مصر، بلد المحبوب، وكلّه شوق لرؤية مدينته التي حملها في وجدانه وضميره في سنوات الحل والترحال، ومحبوبته التي أحبها وتاق لرؤيتها والحديث معها عن أحلامه وأمانيه، والنيل الذي وعده وهو في ديار الغربة أن يفيض على البلاد لأول مرة منذ سنين إن عاد الغائب إلى أرضه ووطنه، ومنذ وصول العائد أرض المطار، وهو يشعر أن كلّ ما ألفه في مدينته من قبل قد تغيّر واختلف الآن، فمدينته التي تركها قبل سنوات، تغيرت كثيرا عما كانت عليه:

أسماء الشوارع تغيرت، مبان خرجت إلى الوجود وأخرى اختفت، ومعالم تاهت، وأخرى تحاول فرض نفسها، ميادين جديدة، زحام البشر، الكل يلهث ويجري، لم تكن هكذا أبدا عندما سافرت منها، من قال إنّ الأوطان تبقى على حالها، من قال؟ [19].

هكذا يتساءل العائد وهو في سيارة الأجرة يشرب المرئيات بعينه، وينظر بدهشة للمتغيرات التي حصلت في غيابه.

والنيل الذي جاء إلى العائد في الليل، يعده بأنه سيفيض على البلاد إن عاد من غربته وترحاله يجده العاشق العائد مخنوقا مسجونا قد أصابه العقم والجدب والجفاف، فالنيل الذي كان سر العشاق في الليل، ووسيلة سفر أبناء أيوب من المصريين كما يقول صديق العائد:

سجين، محبوس لا يتمكن حتى من أن يغسل نفسه، لم يعد هو المسافر في الزمان أبدا، وشعراء زماننا لا يغنون له، ولم يعد هو الذي يهب الحياة؛ لأنّ الحياة تأتي لنا من العواصم الأخرى من البلاد البعيدة، عبر المطارات والموانئ، ومن خلال الجمارك [20].

أمّا المحبوبة التي لم تغب عن ذهن حبيبها المغترب في سنوات حله وترحاله، فقد تزوجت وتعيش مع زوجها مهندس الريّ وأولادها في مدينة تنام في حضن ثلاثة أنهار كما يقول صديق العائد.

ومن هنا تبدأ رحلة العاشق الذي ترك النيل والحبيبة عشر سنين للبحث عن المحبوبة التي هجرها، فتزوجت من غيره، وعاشت معه، ليلتقي معها في أحضان النيل، فيجدها تنتظره في الفيلا بعد وصوله إليها، وهناك تخبره أنّها انتظرته طويلا، وأنّها تزوجت من مهندس الريّ بعد طول انتظارها ويأسها من عودته إلى البلاد، وأنها رُزقت ولدا سمّته باسمه وابنة سمّتها باسمها هي، وهروبا من الموقف الذي أصبح أمام العائد حقيقة لا شك فيها، ورغبة في الخروج من المكان يطلب العائد العاشق من الحبيبة ركوب القارب، والخروج في رحلة نيليّة بعض الوقت، وتوافق المحبوبة لأنّ من يرفض طلب المحبوب لا يكون عاشقا، ويخرجان ويتجاذبان أطراف الكلام يقول فتستمع له، وتقول فيستمع لها إلى أن يصبح الصمت أكثر دلالة من الكلمات، فتمضي رحلتهما النيلية على متن القارب إلى أن تنتهي باختلال توازن المحبوبة بعد أن مالت على جانب القارب لتشرب من مياه النيل، وسقوطها في النهر وغرقها، ولم يحاول العاشق إنقاذها أو النزول وراءها؛ لأنّه لا يعرف السباحة ومحبوبته "تعيش وسط الماء منذ سنوات، ومن المؤكد أنها سبّاحة ماهرة، وستخرج من الماء مغسولة مثلما تخرج الجنيّات وبنات الحور لكي تخاوي البني آدميين من سكان الأرض" [21].

