أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 55: 2011/01 » الأدب المسرحي العالمي بين الشعر والنثر

أثير الهاشمي - العراق

الأدب المسرحي العالمي بين الشعر والنثر


أثير الهاشميلا يكتفي الأدب المسرحي بالنص فحسب، بل يتعدى ذلك إلى ما يشكله روح ذلك النص من خلال الحوار، والدراما، وهذا من شأنه أن يقيم مسرحا يتفاعل وتلك العناصر، بالإضافة إلى العرض المسرحي والمتلقي، وبهذا ستكون روحية المؤلف تحت الشخصيات التي يجسدها داخل النص، لذلك يكون دور المؤلف تحت ذاتية متعددة.

إذن فالمسرح كما يعبر أريك بنيتلي، "أقوى الوسائل لتعزيز مكانة العقل الإنساني وتنوير الأمة بأسرها" (1) لــِما يجسده من آلية تفاعلية بين (النص) من جهة، وبين (المتلقي) من جهة أخرى. والمسرح، طبقا لجورج برنارد شو، "معمل للفكر، وملقن للضمير، وشارح للسلوك الاجتماعــي، وترســانة ضــد اليأس والبــلادة، ومعبــد لرقي الأنسان"(2).

ولهذا كان الأدب المسرحي منذ القدم حافلا بالاهتمام والرعاية والتواصل. وقد ذهب عبد الستار جواد في كتابه في المسرح الشعري إلى أن آداب الأمم السابقة لم تكن لها مسرحيات نثرية، ويقول في هذا الصدد: "في كثير من آداب الأمم لم تكن هناك مسرحيات نثرية، بل إن الممثلين حين يرتقون خشبة المسرح كانوا يتحدثون شعرا" (3).

لكن رأي عبد الستار جواد يتنافى وما وصل إلينا من أخبار عن الأدب المسرحي بأنه ابتدأ نثرا وشعر، إذ أننا لا نعدم بحوثا ونصوصا وصلت إلينا في معرفة أبناء وادي الرافدين للملاحم والقصص (4)، ومحاولات تمثيلية جرت في وادي النيل، وفي أماكن أخرى من العالم (5).

غير أن البداية الحقيقية لتأريخ الفن المسرحي تمثلت بالمسرحيات اليونانية التي وصلت إلينا من وضع شاعر المسرح العظيم سوفوكليس والشاعر يوريـبــديــس، اللذين عاشا في القرن الخامس قبل الميلاد. وأشهر مسرحياتهما التي لا زالت تعرض على الجماهير حتى الآن، وتقرأ وتعرض بإعمال مسرحية مستوحاة منها، هي مسرحية أوديب ملكا التي كتبها سوفوكليس، ومسرحية الكترا التي كتبها معاصره يوريـبــديــس (6).

أما كتاب المسرح الأوائل من الإغريقيين، فكانوا يعبرون عن أنفسهم وشخوصهم باستعمال الشعر (7) المرتبط بالدين والطقوس الدينية (8). وتبدأ الدراما عندهم متمثلة بالإبداع السامي، الواحد، غير المتجزئ، الذي فلقه الذهن الإنساني، نصا ونقدا وتفسيرا (9). وحذا حذوهم كتــّاب الدراما في أوروبا الذين كانت لهم إسهاماتهم الكبيرة في تطور الفن الدرامي بعد ألف عام من ذلك تقريبا (10) إلى عصر شكسبير الذي يسمع كثير منا عن مسرحياته الشعرية، ونفهم خطأ أحيانا أن جميع مسرحياته كتبت شعرا (11).

وقد شهدت إنكلترا أول مسرحية نثرية عام 1731، وهي مسرحية تاجر لندن للكاتب المسرحي جورج ليلو، فكانت الخطوة الأولى في مسرح النثر في إنكلترا (12). أما في فرنسا، فنجد أن كورني وراسين التزما بالدراما الشعرية فـي القرن السابع عشر (13). وكذلك الحال في ألمانيا، إذ كان كوته، وشّللر من أنصار المسرح الشعري (14).

وتطور الأدب المسرحي في القرن التاسع عشر، إذ إن الكاتب المسرحي النرويجي هنريك ابسن كان له شرف الخطوة التحديثية الأولى لفن الدراما (15)، وهو مؤسس الوعي المسرحي الأوربي الحديث (16)، فقد ابتدأ حياته المسرحية يكتب الدراما الشعرية.

لكن ابسن سرعان ما انقلب في عام 1871 إلى المسرحية النثرية (17) بسبب مجيء البرجوازية الصناعية للسلطة بعد الثورة الصناعية وما تركته من أثر، من قبيل حالة الاغتراب الاجتماعي للفرد والمجتمع الصناعي، إضافة إلى إنجازات علم النفس في الكشف عن العوالم الداخلية للإنسان وتأثير العلاقات الخارجية والبيئية على تكوين تلك العوالم واتجاهاتها ووضع الإنسان ضمن آليات خلق ثراء الطبقة البرجوازية الصاعدة. كل ذلك جعل الشعر، كلغة للمسرحية، يقف عاجزا عن الاستجابة لمشكلات الواقع الجديد الذي أنتجته البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للرأسمالية (18).

وقد دافع إبسن عن التحول إلى النثر بأنه نابع من الواقع (19). ويمكننا القول إن المادة الرئيسة عند ابسن هي الثورة المستمرة، وجوهر الابسنية كما شرحه جورج برناد شو هو المقاومة لكل ما هو مستقر. وهذه المقاومة وظفها ابسن ليس في مسرحياته وحسب، بل وفي قصائده أيضا. (20).

= = =

الهوامش

1. جلال الخياط، الأصول الدرامية في الشعر العربي (بغداد: دار الرشيد، 1982)، ص 12.

2. جلال الخياط، ص 12.

3. عبد الستار جواد، في المسرح الشعري (بغداد: وزارة الثقافة، 1979)، ص 3.

4. ملحمة كلكامش، ترجمة طه باقر، بغداد، 1971.

5. جلال الخياط، ص 13.

6. محمود الذهني، تذوق الأدب (القاهرة: المكتبة الأنجلو-مصرية، 1985)، ص 192.

7. عبد الستار جواد، ص 3.

8. محسن اطيمش، الشاعر العربي الحديث مسرحي (بغداد: وزارة الثقافة، 1977)، ص 11.

9. جلال الخياط، ص 13.

10. جلال الخياط، ص 3.

11. داود سلوم، الأدب المعاصر في العراق (بغداد: مطبعة المعراف، 1962)، ص 22.

12. عبد الستار جواد، ص 4.

13. عبد الستار جواد، ص 4.

14. عبد الستار جواد، ص 4.

15. عبد علي سلمان، الدراما والتطبيق (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 2008)، ص 22.

16. جلال الخياط، ص 23.

17. عبد الستار جواد، ص 5.

18. عبد علي حسن، ص 23.

19. عبد الستار جواد، ص 5.

20. عبد الستار جواد، أوراق للريح: صفحات في النقد والأدب (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1992)، ص 132.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2011     A أثير الهاشمي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عن عـود الـنـد

2.  موعد على العشاء

3.  رحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري

4.  كلمة العدد 37: عن ظاهرة تحقير العرب

5.  بطاقة تعريفية


القائمة البريدية