أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 50: 2010/08 » نظرية الإبداع الشعري عند العرب

فراس حج محمد - فلسطين

نظرية الإبداع الشعري عند العرب


فراس حج محمدمن خلال ما وصلنا من ملحوظات نقدية، نتبين سمات عامة للنظرية الأدبية والنقدية عند العرب في فترة ما قبل التدوين، حيث كانت تلك المواقف النقدية تروى مشافهة مع الشعر، حتى إذا جاء عصر التدوين الأدبي قيدت وأصبحت مادة رئيسية لكتب الأدب العربي، التي جمعت هذه الملحوظات في ثنايا تلك الكتب.

وتشير هذه المواقف إلى أن العرب كان في مخيلتهم الإبداعية شروط يجب أن تتوافر في كل شعر، وأول تلك الأسس الفنية التي تعارف عليها القوم، ووصلت أشعارهم بناء عليها إلى أعلى مستوى من الفنية، الالتزام اللغوي، حتى اعتلت تلك الأشعار إلى مرتبة الاحتجاج؛ لما فيها من نضج فني والتزام قواعدي، أهلها لأن تكون حجة على كل شعر يأتي بعدها.

وأهم ملامح النظرية الإبداعية عند العرب غير ما سبق، أن العرب كانت تعد الشعر أجود فنونها وأهم تلك الفنون، ولذلك وجه له كل ذلك النشاط النقدي، والعرب في تلك المواقف الناقدة يبغون أن يكون الشعر عاكسا لصورة المجتمع الذي يريدون، وليس غريبا أن نجد مجموعة من شعراء العربية، عاشوا في فترة ما قبل التدوين، يهتمون بأشعارهم ويجودونها حتى عُرفوا بأنهم أصحاب الحوليات؛ ذكر صاحب كتاب (الصناعتين): "وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير، كان يعمل القصيدة في ستة أشهر ويهذّبها في ستة أشهر، ثم يّظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك. وقال بعضهم: "خير الشعر الحولي المنقّح"، ولم يكن زهير هو الوحيد في ذلك بل شكل هؤلاء الشعراء علامة بارزة في الأدب العربي، منهم أوس بن حجر وكعب بن زهير، ومنهم كذلك الحطيئة الذي كان "يعمل القصيدة في شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها". وانضم إلى هؤلاء في العصر الأموي على سبيل المثال الشاعر عدي بن الرقاع العاملي.

واستحوذت هذه القضية النقدية على اهتمام هؤلاء الشعراء حتى ذكروها في النص، واحتفوا بها، فهذا الحطيئة يقول:

الشعر صعب وطويل سلمه = = إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه = = يريد أن يعربه فيعجمه

فليس كل من نظم الكلام ووافق التفاعيل أصبح شاعرا، يبدو أن المسألة أكبر من ذلك في نظر الحطيئة، وهذا عدي بن الرقاع العاملي يتحدث عن تجويد القصيدة واهتمامه البالغ فيها:

وقصيدةٍ قد بتُّ أجمَعُ بينَها = = حتَّى أقَوِّمَ مَيلَها وسِنادَها

نظَرَ المُثَقِّفِ في كُعوب قَناتِه = = حتَّى يُقيمَ ثِقافُه مُنْآدَها

فهو يريد أن تظهر القصيدة خالية من العيوب، إذن كان يمارس دورا نقديا في الأساس.

وهذا يقود للحديث عن مسألة أشار إليها النقاد القدماء، وهي أن الشعر يحتاج إلى قصدية في القول، فليس الكلام الموزون عفو الخاطر شعرا، وقد نص على هذه المسألة النقدية صاحب العقد الفريد في قوله: "ومن حديث البَراء بن عازب، قال: لما كان يوم حُنين رأيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، والعبّاس وأبا سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وهما آخذان بِلجام بغلته، وهو يقول: أنا النبيّ لا كَذِب، أنا ابنُ عبد المُطّلبْ، ومن حديث أبي بكر بن أبي شَيبة عن سُفيان بن عُيينة يَرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه، وسلم، أنه لما دخل الغار نُكِبَ، فقال: هل أنتِ إلا إصْبع دَمِيت، في سَبيل الله ما لقيت.

فهذا من المَنثور الذي يُوافِق المنظوم، وإن لَم يتعمد به قائله المنظوم. ومثل هذا من كلام الناس كثير يأخذه الوَزن، مثلُ قول عبد مملوك لمواليه: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا قد اكتوى. ومثله كثير مما يأخذه الوزن ولا يُراد به الشعر. ولا يُسمَّى قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وإن كان موزوناً، شعراً، لأنه لا يراد به الشّعر. ومثلُه في آي الكتاب، مثل: "ومِن اللَّيْل فَسَبّحه وإدْبَار النُّجوم" (سورة الطور. الآية 49). ومنه: "وجِفَان كالجَوَاب وقُدُور راسيات" (سورة سبأ. الآية 13). ومثله "ويُخزْهم ويَنْصركم عليهم ويَشْفِ صدور قوم مُؤمنين" (سورة التوبة. الآية 14). ومنه: "فَذَلكَ الَّذي يَدُعِّ اليَتيم" (سورة الماعون. الآية 2.

ولو تطلّبت في رسائل الناس وكلامهم لوجدت فيه ما يَحتمل الوزن كثيراً ولا يُسمّى شعراً. من ذلك قولُ القائل: مَن يشتري باذنجان. تقطيعه: مستفعلن مفعولات.

من جهة أخرى، حازت بواعث الشعر على اهتمام النقاد، وهذه مسألة نقدية أخرى بالغة الأهمية، وذات دلالة مميزة في النقد الأدبي؛ فالسؤال المهم المطروح دائما لماذا يكتب الأديب، تجيب عن هذا السؤال المرويات الأدبية النقدية.