ولكن مع مرور الوقت، يشعر الحبيب بالخوف على محبوبته، ويتأكد من فقده لها بعد أن نظر في الماء جيدا، ولم يجد لها أي أثر، لقد أيقن من موت المحبوبة وغرقها لأنّ محبوبه النيل غدر به، وأخذ محبوبته منه، لقد اختارها عروسا له بعد أن بخل الناس عليه بتقديم الجميلات من الفتيات، فالعائد المذهول يقول:

كنت تائها ولكنني كنت متأكدا وسط حالة التوهان هذه من أمر واحد، وهو أنّ محبوبي النيل قد خدعني، وعدّته ووفيت بوعدي، عدّت جريا ولم يف بوعده لي، أخذ مني محبو بتي، يبدو أنّ ما يحكونه عن عروس النيل حقيقة، وأنّ احتياجه لعروس كل عام أمر مؤكد، والفارق أنّهم كانوا يحضرون له العروس من قبل في احتفال ضخم، ولكن الذي يحدث الآن أنّه هو الذي يبحث عن العروس ويختارها، ويأخذها لنفسه عن طريق اسم جديد هو الغرق [22].

ويقرر العائد بعد ذلك الذهاب إلى مركز الشرطة للتبليغ عن حادثة غرق محبوبته، وهناك تكون المفاجأة التي تصيبه بحالة من الذهول، إذ يُقال له: إنّ المرأة زوجة مهندس الريّ التي يتحدّث عنها قد غرقت منذ سنوات، وبالطريقة نفسها التي حصلت مع العائد وفق ما تؤكّده المحاضر، والأوراق الرسمية، وأن هذه المرأة لم تنجب أبدا. ولكن وأمام إصرار العائد على أقواله وعدم تصديقه ما قيل له في مركز الشرطة يتم تحويله إلى الكشف الطبي لتقرير مدى سلامة قواه العقلية، وفي النهاية يمضي العائد إلى مستشفى الأمراض العقلية ولسان حاله يردد: "لا بد من لقاء محبوبتي، ولا مفر من فيضان النيل" [23].

وفي كلامه هذا رؤية تفاؤلية جادة تؤمن أنّ الغد الآتي سيكون بلا شك أفضل مما هو عليه الحاضر، إذ "لو فاض النهر لأبصر الأعمى، وسمع الأصـم، ونطق الأخرس، وأنجبت العاقر، ولضاقت المسافة بين الذين يموتون من الجوع، والذين يموتون من التخمة، ولتطهر النهر، واغتسل البر كله، وانتهى الدنس من أرض الوادي" [24].

وفي رأي الناقد أحمد الزعبي فإن رواية بلد المحبوب: "تعميق لرؤية الكاتب عن أزمة التغيرات والتحولات التي تجتاح المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع المصري بشكل خاص في عصر السرعة، وعصر تراجع القيم وانهيار العلاقات الإنسانية في مقابل التقدم التكنولوجي، وسيطرة القوى المادية على العلاقات الاجتماعيّة بعامة" [25].

وتثير الرواية إشكالية الغربة والاغتراب عندما أصبح السفر مرض العصر، الكلّ يسافر ويهاجر تاركا أهله وبلده مؤثرا السلامة والأنانيّة الفرديّة على مواجهة الواقع، والتّكيّف مع ظروفه، فالأيام جاءت تحمل مرض البعد والارتحال. سافر واحد فأصابت الآخرين عدوى المرض الجديد الذي اسمه الرحيل والارتحال رغم إدراكهم أن الرحيل يعني الغربة، ومن يشد الرّحال مفقود، ومن تكتب له العودة مولود على رأي أم العائد، فالعائد يتذكر ما كانت تقوله أمه عن الغربة والاغتراب في صغره فيقول:

كانت أمي تقول الغربة تربة، وكان الاغتراب يتساوى في نظرنا مع الحياة في القبر، ولكن الثوابت ضاعت، وأتى زمن المتغيّرات، أصبحت المتغيّرات ثوابت، والثّوابت متغيّرات، رحلنا حتى قبل أن نحقق بعض الأحلام البسيطة والساذجة لوالدينا [26].

وتثير الرواية أيضا ما سميّ، بـ "إشكالية المرابطين في مصر" [27]. هؤلاء الذين آثروا البقاء في الوطن رغم جراحه وأزماته، ولم يحاولوا الهروب والبحث عن الخلاص الفردي بعكس أولئك الذين رأوا أنّ الحكمة تقتضي الرحيل والاغتراب مؤثرين السلامة الفردية على مصلحة الوطن الذي هو في حاجة ماسة لأبنائه من المخلصين الذين ينهضون بالعبء رغبة في إعادة البناء والتعمير.

