إبراهيم يوسف - لبنان

تشتهيه الحوامل


الفلاح الميسور: من كان يملك أرضا ويقتني بقرة وثورين، "ويعلو باب داره للجمل". من يدّخر مؤونة كافية للشتاء، ويقيم لنفسه تنورا في الفناء المجاور للبيت.

تجويفة أسطوانيّة الشكل منفوخة في الوسط، لا يتعدّى قطرها بعض أجزاء المتر، تشكّل مع الأرض زاوية منحرفة تسهيلا للعمل، وارتفاعها يكاد لا يعلو عن الخصر إلاّ القليل، من طين صلصالي معالج بالنار، تحوّل إلى مادة صلبة: هو التنور. ينتشر في الضيعة العديد منها، تتوزع في أرجائها تغطي حاجة كلّ الناس، واستخدامها متاح للجميع؛ ولا يقتضي بدلا أو حتّى منّة من أحد.

يقوم التنور على بعض الارتفاع من الأرض، داخل بناء بسيط من حجارة عمياء وطّين. مسقوف وبلا باب، لأنّه مشرّع للجميع. يذكّر بإحدى القرى في ولاية تاميل نادو جنوبي الهند، التي لا أبواب لمداخل بيوتها.

يتحوّل التنور إلى ملجأ وقت الثلوج الكثيفة، تأوي إليه الطيور المستنفرة الهاربة من غضب الطبيعة والجوع، كعصافير الدوري والحجال، بحثا عن الأمان في الدفء والقوت، والمؤسف حقا أن يتحوّل التنور إلى مصيدة، يستبيح البعض فيها لحوم طيور تتوسّل حماية الإنسان: "طين الله في الأرض".

لكيلا يختلف المنتفعون من التنور، ينظم أصحابه أدوارا للناس تسهيلا للأمور. يستهلك المستخدم في "الحموّة الأولى "كميّة من حطب لا يستهان بأهمّيتها في حساب مدّخراته للشتاء. لهذا فالمستفيد يتجنّب أوّل الأدوار، هربا من تبذير في حطب سيفيده أيام البرد القارس. لكنّ المسألة لا تخلو من "مهارة" في التسلل إلى الأدوار المناسبة وغير المحسوبة، أو التحايل في دفع الآخرين إلى الأدوار الأولى، ولا يتدخّل الرجال عادة في تسوية هذه الأمور ومضاعفاتها إذا وقعت.

توقد النار في التنور كفانا الله شرّها حتّى يتبدّد الدخان، ويتحوّل الحطب إلى جمر، تكفي "الوقدة" الواحدة منه لخبزة كاملة.

ثلاث نساء متعاونات يشتركن في الإعداد للخبز، وعند الضرورة تكفي اثنتان، إحداهنّ تقوم بتقطيع العجين الخامر؛ ما أعددنه في الليلة السابقة، ليتحوّل إلى قطع كرويّة، لا يزيد حجم الواحدة منها على ما يتسع لها الكف، بينما تقوم الأخرى "برقّ" العجين على لوح صغير هو الطّبليّة؛ فيغدو بحجم الكفين معا. تتناوله المشاركة الأخيرة، صاحبة المهمّة الأصعب، التي تعمل وقوفا طيلة الوقت.

تزيل بخرقة السّخام عن جوانب التنور؛ وتمسح عرقها عن جبينها بالمنديل. "تهلّ" الرّغيف باليدين معا، برشاقة ليس لها نظير؛ ليرقّ "كما العواطف"، ويتسع فيبلغ حدّه الأقصى. ثمّ إلى "الكارة"، قطعة مستديرة من قماش محشوّ بالقطن أو الصوف، يطرح عليها الرغيف ويدفع في رحلته الأخيرة، ليخرج بعدها بلون أجنحة "الزنابير"، خبزا ساخنا مقرمشا ولذيذا، تشتهيه النساء الحوامل، كما يشتهيه أبناء المدن، والعسكر المهزوم.

نار التنور "الموقدة" تقتضي وقت الصيف جهدا بالغ الصعوبة وظلما لا تطيقه إلاّ المرأة في ريف بلادي. إلاّ أنّ السّمر على التنور في فصل الشتاء، يوازي في متعته سوء حاله في الصيف.

في الشتاء دفء؛ وخبز ساخن من القمح والذرة ومن الحمص أحيانا، بالكشك والقاورما والصّعتر أو بطاطا مشوية لها طعم السّمنة البلدية. ودعوات للرائح والغادي "ليتفضّل" ويتناول رغيفا من الخبز الطازج. ثمّ أخبار وحكايا لا تنتهي في الحب والزواج والموت والطلاق، وفي الممنوع أيضا.

صفعني أبي وأنا أنقل إليه أن جارتنا أم حسن رجعت إليها "العادة" بعد انقطاع طويل. وقعت ثمّ طرحت ما في رحمها. وفي المساء أنّب زوجته بكلمات مختصرة مبرمة.

