خالد سامح - الأردن

موقف عادي جدا


خالد سامحالمركز الأمني، أو (المخفر) كما تسميه غالبية الناس، كان بالنسبة له وكما سمع من الجميع عبارة عن غرف سوداء لا يهز جدرانها سوى صفعات متتالية على الوجوه الباكية ولكمات لا تنتهي على الأفواه المتوسلة. تذكر وهو في طريقه إلى هناك، حيث شاءت الصدف أن يقع على مقربه من سكنه الجديد، المرة الأولى والوحيدة التي دخل بها إلى ذلك المكان الموحش مع والده منذ كان طفلا، أي قبل ما يقارب الثلاثين عاما. كان ذلك عندما قرر الوالد وباسم جميع سكان البناية اللجوء إلى سلطة الأمن لمنع أحد الجيران من إزعاجه وجميع المستأجرين بإشعال أسطوانات الموسيقى الصاخبة ليلا ورفع صوتها لدرجة جنونية.

بدا له والده يومها نبيا أو قديسا يضحي بكرامته وهيبته من أجل الآخرين قبل نفسه. لكن رئيس (المخفر) قال له يومها بفظاظة وخشونة مستفزة: "هذا ليس من اختصاصنا. اذهب إلى المحاكم والدوائر المختصة بتلك الأمور."

استعاد نصيحة والده وقد انطبعت معالم الدهشة واليأس على قسمات وجهه أثناء عودتهم خائبين، وقال بعد زفرة طويلة: "إذا واجهتك أي مشكلة يا ولدي في حياتك اجعل من ذلك المكان آخر خياراتك وملاجئك."

لم يفهم يومها تلك النصيحة تماما مثل أنه لم يدرك أي معنى أو مغزى لأصوات الصراخ المتشنجة لمجموعة من الرجال تم اقتيادهم إلى الغرفة الصغيرة ذات الباب الأسود والمقابلة لمكتب الرئيس. لكن المشهد بقي مطبوعا في ذهنه ومنقوشا على جدران ذاكرته.

وها هو على بعد أمتار من (المخفر) الواقع على تله صغيرة ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر مرتفع حاد.

الشمس سحبت أشعتها واختبأت خلف السواد القاتم منذ دقائق. على رأس الشارع الضيق، وقرب بوابة المخفر، ثمة سيارة صغيرة وضوءها الخلفي الأحمر ينعكس على طول المنحدر المبتل بقطرات من المطر. بدا له المشهد كشلال لا منته من الدم الأحمر.

لم يفاجأ عندما وصل إلى البوابة بالصورة الساكنة التي توقعها: عسكري يتكئ على بوابة كوخ خشبي وأعلى رأسه لوحة بيضاء كتب عليها باللون الأسود "الشرطة في خدمة الشعب." نهره بصوت غاضب عندما رآه يهم بالدخول متجاهلا وجوده:

"هيه، إلى أين؟ إلى أين؟"

رد بدهشة وثقة: "أريد أن أقابل رئيس المخفر."

"ولماذا؟"

"أريد أن أقدم شكوى بحق مالك العمارة التي أقطنها."

"ليس لنا علاقة بمشاكل المالكين والمستأجرين عليك الذهاب إلى ...

قاطعه على عجل قائلا: "يا أخي اسمح لي بالدخول عند الرئيس وسأسرد له ما جرى. لقد اعتدى علي صاحب الشقة، وأريد أن أتقدم بشكوى."

سرح العسكري ثواني ثم قال: "إذن لا بأس، أدخل. ولكن انتظر." وأخرج من أحد الأدراج داخل الكوخ ورقه وسأله:

"ما اسمك؟"

فأجاب: "عبد السلام عبد الله."

"ما مهنتك؟"

"كاتب مسرحي."

رمقه بنظرة ساخرة ثم ناوله الورقة وأمره بتدوين عنوانه ورقم هاتفه وقال بصوت محايد: "ادخل" قبل أن يعيدها إلى الدرج.

في ساحة المخفر ثلاثة عساكر بدا أنهم يستعدون للمغادرة بإحدى الحافلات المخصصة لنقلهم. تساءل مع نفسه: "معقول؟ هل ينتهي دوامهم مثل باقي موظفي الدولة؟ وهل هو أصلا محدد بساعات؟ "

سألهم قبل أن يهموا بالصعود عن مكتب الرئيس، فأشاروا إلى الغرفة المقابلة ليساره.

الباب مفتوح والغرفة واسعة. الديكور والأثاث قديما الطراز. المقاعد الجلدية المتشققة والمكتب الحديدي يبدو أنها بعمره أو أكثر قليلا. نظر إلى الرئيس القابع خلف المكتب بكامل هيبته وأناقته العسكرية، ولفت انتباهه انه حليق الشارب بينما كان رئيس (المخفر) الذي اصطحبه والده إليه ذا شارب اسود كثيف.