والرواية تعبّر عن هذا في موقف صديق العائد الذي هاجم بشدة أولئك الذين سافروا وتخلوا عن الوطن وقت الشدة، وعادوا إليه بعد أن ضمّدت جراحه، وتغيرت أحواله إلى الأحسن، إذ يهاجمهم قائلا:

عادوا لكي يشاركوننا في رضاعة ما تبقى من لبن الأم التي أصبحت عجوزا بعد أن سافروا، وهربوا من مواجهة الأوقات العصيبة، وعندما عادوا انقضوا على البلاد، نزلوا بالبارشوتات لكي يزاحموا من بقوا في البلاد، عادوا لكي يحصدوا أرضا لم يزرعوها، ويستولوا على ثمار زرع لم يروونه، وفي كلا الحالين كانت ظروفهم أحسن [28].

بهذه الحدة استقبل صديق العائد الذي تزوج هموم الوطن، وآثر البقاء في وطنه وبين أهله، ورفض إغراءات السفر، وقرر التكيّف مع أوضاعه والعيش في حدود ما يكسبه من عمله، العائدين من السفر بعد أن نعموا بالحياة خارج حدود الوطن الذي نسوه في أيام محنه الصعبة، وقرروا هجره والبحث عن بديل غيره، والعودة إليه بعد انفراج أحواله وصلاحها.

هذا وترصد الرواية بعضا من التغيرات والتحوّلات التي طرأت على مصر العربية في السبعينات عندما أصبح "المطلوب "لهف" المال بأي وسيلة، والعودة بسرعة، والإنفاق بنفس السرعة" [29]، والشغل الشاغل هو بناء العمارات العالية، والكباريهات والنوادي الليليّة، وتنفيذ الإعلانات التجاريّة التي تملأ الصحف وشاشات التلفاز واللافتات.

لقد أصبح المجتمع مجتمعا استهلاكيا وأد التوجه التنموي، وأجهض الصناعات الوطنيّة لتغرق البلاد في المنتجات الاستهلاكيّة المستوردة، حتى غدا الحديث عن الوطن حديثا فاترا باردا يخلو من العاطفة الصادقة، والحماسة المثيرة، فالعائد الذي خرج يتذوق المرئيات في مدينته الجديدة، ويتساءل: متى حدث هذا كله؟ لا تعجبه نبرة كلام الجالسين حوله، فهو يقول:

لاحظت أنّ اللذين تحدثا معي كان في نبرة كلامهما قدر لم أحبه من الحياد، تصورت أنهما يتحدثان عن بلد آخر غير وطنهما، كنا نتحدث عن بلادي وإن كانا قد ذكراها بضمير الغائب، ولم أتمكن من جعل الضمير الغائب حاضرا فتعجّبت من هذا الحال [30].

وعلى هذا فإننا لا تستغرب أنّ محبوبة العائد العاشق كانت عاقرا لم تلد أو تنجب رغم أنّ ماء الخصب كان يحيط بها من كل مكان، لأننا نعتقد بأن المحبوبة هذه لم تكن امرأة عادية ككل النساء، وإنما هي رمز لمصر المحبوبة، المدينة التي هجرها العائد مع من هاجروا. وبهذا المعنى تصبح بلد المحبوب في رأي علي الراعي حكاية سياسيّة تقول: إنّ مصر أصابها العقم حين تركت نهجها الذي سارت عليه في سنوات الخصب، وألقت بنفسها في طريق حافل بالمخاطر والشرور" [31]، فالمحبوبة "لم تنجب أبدا، ولم تعط بطنها أي ثمار، كانت كالنخلة الذكر والشجرة العاقر، جاءت وعاشت وهي كالأرض التي لم يشقها سن محراث، بطن أرض لم تبذر فيها البذور، ولم توضع فيها التقاوي، والمياه الخصبة لم تروها مع أنها تحضنها من كل الجهات" [32].

إنّ المحبوبة، مصر، أرض لا تعطي إلاّ إذا وجدت من يرعاها، ويسهر على حمايتها والعناية بها:

فما كان من حب وسعادة وتوحّد ما بين مصر والنيل وأبنائها لن يكون ثانية طالما الواقع لا يتغير، وطالما ما أصاب مصر من نكسات وردّات يظل قائما فالعقم هو الباقي، والحبيبة الولود المعطاءة لن تستجيب إلاّ لفارسها القديم إذا عاد [33].