في مرات لاحقة قلت لأم سعيد: "أرني لسانك" لكي أتأكّد من صحة ما سمعته من أم حسيب؛ وهي تشير بالقول لجارتها، أنّ لسان أم سعيد أطول لسان في الدّنيا. ما طلبته من أم سعيد، التي فوجئت، أربك أم حسيب وأحرج أمّي.

هكذا بدأت نافذتي تطلّ على أسرار "حرام". وصفعة أبي تجلو عن ناظري غيم السذاجة والطفولة والبراءة والغباء.

لكن للتنور وجه آخر وجه مقيت، فيه ظلم وغدر وكفر وقتل وخسّة. يتذكّره الناس بامتعاض ووجع بالغ، وخبر تناقلوه بأنّ جنودا أتراكا، التجأوا بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى إلى القرية ليلا يتسوّلون الخبز على تنور.

أخافوا نساءه وقد استبدّ بهم الجوع، فاستنفر من لم يراع ذمّة ولا حرمة له في ربّه ودينه والعباد، فأجهز على الجنود المهزومين الهاربين. و"الأمان" المعطّشة باللهجة التركيّة التي توسّلوها لم تشفع لهم. ثمّ سلبهم أسلحتهم وثيابهم وأحذيتهم ليدفنوا بعدها جياعا حفاة وعراة من كل ستر.

أنا بريء من دمائهم. بريء من دموع جدّتي وغصّتها، ومن كلّ أسباب الإساءة والتقزّز والغثيان. بريء إلى يوم القيامة والدّين ممن قتلوا الناس جميعا (*)

تقول جدّتي من شهدت مظلوميّة الجنود، إنّ ما حدث حدث في رمضان، وإنّ من قتل كان صائما ذلك النهار. فتأمّل كيف يكون الطين؟ جدّتي كانت تفهم معنى الطين.

وبعد، بعد ما جرى ويجري في غزّة وقانا وشاتيلا والعراق. في زمن ينتظر المخلّص والخلاص لم يعد يرجى الخلاص. أليس نبيّ الإسلام خاتم الأنبياء؟ إن كان ينبغي أن نبكي ونأسو وأن نخاف أو نغضب، فهل يجوز لنا أن نعجب؟ لم يعد ما يدعو إلى العجب، فالصراع قائم منذ الأزل يمجّد الحرب، ينظّر ويداجي في السلام. ينهش القيم، ينفي وينسف معايير الرحمة والأخلاق. لست ملحدا ولا شيوعيّا، فأنا أؤمن بالله والشيطان ويوم الحساب.

كانت أمي تتوسّل التنور لصنع بعض الحلوى. في عيديّ الأضحى والفطر، تولي عناية خاصة بالكعك وتعتقد أنّ طحينا تنتجه طاحونة الماء، أجود من ذلك الذي تنتجه طاحونة المحروقات. والأمر صحيح استنادا إلى بعض الحقائق العلمية الثابتة. لهذا فقد أعدّوا لي ذات مرّة كيسا من القمح الحوراني، حمّلوه لي على ظهر دابة وانتدبوني للمهمّة في أولى تجاربي في الاعتماد على نفسي وشجاعتي.

تقوم الطاحون المخصّصة للقمح والذرة، "والحمص أحيانا" عند أسفل النهر، حيث تزرع البقول وتكثر أشجار الحور. تتحرك تيجان أغصانها وتلتمع أوراقها، كلما غازلها أو وشوشها نسيم لطيف، والزيزفون عقيم يزهر ولا يثمر لكنه دواء نافع للجسد، وكريم كما الله يمنح ظلّه وفوائده بلا مقابل.

يدير حجر الرّحى دفق ماء غزير ينحدر من عل، ويرتطم بعجلة أفقية المحور عمودية الهيكل، عظيمة في حجمها واستدارتها، تتوزع في محيطها جنيحات كثيرة، تحرّك العجلة بفعل فيزياء جاذبيّة الماء وتتولى إدارة حجر الرّحى، بانتقال الحركة وفق نظام آليّ بسيط، يعود الفضل فيه إلى أوروبا منذ بعض القرون.

كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، عندما غزت ضيعتي طاحون حديثة، تعمل بطاقة المحروقات "البترولية". في البداية لحقت بطاحونة الماء أضرار محدودة، بدأت تزداد مع الأيام حتى توقّفت الطاحون، ومات البرّاك ونشف النهر.

تلك هي ضريبة المدنيّة التي دفعها أبي، مرّة بسبب الجرارات الزراعية المستوردة، ومرة أخرى بسبب الطاحون الحديثة، ومرات كثيرة عندما تغيّر الزّمن، وتحوّلت الضيعة إلى مدينة صغيرة، تؤمّن كلّ أنواع الخدمات.