"مساء الخير" قال بتردد.

رد الرئيس بتثاقل وتعجب: "مساء النور."

واستأذن بالدخول فرد الرئيس بالإيجاب.

توجه صوبه وقال: "أريد تقديم شكوى."

وبنفس اللهجة المتعجبة والمستعلية رد الرئيس: "من حضرتك؟"

"اسمي عبد السلام عبد الله يا سيدي."

"أين تسكن؟"

"هنا قريبا، في آخر الشارع."

"وما مهنتك؟"

"كاتب مسرحي."

"وبحق من تريد تقديم الشكوى؟"

"بحق صاحب العمارة التي أقطنها."

"باختصار شديد لو سمحت، ما الذي حصل؟ هل اعتدى عليك؟"

"نعم يا سيدي، تهجم علي وضربني أمام جميع سكان العمارة."

"ولماذا؟"

"لقد تأخرت عن دفع أجرة الشقة يومين. وعندما طلبت منه أن يمهلني يومين إضافيين شتمني و ..."

قاطعه الرئيس بصوت زاعق رن في جنبات المكان فأضفى عليه مزيدا من الوحشة:

"اذهب إلى المحافظ فهو المختص بمشاكل المالكين والمستأجرين."

أجابه بصوت منكسر "لكنه اعتدى علي."

رد الرئيس باستهزاء: "هل لديك تقرير طبي يثبت ذلك؟" فأجاب بالنفي. عندها قال الرئيس وهو يلبس معطفه ويهم بالمغادرة: "إذن لا يمكنك تقديم شكوى." وغادر على عجل تاركا إياه وحده في وسط الغرفة المتجمدة.

فجأة استيقظ الفضول لديه. حدق بالجدران المطلية باللون الأبيض والمكسوة بطبقة من العفونة خلقت شيئا من الظلمة. البلاط والكراسي والأبواب مثل قطع كرتونية. بدا له كل ذلك معدا كديكور مسرحي. إحدى النوافذ تطل على ممر ضيق، وخلف الستارة الصفراء تراءى له خيال شرطي يقتاد ثلاثة أشخاص سمان تماما كما تقتاد الثيران المخدرة. بعد مرورهم بثوان سمع صوت ثلاث صفعات وركلات متلاحقة ثم باب حديدي يغلق بعنف.

خرج من المبنى وتوجه بسرعة نحو الشارع وفي الطريق تساءل عن مبرر كل تلك الغلظة التي عامله بها رئيس المخفر وهل يستحق ذلك. إنه المعتدى عليه وليس المعتدي. شك في ذلك وراجع نفسه. لكنه، وعلى أي حال، أدرك يأس والده من المراكز الأمنية.

عندما وصل إلى منزله كانت العمارة تغرق في ظلام دامس، والأضواء المشعة من الشارع لم يتجاوز عمقها المترين داخل المبنى. لسوء حظه فهو لا يدخن حتى يمتلك علبة ثقاب أو ولاعة يستعين بها للتمكن من صعود الثلاث درجات فقط التي تفصله عن شقته الأرضية. جفل عندما سمع صوت مفتاح يدار في باب الشقة المقابلة لشقته والفارغة منذ أشهر. سأل بهلع:

"من هناك."

رد عليه من عمق العتمة صوت مؤدب وحنون للغاية:

"أنا جارك الجديد. اسمي عمر جابر، وهذا أول يوم لي بالشقة."

خيل إليه انه سمع ذلك الصوت منذ أقل من نصف ساعة فرد باقتضاب وهو يتلمس الحائط ويصعد السلم.

"أهلا تشرفنا، وأنا عبد السلام عبد الله. تفضل لتشرب فنجان قهوة معي."

الجار الودود استجاب للدعوة مسرورا. وعندما دخلا الشقة وأنار الضوء وقبل أن يكمل عبارات الترحيب اقترب من وجه الجار الجديد وصاح مندهشا:

"السيد مدير المخفر."

"الأستاذ عبد السلام عبد الله الكاتب المسرحي. يا لها من صدفة رائعة."

تبادل الجاران ضحكة مجلجلة فرضها الموقف، وأكملا السهرة معا.

D 1 آب (أغسطس) 2010     A خالد سامح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  مقطع من رواية اللاز

2.  رحـلـتـي فــي يــوم

3.  انتفاضة 1987 الفلسطينية: الحدث والذاكرة

4.  كيف السبيل إليك؟

5.  الطابع البريدي: سفير الثقافة والفنّ


القائمة البريدية