القلوب البيضاء

أمّا القلوب البيضاء فقلوب ثكلى مرهقة تعاني الملل والخواء، وتجتر آلامها وأحزانها، وتجر أيامها ببطء بعد أن تخلت الديار عن ساكنيها، وأدارت لهم ظهرها، وتحكي الرواية قصة حب غريبة بين رجل أعزب كهل كان مقاتلا في الجيش وأُصيب في إحدى الحروب في ساقه فسافر إلى آخر الدنيا للعلاج إلاّ أنّ الطب وقف عاجزا، ولم يتمكن من عمل أي شيء، فعاد بقدم صناعية، فكان فقده لساقه واستعاضته عنها بساق صناعيّة صدمة كبيرة جعلته يهجر قريته وأهله وأصدقاءه، ويعيش في المدينة وحيدا غريبا، منطويا على نفسه إلى أن جاءته قريبة له تطلب منه نقل ابنة أختها شهد الشابة الممرضة من مكان عملها في البحر الأحمر إلى المجموعة الصحيّة الموجودة في بلدة خالتها، وعندئذ يتعرف هذا الرجل الغامض الغريب في تصرفاته، ونظام حياته على شهد اليتيمة التي عرفت اليتم مبكرا: اليتم الأول كان بوفاة والدها، واليتم الثاني أتى عندما طرق أبواب بيتهم رجل غريب أرمل يطلب الزواج من أمها التي وافقت، وطلبت من ابنتها الانتقال إلى بيت خالتها خوفا عليها من نظرات زوجها الجديد.

وتنشأ بين الكهل الأعزب وشهد اليتيمة علاقة حب غريبة، فهذا الرجل يرى أنّ شهد جذابة رغم أنّها ليست جميلة، ولهذا لن يسمح لأي قوة على الأرض أنّ تبعده عنها، فيطلب منها "ألا تتزوج، وأن تبقى له، وسيبقى هو لها طوال عمره، وسيوصي لها بعد انتهاء العمر بكل ما يملك، فليس له أحد في هذا العالم" [34]، ولكنه لم يطلب منها الزواج أبدا، أما شهد فترى أنّ هذا الكهل العاشق أَفضل من شباب هذه الأيام الذين لا يحلمون إلاّ بالسفر والترحال، وتوافقه على طلبه، وتحاول أن تقنع نفسها بأنه ما دام قد طلب منها ألا تتزوج فهو ينوي الزواج منها بالفعل، لكنه لم يفعل.

وتأخذ العلاقة بين الطرفين شكلاّ غريبا مثيرا؛ إذ يرسم الرجل الغامض، الذي تجهل شهد اسمه وعمله ومكان سكنه، والحادث الذي بُترت ساقه فيه، نظاما غريبا لحياة شهد، ويربطها به برباط المال إذ يدفع لها ستين جنيها في الشهر مما جعلها تتعلّق بنقوده التي كان يمنحها لها بداية كل شهر،

فقد كانت تخجل من أمواله في البداية والآن لا تتصور كيف تعيش دونها، ولو أنّه تأخر في مرة وهما في طريق العودة من المعادي إلى محطة مصر في دسّ الأموال في يدها لطلبتها منه ... أصبحت الأموال مهمة لها أوصلتها إلى مستوى في الإنفاق والمعيشة لا يمكنها التراجع عنه أو حتى التقليل منه [35].

ويطلب منها ألا تسأل عن أي أمر من الأمور، وأنّ تكتفي بالصمت فهو أفضل من كل الكلمات إلى أن تصاب شهد بحالة نفسية مفزعة مثيرة لشكوك من حولها فهي تتمنى أن يطلبها في فراشه، بل وتتمنى في الحلم أي رجل حتى ولو كان زوج خالتها.

وهكذا يمضي العمر، وتفر السنوات هاربة من بين يدي الكهل الأعزب وشهد، وتسير الحياة ببطء مميت، فشهد تبكي في سريرها حتى يأتي النوم إليها، وفي الصباح؛ تذهب إلى عملها وتقول لنفسها: إنّ حياتها دون رجل جحيم لا نهاية له، أمّا هو فيبدأ صباحه بالنظر إلى البيت وكل ما فيه، يقول: إنه بيت لم تعش فيه امرأة من قبل، فيهرب من هذا العالم، ويرتدي ملابسه بسرعة، يقول لنفسه: في المقهى قد ينسى كل هذا مرة واحدة [36].