لأنّها أولى تجاربي في الشجاعة والإقدام، فقد انطلقت "مزبطرّا" إلى الطّاحون، تكاد الأرض لا تحملني؛ ولا تتسع لاعتزازي واعتدادي بنفسي. أنا الرجل الذي لم يكن قد بلغ أو طرّ شاربه بعد. أقود الدابة من رسنها في الطريق إلى الطاحون عند منتصف النهار.

واجهت سكونا مطلقا؛ وخشوعا في الطريق، إلاّ من صوت حوافر البهيمة تطلقه برتابة على درب يكاد يكون بكرا وقفرا، وصادفت قطيعا من الماعز، عزّز شجاعتي وثقتي في نفسي، ثمّ خلعت نعلي لأجتاز بعض السواقي وبلغت الطاحونة حافيا عند العصر. كانت متوقّفة عن العمل، فلم يصلها أحد سواي، والبرّاك يتشاغل بقذف الحصى إلى النهر.

كان البرّاك ضعيف البنية، رقيق الحاشية، ينوء جسمه بلحية كثّة؛ يذكّر بالحرب أيّام المجاعات. ساعدته فأوقعنا الكيس عن ظهر الدّابة، وجررناه حتى محاذاة الكوّارة قريبا من حجر الرّحى. ثمّ ارتقى سلّما إلى أعلى سور الطّاحون فرفع حاجز الماء، وعاد يساعد حجر الرّحى بدفع من قدميه، وهو يتوسّد الأرض، فانطلقت الرّحى ثمّ استقلّت بإدارة ذاتيّة.

هكذا بدأت أساعده في نقل القمح إلى كوّارة مخروطيّة الشكل، قاعدتها في الأعلى، يسقط منها القمح بطيئا إلى كوّة في محور الرّحى، ويتحوّل إلى طحين يتناثر في محيط الحجر، ثمّ أساعده تباعا في جمع الطحين وكنسه وإعادته إلى الكيس وربطه في المرحلة الأخيرة.

لم يرض مالا عن العمل، واحتفظ لنفسه بمكيالين من القمح. هكذا جرت الأمور بيسر وسهولة، إلى أن حان وقت التّحميل. شبكنا اليد اليسرى باليد اليمنى، ودفعنا الكيس بشكل مائل على ذراعي اليدين المشبوكتين، وحاولنا رفعه من أسفل بمساعدة اليدين الطليقتين. وقع الكيس ولم يعل قدما ولا يزيد. أعدنا المحاولة واجتهدنا في ابتكار الأساليب. لكن عبثا حاولنا وفعلنا.

من مسافة قريبة خارج الطاحون، كانت تراقبنا فتاة تلوك بشراهة علكا شاميّا. أصناف العلكة الأخرى لم تكن معروفة بعد، تجلس على جذع يحاذي سور المطحنة وهي تحرّك في الهواء براحة تامة ساقين طليقتين. كانت تقطن مع عائلتها في منزل منعزل في الجوار، يعنون بزراعة الأرض وريّها.

تقدّمت الفتاة بخطى واثقة من البراك، بعدما تأكّدت من عجزنا؛ فدفعته بحركة مسرحيّة بعيدا عن الدّابة والكيس، ثمّ احتضنت الكيس ورفعته على صدرها مرّة واحدة، ودفعت به إلى ظهر الدّابة، دون أن يبدو أنّها بذلت جهدا ملحوظا. عيّرته بقدرته وعابت عليه "جنسه" ورجولته. ثمّ صفعتني بكفّها على مؤخرتي، وحذّرتني من الأرانب والثعالب في الليل على الطريق.

= = =

شروح بعض الكلمات:

التنور (الجمع تنانير): تجويفة أسطوانيّة من فخار، تجعل في الأرض ويخبز فيها، (سريانيّة).

الطبلية (الجمع طبليّات): منضدة مستديرة كالطبل يرقّ عليها الخبز (عاميّة).

الكشك: طعام يتّخذ من نقيع البرغل بالحليب أو اللبن بعد اختماره وتنشيفه، فيفتّ ويطبخ.

إشارة إلى الآية 36 من سورة المائدة: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا."

القمح الحوراني: من أنواع الحنطة: تمتاز حبّته بحجم كبير ولونها البنيّ الفاتح، وطعمها الأفضل نسبيّا.

الكوّارة: ما يتّخذ من الطين ونحوه خليّة للنحل، وتطلق مجازا على حاوية الحبوب.

العلك أو العلكة: مادة لا تذوب عند مضغها. تعرف أيضا باللبان. كانت تستخرج من شمع تفرزه الأشجار، ولكنها الآن تصنع وتخلط بالسكر ونكهة النعنع.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2011     A إبراهيم يوسف     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  سوبر ستار

2.  كلمة العدد 19: خطوة مهمة على طريق الجودة والتميز

3.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

4.  المرآة المعكوسة

5.  ناجي العلي: مقتطف من الأزمنة العربية


القائمة البريدية