ورد عن عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه: أفضلُ صِناعات الرَّجل الأبيات من الشِّعر، يُقدِّمها في حاجاته، يَستعطف بها قلبَ الكريم، ويستميل بها قلب اللئيم"، إذن الشعر ذو مهمة ورسالة، ومن هذا الخبر نستطيع أن نحدد هذه البواعث كما ألمح إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

الشعر وسيلة لقضاء الحاجات؛ وهذا يعني أن يكون الشعر مؤثرا في النفس، حتى يتحقق الغرض، ولذلك كان للتجويد واصطناع النماذج العليا وسيلة لتحقيق التأثير، ومن ثَمّ قضاء الحاجات.

المتلقي ليس نوعا واحدا، فقد كان هذا الأمر حاضرا في ذهن عمر، فليس كل المستمعين سواءً، فهناك الكريم، وهناك اللئيم؛ فالشاعر مطلوب منه أن يؤثر في اللئيم قبل الكريم، لأنه في النهاية يريد أن يحقق قضاء حاجاته.

يعد الشعر نوعا من الصناعة، يبذل في سبيل إتقانها غاية الجهد، وأقصى الطاقة لارتباطها بتحقيق الغرض وأداء الرسالة.

ولزيادة التوضيح لهذه المسألة بالغة الأهمية، من جوانب نظرية الإبداع عند العرب، وتوضيحا لرأي عمر السابق، ففي خبر آخر منسوب لعمر بن الخطّاب: "الشعر جَزل من كلام العرب، يُسكَّن به الغَيظ، وتُطفأ به الثائرة، ويتبلَّغ به القومُ في ناديهم، وُيعطى به السائل"، فزيادة على قضاء الحاجات، فإن الشعر وسيلة لتهدئة الخصوم، وإطفاء ثائرة النفوس، ويتبلغ القوم به في نواديهم ويكفيهم عن كل حديث، وهو مع كل ذلك صناعة من جزل الكلام على سنن لغة العرب بكل ما تعنيه العبارة من معان.

ولقول عمر السابق صدى في غيره ممن تحدثوا عن الشعر ونظرية إبداعه، وخاصة فيما يتعلق بالتأثير في المتلقي، ففي هذا الخبر المنسوب لمعاوية، قال لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك شهرت بالشعر فإياك والهجاء فإنك تحنق به كريماً، وتستثير به لئيماً، وإياك والتشبيب بالنساء فإنّك تفضح الشريفة، وتعرّ العفيفة، وتقّر على نفسك بالفضيحة؛ ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأشعار ما تزيّن به نفسك، وتؤدّب به غيرك".

إنه توجيه سياسي للشعر، يريد من الشاعر أن يبتعد عن مواطن الألغام التي قد يثيرها الشعر في وجه الشاعر، وهي الابتعاد عن التشبيب بالنساء والهجاء، ويحثه على التغني بالشعر الذي ينفع ويشفع؛ إنه الاهتمام بمآثر القبيلة، وصياغة الشعر المحكم الذي يعبر عن تجربة إنسانية سامية وخالدة، تجلب للإنسان الوقار، ويتعلم الآخرون منها حسن الأدب، وكأن الشعر في المخيلة النقدية العربية يريد تحقيق هدف سام في المجتمع وهو التهذيب والتعليم وحفظ وقار النفس، وأن يكون الشعر مجالا لاحترام الشاعر، وليس للنقمة عليه.

ومما يتصل بموضوع الإبداع عند العرب ما كان شائعا عند الشاعر الجاهلي من أن له تابعا جنيا يلقنه الشعر، فقد صرح بهذا غير شاعر، من ذلك:

فإني وإن كان صغيرا سني = = فإن شيطاني كبير الجن

والأمر أغرب من ذلك، إذ ميز البعض ما بين الشعراء في هذا التابع الجني، حتى ادعى أحدهم أن شيطانه ذكر، عكس شياطين بقية الشعراء:

إني وكل شاعر من البشر = = شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

وبالغ بعض الرواة فذكروا أسماء لبعض هؤلاء، فقد ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء):

ادعى كثير من فحول الشعراء أنه له رئيا يقول الشعر بفيه، وله اسم معروف، ومن ذلك مسحل شيطان الأعشى، وهميم شيطان الفرزدق."

ويستمع جرير لقصيدة ذي الرمة التي مطلعها:

ما بالُ عَينِكَ مِنها الماءُ يَنسَكِبُ = = كَأَنَّهُ مِن كُلى مَفرِيَّة سَرِبُ

فيقول جرير: "ما أحببت أن ينسب إلي من شعر ذي الرمة إلا هذه القصيدة؛ فإن شيطانه كان فيها ناضجا، ولو خرس بعدها لكان أشعر الناس."

ولكن الإسلام له موقف في هذا الجانب من نظرية الإبداع، ففي حين تفترض هذه النظرية أن الإبداع شيء خارج عن قدرات النفس يتوسل إليها بالجن، نرى أن الإسلام، حدد ثوابا وعقابا على القول، ومنه القول الشعري، فالشعر ما هو إلا كلام مؤلف: ما وافق الحق منه فهو حسن وما خالفه فهو قبيح، فإذا كان شعر الجاهلية من نفث الجن، فهل الشعر الإسلامي من وحي الملائكة؟

الجواب في كلا الاتجاهين النفي القاطع، ولا كلام غير ذلك. وهناك أمارات لذلك في قوله تعالى في سورة الشعراء:

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221). تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222).

قد جاء بعد هاتين الآيتين مباشرة وبدون فاصل من معنى قوله تعالى:

يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)

وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)

أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)

وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227).

D 1 آب (أغسطس) 2010     A فراس حج محمد     C 0 تعليقات