ويثير الغموض الذي يحيط بهذا الرجل الكهل التساؤل حول حقيقة شخصيته، وهدفه من الحياة وفق هذا النظام القاسي المميت الذي يرى أن مجرد تغييره يسبب له حالة من الاضطراب النفسي المفزع، وموقفه من شهد ورؤيته لها، فمن هي شهد في عينيه؟ ويجيب الرجل الغامض عن تساؤلنا هذا في حواره مع شهد في أحد لقاءاته معها، فهو يريد أن تكون شهد وطنه، ويكون هو وطنها بعد أن تخلت الديار عنه وأدارت ظهرها له، فها هو يشرح الأمر لشهد التي لم تفهم معنى أن تكون وطنه الذي يحبه، وينتمي له، وأن يكون هو وطنها فيقول: "أنت لا تعرفين معنى أن يعيش الإنسان معلقا في الفراغ، لا حبال تشده إلى أعلى ولا أرض يقف عليها". ويتابع قوله بعد أن أسلمها كلامه إلى متاهة لم تفهمها: "الديار تخلت عن ساكنيها، أدارت ظهرها حتى لمن فقدوا كل شيء حتى رجولتهم دفاعا عنها، هذه هو كل ما هنالك" [37].

فهذا الرجل الذي فقد ساقه التي هي رمز رجولته وفحولته فداء لوطنه أيام الحرب يشعر بالغربة والضياع بعد أن تخلى عنه وطنه وأهله وناسه في وقت هو في أمس الحاجة إليهم جميعا، ويبحث في شهد عن الوطن البديل الذي يعوضه خيبة أمله وصدمته في وطنه الذي هجره وجفاه بعد أن أصبح عاجزا، ويخفف عنه كل ما يلاقيه في حياته من المتاعب والهموم.

وجع البعاد

وفي رواية وجع البعاد يقدم القعيد بصورة تقطر أسى وكآبة مشكلة المهاجر الذي درس وتعلّم والتحق بالجندية، وحلم بالسفر إلى بلاد العرب النفطية حيث الأحلام الوردية، والأماني والأمنيات الجميلة، والمستقبل الزاهر الذي سيضمن له ولأسرته الحياة الكريمة، غير أنّ المهاجر الحالم لا يحصد من غربته غير خراب البيوت والحسرة.

وتشير الرواية إلى لجوء الكثيرين إلى السفر خلاصا من سوء الحال الذي يلازمهم، فالفقر والجوع والعري من أهم الأسباب التي تدعو الكثيرين إلى الهجرة، رغبة في تحسين مستوى معيشتهم، وهم بذلك يخلقون مجتمعا ضعيفا، ففي قرية العتقا

لا يبقى في البيوت سوى الكراكيب والعجائز وكل من يشكو علة، والأطفال الذين مازالوا في اللّفة، قطعا من اللحم الأحمر، والرجال إما هجّوا، طفشوا، سافروا أو رجعوا يتسكعون وهم ينفقون ما جاءوا به، وعندما تفرغ الجيوب يعودون للترحال من جديد [38].

فالكل يحلم بالسفر وكأنّ الأمر لا يعدو أن يكون مسلسلة ذات حلقات بلا نهاية. وتقدم الرواية لنا قصة بركات، ابن الفلاّح الفقير عبده بركات الذي تعلّم وسافر إلى بلاد العرب طلبا للمال الذي سيحل مشاكله ومشاكل أهله وناسه الذين ينتظرون أوبته محملا بالهدايا والأموال، على أحر من الجمر، فبعد سفر بركات انقطعت أخباره وجواباته ولم تسمع العتقا وأهلها عنه حسا ولا خبرا حتى أنّ العتقا عندما علمت وأهلها بمرسال بركات فركت عينيها، واستفاقت تحاول استعادة صورة المغترب الذي غاب، وإعادة خلق ملامحه.

