أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 52: 2010/10 » إيقاعات القصيبي للشهداء

غالية خوجة - سورية

إيقاعات القصيبي للشهداء


غالية خوجةكيف تمتص اللغة حواس الثيمة الموضوعية بين الوطن والحب والإنسان وانفعالاته المتفاعلة مع الموت، ومع تدرجات هذا الموت في الحياة؟

يغامر مع هذه اللحظة الكتابية الأديب غازي القصيبي وذلك في مجموعته للشهداء (*) ذات الارتكاز على الإيقاع الظاهري المتسم بالحكائية وتنويعاتها على سرد الحدث أو سرد اللحظة المعاشة بمداها الوطني الصافي، وببـــعدها الوجداني المتشابك بين (الأنا) ومحيطها المؤلف من (الطبيعة) و(المجتمع) وما يتداخل بينهما من عناصر (أنويـة) و(واقعية).

ومن مكمن تعبيري آخر، نرى كيف تظهر النصوص محمـلة بموقف الشاعر ورؤياه الملونة بلونين أساسيـين:

(1) (الأحمر) بدلالاته الاستشهادية، وظلاله المحيلة على (الموت) المتشكل من الانفجار والشظايا، وانعكاس تلوينات هــذه المعادلة الموتية بلـون الـســواد والرمــاد و(الانبعاث) المخبوء في مدلولية (الأحمر) كـ (أخضر) ديمومي حاضر في أرض الدم والوطن والكلمات وتحولات هذه الديمومة في استمرارية الحق والحرية.

غازي القصيبي(2) (الأسود) وتداعياته التشاؤمية المرتكزة على اللحظة الحاضرة، والمؤدية إلى التوافق مع رؤية (نزار قباني) بإعلانه (وفاة العرب).

نزار! أزف إليك الخبرْ

لقد أعلنوها: وفاة العرب

وقد نشروا النعي فوق السطور

وبين السطور، وتحت السطور (ص 54)

وتتداخل حركة اللونين في دلالات الرمز (الشهيد-الشهادة) بطريقة تشكيلية تظالل (الأحمر) و(الأخضر) مع ظلال السواد والرماد، وأعني: (اللون الأبيض) بأبعاده المتوزعة إلى كفن ونور وروح مسفوكة وطهارة وبراءة واندغام مع السماء والوجود الحقيقي الحر الذي تنضم إليه (الطفولة) كـ (مضاد للإرهاب):

يعيش تحت سقفنا إرهابي

يذيقنا غرائب العذاب

وعمره ـ وا عجبا ـ عامان

عامان بالإرهاب مدموغان (ص 19)

غلاف: للشهداءولا يخفى عن أي قارئ ما في دلالة (الإرهاب) من إحالة مقصودة إلى "شبكة مدلولية" لا سيما حين نربط بين ما يجري على الأرض وبين الطفولة والحق والشهادة، وهذا ما يدلــل عليه عنوان القصيدة: (الإرهابي الصغير) المهداة إلى حفيد الشاعر. وإذا ما ابتعدنا إلى الفضاء الأوسع للدلالة، فلا بد وأن نقف في مركز التوتر الكلـي المتماوج في عنوان المجموعة، والمحيل إلى القصيدة الأم: "للشهداء":

يشهد الله أنكم شهداء

يشهد الأنبياء والأولياء

متــم كي تعز كلمة ربي

في ربوع أعزها الإسراء

انتحرتم؟! نحن الذين انتحرنا

بحياة أمواتها الأحياء

وتفضح القصيدة الواقع العربي بوصفية موزونة تلامس الجراح المعاصرة ولا تصمت عن صمتنا كما لا تتهاون في الكشف عن (الإرهاب الحقيقي) المتمثل في شارون والبيت الأبيض الأميركي. ولم يعد هناك مجال للشك بأن (الأبيض) هنا ليس إلا "الموت" و"الظلم" و"السواد" و"المذابح" و"المجازر" ويقابل كل ذلك حضور الشهيدة "آيات" كـ (رمز) للشهداء، تحدى " الموت " و(الإرهاب الحقيقي):

قلْ "لآيات": يا عروس العوالي!

كل حسن لمقلتيك الفداء

حين يـخصى الفحول، صفوة قومي

تتصدى للمجرم الحسناء

تلثم الموت وهي تضحك بشرا

ومن الموت يهرب الزعماء (ص 9)

وتستكمل (اللحظة الحمراء) حضورها في قصيدة "نحن مع السلام" حيث تبرز (الأنا الكاتبة) ساخرة من وهْـم السلام ومن عدم تكافؤ المعادلة بين الطرفين.

* * *

وتتفاعل الوجدانيات في النصوص الأخرى مثل:

(1) (نسيم) التي تنحى إلى "الرومانسية".

(2) (أم النخيل) ذات الميلان (السيري) حيث تظهر استرجاعات (الأنا) معزوفة مع الموضوعي الحالي، والذي تتضافر فيه نبروية (الذات) كـ (وحدة) تخاطب (الأنا الأخرى) = (الأم)، فتبوح لها بما عانته وتعانيه من (العمر/الحياة/الزمن/تراجيدية " فلسطين "، إلى آخره).

تتوالى جمل النص بإخبارية موقــعة كلاسيكيـا، تتساءل حينا، وتباشر أبعادها أحيانا، ولا تتجسد جماليـا إلا في ومضات أهمها البيت الذي يمزج حركة (البر) مع حركة (الماء)، ممـا يؤدي إلى انبثاق حوارية بين حركتين:

(1) الاشتعال.

(2) الانطفاء.

وإلى هذا السبب تعود تناغمات الانسجام اللامعة في هذا البيت:

ضربت في البحر حتى عدت منطفئــا

وغصت في البر حتى عدت مشتعلا

تتحول الدلالات عن حيزها الأول لتتسع في المكانية المزدوجة:

(1) مكانية الذات.

(2) مكانية المكان.

وبذلك، تصبح الأرض بتربتها ومياهها مجالا متحركا يغور في (الذات) الحاضرة في النسق كـ (فضاء مكاني) ينوس بين حركة المتضاديـْـن: (منطفئـا/مشتعلا) ليعبـر عن مجال الصراع مع حواس الوجود وإيقاعاته، وكأنه بذلك يحيل (المكانيتين: الذاتية والموضوعية) إلى المكانية الأولى الواقفة بين حافــة الوجود وهوامش العدم = رحم الأم.

ربما، ومن أجل هذه البرزخيـة، جاء عنوان القصيدة: "أم النخيل" ليشير إلى الإيقاع المخفي بين الأم والأنا، وإلى مسافة هذه العلاقة في الفضاء الذاتي والخارجي.

* * *

كما أشرت، فإن مجموعة للشهداء تشكــلتْ من مكونات الحس الأول للوجود والدلالة والإيقاع والموضوع المضيء لكل من ألوان الدم والحرية والحق والوجدان.

= = =

* غازي عبد الرحمن القصيبي (2002). للشهداء. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 1.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2010     A غالية خوجة     C 0 تعليقات