JPEG - 16 كيلوبايت
غلاف: يوسف القعيد

أمّا أسامة علوان مرسال بركات الذي جاء يحمل رسالة مسجلة على شريط لأهل بركات من ابنهم الذي لم يره أو يعرفه، فمتغرّب عائد من بلاد العرب التي أذاقته مرارة البعد والحرمان، حتى أنّه لم يصدق أنّه قادر على الخروج منها، والعودة إلى بلاده سالما، إذ يقول الراوي:

صباح يوم السفر في بلاد العرب، كان أسامة علوان يشعر بضيق، يلفه إحساس، كابوس، حرارة ورطوبة، ورمال صفراء، وشوارع مهجورة، هل ينجو الفأر من المصيدة؟ هل يخرج من هذه البلدان سليما؟ وتصافح عيناه مرة أخرى الوجه الصبوح، وتتعب نظراته من ملاحقة زحام الشوارع، وتشكو طبلتا أذنيه من تلوث الضوضاء والصخب والضجيج [39].

متغرب ترك له متغرب مصري مثله ظرفا داخله شريط نزع من علبته وبجواره ورقتان: الأولى فيها عنوان عبده بركات الفلاح في عزبة العتقا محافظة البحيرة، مركز ايتاي البارود، قرية الضهرية، والثانية تشرح ثلاث طرق للوصول إلى العتقا، ومضى بسرعة دون أن يقول شيئا عن فحوى الشريط، فكل ما ذكره لأسامة علوان أنّ صاحب الرسالة المسجلة في شدة، وربما يستطيع أهله في مصر إخراجه منها، وإعادته من غربته التي طالت.

ولما وصل أسامة مشارف بلده بكى وهو لا يصدق نفسه أنّه أصبح بين أهله وناسه، وبحث بين الوجوه عن وجه أمه الذي يرى فيه صورة الوطن الجميل، فلم يجده فعرف أنها ماتت وهو في الغربة، لم يمش في جنازتها، ولم يحمل نعشها على لحم كتفه، ولم تسمع وهي في النعش نهنهة بكائه، ولم يرح رأسها في نومتها الأخيرة فيقرر السفر إلى أهل الشاب صاحب الرسالة بركات هروبا من البيت الذي أصبح بلا أم. ويصل أسامة إلى أهل بركات في زفة كبيرة، إذ إن للغريب في القرى رائحة خاصة تميزه، وتجعله محط أنظار أهل القرية جميعا.

ولأن أسامة مرسال بركات الحبيب القريب من القلب، البعيد عن العين تفرح به عائلة عبده بركات وتكرمه وتعدّ له الطعام الخاص وهم ينظرون للشاب الأفندي الذي جاء من طرف ابنهم يحمل لهم الخير الذي يفك ضيقتهم، ويحسن حالهم التي ساءت بعد رحيله نظرة مليئة بالأمل والترقب والانتظار ولكنهم يكتشفون أنّ الضيف يحمل لهم الرسالة مسجلة بصوت ولدهم على شريط كاسيت فيمنون أنفسهم بالخير من جديد، ويرقص الأمل في صدورهم، ويحلمون بالأموال والهدايا التي يعدهم ابنهم بها، وتتملكهم الرغبة في معرفة ما على الشريط، فعبده بركات مثلا يود لو يختلي بالضيف ليسأله:

هل على الشريط فلوس؟ وهل مكتوب فيه عقود عمل لأخوة بركات؟ هل فيه تذاكر طائرة لهم حتى يلحقوا به ويكونوا عزوة وأهلا له في بلاد الغربة، ويسندوا قلب أخيهم هناك، يقاسمونه العمل والعرق واللقمة والهدمة والسكن، يشيل عنهم، ويشيلون عنه [40].

وبما أنهم لا يملكون جهاز مسجل يسمعون عن طريقه صوت ابنهم المسجل على شريط الكاسيت ذهب عسران أخو بركات المتغرب، واستعار الجهاز من أحد أهالي القرية، واسمه نطاط الحيطان مقابل رهن جاموستهم الوحيدة التي هي كل حيلتهم في الدنيا، وعندما تم وضع الشريط في المسجل وإدارته لم يعمل الجهاز، فحاولوا عمل كل ما أوصاهم به نطاط الحيطان صاحب المسجل لتشغيل الجهاز إلاّ أن الجهاز لم يعمل، فرفع عبده بركات يده اليمنى، وضرب الجهاز بكل عزم ضربة قسمت الجهاز قسمين، وجعلت الشريط مائة قطعة، ضربة جعلت جاموستهم الوحيدة التي لا يملكون سوى نصفها؛ لأنّها شرك مع فلاح آخر، وراء الشمس. وحيال هذا الموقف البائس المبكي لم يجد أسامة علوان مفرا من الهرب، فغادر بيت عبده بركات خفية تاركا هذه العائلة تبكي حظها العاثر الذي يرمي بها من مصيبة إلى أخرى لتصبح الغربة غربتين: غربة ولدهم الذين لا يعرفون مصيره، وغربة حالتهم السيئة التي ازدادت سوءا بعد كسر الشريط، وخراب المسجل، وضياع البقرة، ويعبّر أسامة عن هذا بقوله:

جئت إلى هنا لأن ابنهم الذي لم أعرفه، ولم أره عيني عينك في شدة على أمل أن يتحركوا، ويخرجوا ابنهم من عسر حالته، ولكن الذين تصورت أنهم قد يتحركون لإنقاذ ابنهم وجدتهم في أمس الحاجة لمن يشيل عنهم حمول الهموم، الجرح هنا والجرح هناك، احترت والله، لا أعرف حقيقة من الذي حاله أكثر صعوبة من الآخر؟ البعيد الذي تركته هناك أم الذين حولي من كل ناحية تطل من أعينهم شرائط نظرات الاحتياج، ويسيل العوز من بين أشداقهم، ونظرات أعينهم تحاصرني، ولا أستطيع الهروب منها أبدا [41].

لقد فرّ أسامة بحثا عن الخلاص الفردي تاركا عائلة الشاب المتغرّب في مصيبة أشد من مصيبتهم التي كانوا عليها قبل مجيئه، وورطة تحولت إلى مأساة حزينة تبكي العائلة الفقيرة التي بنت الآمال العراض على مرسال ابنهم المتغرب، وتبكي الغائب الذي لفحته الغربة بنارها، فضاقت به الحال إلى درجة يطلب فيها الغوث والنجدة من أهله علّهم ينشلونه من هوة الضياع.

وفيما يبدو أن الشدة التي يتعرّض لها بركات الغائب هي شدة سياسيّة فرضتها الظروف السياسيّة القائمة بين الدول العربيّة في السبعينات، ودليلنا على هذا ما كانت تردده المقالات والإذاعات عن الخيانة، والتسليم للعدو، والتخلي عن الثورة، فالكل يتهم الكل، والجميع يخون الجميع، "والخلاف وصل إلى حد السلاح، والجيوش وقفت على الحدود، والأيادي امتدت إلى السلاح، وأصبح على العربي أن يقتل شقيقه، ويذبح ابن عمه، ويعطي ظهره لعدوه وينسى قضيته" [42].

وفي هذا إشارة إلى ما شهدته السبعينات من تحوّلات وتغيرات سياسيّة واقتصاديّة كان لها أكبر الأثر في حياة المجتمع المصري بصفة خاصّة والعربي بصفة عامة.

خلاصة

ونخلص إلى القول: إنّ الغربة التي عبرت عنها الروايات الخمس غربة فردية وجماعية مختارة أو مفروضة غربة مميتة قاتلة تدفع الإنسان إلى الانسحاق النفسي الرهيب الذي يدفعه إلى الملل من الحياة، واليأس من الوصول إلى بر الأمان المنشود.

ونؤكد في هذا المقام أن الهروب من مواجهة الواقع غربة، والاستسلام للواقع المرير دون اتخاذ خطوات جريئة تذلل صعوبات الحياة القاسية غربة، والتقوقع والانكفاء على الذات غربة، وفقدان القدرة على التواصل مع الآخرين غربة، ولا يكسر حاجز الغربة والوحدة إلاّ بالمواجهة والانطلاق، والعمل الدؤوب لخير الفرد والأمة معا الذي ينبغي علينا تحقيقه.

JPEG - 17.5 كيلوبايت
غلاف: يوسف القعيد

= = =

الهـوامـش والإحـالات

[1] يوسف القعيد، أيام الجفاف، ط2، مج3، الأعمال القصصية، 1993، و ترجمت إلى الإنجليزية.

.Yusuf Al- Qa’id , The Day’s Of Drought , Translated by : George Takla , with foreword by : Maher Shafiq Farid , State Publishing house , G.E.D.O , 1997.

[2] القعيد، أيام الجفاف، مصدر سابق، ص 42.

[3] المصدر السابق، ص 44.

[4] المصدر السابق، ص 49.

[5] المصدر السابق، ص 72.

[6] المصدر السابق، ص 76.

[7] المصدر السابق، ص 60.

[8] المصدر السابق، ص 30.

[9] محمد حسن عبد الله، الريف في الرواية العربية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1989، ص 194.

* يحيى حقي، دماء وطين، سلسلة اقرأ، دار المعارف 153، القاهرة، 1955.

[10] محمد السيد عيد، دراسة في أدب روائي شاب، الكاتب، ع194، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1977، ص 51.

[11] يوسف القعيد، البيات الشتوي، مج4، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994 ص 346.

[12] المصدر السابق، ص 354.

[13] المصدر السابق، ص 374.

[14] المصدر السابق، ص 500.

[15] المصدر السابق، ص 543.

[16] المصدر السابق، ص 344.

[17] المصدر سابق، ص 522-523.

[18] يوسف القعيد، بلد المحبوب، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص 108-109.

[19] المصدر السابق، ص 134.

[20] المصدر السابق، ص 212.

[21] المصدر السابق، ص 215.

[22] المصدر السابق، ص 244.

[23] المصدر السابق، ص 338.

[24] احمد الزعبي، مقالات في الأدب والنقد، ط1، مكتبة الكتاني، إربد، 1993، ص 27.

[25] القعيد، بلد المحبوب، مصدر سابق، ص 148.

* انظر: شهادة يوسف القعيد، إشكالية المرابطين في مصر، الثقافة الجديدة، ع12، القاهرة، 1987.

[26] القعيد، بلد المحبوب، مصدر سابق، ص 131.

[27] المصدر السابق، ص 159.

[28] القعيد، بلد المحبوب، مصدر سابق، ص 168.

[29] علي الراعي، الرواية في الوطن العربي، ط1، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1991، ص 179.

[30] القعيد، بلد المحبوب، مصدر سابق، ص 237.

[31] نبيه القاسم، المثقف العربي في مواجهة الواقع، ط1، دار المشرق للترجمة والنشر، فلسطين، 1994، ص 38.

[32] يوسف القعيد، القلوب البيضاء، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص 34.

[33] المصدر السابق، ص 52 – 53.

[34] انظر المصدر السابق، ص 102.

[35] المصدر السابق، ص 36.

[36] يوسف القعيد، وجع البعاد، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص 248.

[37] المصدر السابق، ص 277-278.

[38] المصدر السابق، ص 385.

[39] المصدر السابق، ص 464.

[40] المصدر السابق، ص 283.

[41] المصدر السابق.

[42] المصدر السابق.

= = =

المصـادر والمـراجـع

أحمد الزعبـي، مقالات في الأدب والنقد، ط1، مكتبة الكتاني، إربد، 1993.

روبرت ب. كامبل اليسوعيّ، أعلام الأدب العربي المعاصر، ط1، ج2، الشركة المتحدة للتوزيع، بيروت، 1996.

شوقي بدر يوسف، ببليوجرافيا الرواية في إقليم غرب ووسط الدلتا، وزارة الثقافة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1994.

علي الراعي، الرواية في الوطن العربي، ط1، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1991.

محمد حسن عبد الله، الريف في الرواية العربية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1989

محمد السيد عيد، دراسة في أدب روائي شاب، الكاتب، ع194، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1977.

نبيه القاسم، المثقف العربي في مواجهة الواقع، ط1، دار المشرق للترجمة والنشر، فلسطين، 1994.

يحيى حقي، دماء وطين، سلسلة اقرأ، دار المعارف 153، القاهرة، 1955.

يوسف القعيد، إشكالية المرابطين في مصر، الثقافة الجديدة، ع12، القاهرة، 1987.

يوسف القعيد، أيام الجفاف، ط2، مج3، الأعمال القصصية، 1993.

يوسف القعيد، البيات الشتوي، مج4، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

يوسف القعيد، بلد المحبوب، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997.

يوسف القعيد، القلوب البيضاء، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997.

يوسف القعيد، وجع البعاد، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997.

D 1 آب (أغسطس) 2010     A سمية الشوابكة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية