أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 58: 2011/04 » تأتيني طيوري بهجة فأحيلها شجنا

هيام ضمرة - الأردن

تأتيني طيوري بهجة فأحيلها شجنا


هيام ضمرةلم يكن ضوء النهار قد شقّ ستائر العتمة بالكامل حين قلّبني خمول الوسن على جانبي الآخر ويدي تسحب أغطيتي على كتفي مخزّنة الدفء المنعش في أوصالي، خرجت على الفور من غفوتي وأهدابي تنشّق متنبهة، وقد ران صوت عزف صادح جميل كان اختفى منذ زمن غير قليل، لطالما أصخت السمع على مدى الشهر الماضي باحثة عن معزوفاته. فتحت عيني على وسعهما وأنا متيقنة أنّ ما أسمعه ليس أذيالا من حلم ما زالت ظلاله عالقة في المخيّلة.

نعم هي ذاتها طيوري، ذات المعزوفة التي تعودت أن تتغناها لتنقلني إلى يقظتي. إذن لقد عادت طيوري من رحلتها، لتعاود ترميم أعشاشها وترسم ملامح الأثير أنسا وابتهاجا، تغسل وجه الصباح المولود بربيعه الجديد، ليستعيد نشاطه وشبابه. لكم كنت أحنّ لدوح منشد يغازل بأنغامه إطلالة صباحي، للسيمفونية العازفة، وهي تقطر في سمعي بعذوبة ساحرة، فتصرخ الآفاق ذاهلة لروعتها، وبهجته للقلب مع هذا الدوح حكاية أخرى. ثمة شعاعات دافئة تنعشه وتفتّح فيه بتلاته، فيجري الدم في أوصالي موائما هو الآخر معزوفته معها، فالقلب مرتهن لحالة البشر في النفس سرعان ما ينفض خموله وينثر ما علق به من غبار الأحداث الصعاب، فوحدها المآسي من يصعب علينا تنظيف أثرها بالكامل، فالحزن يترك بقعا داكنة، الطبيعة الجميلة والزمن وحدهما القادران على معالجتها بترياق النسيان. سرعان ما يتلقى القلب روعة المعزوفة بتكثيف نبضاته، فتثير فيه كوامن الوجد والوله والبشر والتفاؤل، تتجاوب معه الروح محلّقة بزهوها تخال الكون كامنا في قبضة اليد، فتتخدر الحواس، وتعود لحظات الفجر بمعزوفة الطيور تؤنس النفس وتدفعها للتسبيح وذكر عظمة الله.

لم يا طيوري الحبيبة تسافرين بلا وداع وتعودين بلا خبر يطالبنا طقوس فرح اللقاء بواجب الاستقبال؟ ما أروعك يا شجرات السرو العملاقة بأفنانك الباسقة المنتصبة في خيلاء، ممتدة الرأس إلى السماء، القابعة بوفاء خلف بيتي تطالعك العيون مجسدة روعة الأردان، تستقبلين باخضرارك الزاهي ساكنيك الجدد منهم والعائدين، فتعود بك الحياة وتعاودك تجليات العزف الصباحي والمسائي، فسلام إليك يا جوقة العزف في تمام رونقك وأنت تشعلين صباحاتي بالبوح الموسيقي العازف على أوتار حنجرتك في أعذب ما منحك به الخالق، وكأنّ مروج الورد قد أينعت وتفتحت ومدت بساطها من أول الكون لآخره، وكأني أميرة هذا الكون أرفع أذيال ثوبي الورديّ أخطو حافية مختالة على بساط نقشته الألوان كما أسطورة الزمان، تفتح لي الدنيا صباحها بالطرب، وظهرها بالعمل، وعصرها ماض بلا وجل، وتبيح سامرات مساءاتها بالرغد، ثم أرحل في غفوة الليل، لأعود مع ركب النور ثانية مصحوبة بأسراب العزف، وأنهض بهمة ومضاء وإباء، فيعانق يراعي أول ما يعانق وأترك لمدادي انسياب الحالم فيأبى إلا أن يظلّ طوع بناني، وأعدّ للنهار أركانه فأبتهل إلى الله وأدعوه رحمة فهو الأكرم الغافر، المبرئ الأرواح من أسقامها يحبيّ بالنعمة والرخاء، ويجبر العثرة ويسقي الخير في النفوس، ويبيد قتامات الحقد والبغضاء، فيا أيها الفرح طاوعني مصافحا تتلاقى أيدينا بالسلام ويمتد فينا الهناء والوئام، ينعش خواطرنا على ترنيمة الأمل في أغانينا.

أطلي يا طيوري ثانية وثالثة إلى آخر المدى وامنحي الحياة ربيعا دائما، ورفرفي بأجنحتك على خيالاتي، هيّجي أشواقي بترنيمة الوفاء، وفيض الإحساس، فإن أبصرتك العيون تكحلت، وإن استمعت لمعزوفتك الآذان طربت، وإن تجلت لها الروح حلقت بأجنحة ملائكية معطرة، فإن غالت بأنغامها صفت لها النفس وأزهرت، وشرّعت باب الوصل للجمال، فإني خلقت لأنادم كأس الشعر أنشده ألحانا، فتلهمني لواعج اتقدت في صدري، أسكرت مرابعي بعاطر الزهر، فأعزف على الشغاف شعرا شجيا تتغنى له السهول والجبال وتردده الوديان، ففي كأسي مزجت الشعر والمنى شرابا، فكان في حنجرتي بحة الصوت جمالا، تكتنز عذوبة كأنما قد عاوده بعد الجفاف رطوبة الرمق.

وحين يقبل الغروب متورد الخدين باسم الثغر، تتغنى طيوري أغنية وداعها، تمارس طقوس العائد بعد يوم شاق عربدت به ما شاءت الأحداث، فينفض كل عن جناحيه غبار النهار، ويتخير غصنه أو يلج عشّه ويطوّق نفسه أمانا لسالف الأمد، والليل كغزال قافز يمضي، تخال طيوري غرقت في سحر سكونها وقد آنست دفئها، وأباحت للهدوء رقدتها، وحجبت صخبها في ذهول العتمة، وعصمت عن شدوّها الغزل، فصار الوقار خليقا بها، وصارت كما تمثال الخزف ، هادئة ساكنة صامتة، وكأنّ طبيعتها سحبت منها، لا تغريد، لا رفرفة جناح يعزف، لا غياب يجوب الأميال مكتشفا.

مرحى يا طيوري العائدة، قد تشوقتك روحي بسمفونيتك الصادحة المخترقة زجاج نافذتي متحدية سكون المكان، تعلو هنيهة تمدّ عقيرتها سادرة كأنما تجمع شتات الكون وتعزف على وتر الفرح داعية أحرفي مدبجة بصنوف الهناء فتغمر الأديم بالجمال، وتخفض هنيهة أخرى وكأني أفتش عن حضوري فأحزم حقيبة رجاءاتي، ودعوة ممطرة تجوب نفسي بالحيرة، فتعاودك همة الصادح، فإذا بي أبحر في أعماق ذاتي وداخلي يهمس: أين المعاني في مقلتي، مما يرتع في القلب ومما يطيب شذاه في صباحات كلّ يوم، فيشعشع وهج نفسي، ليتظلل وجهي ببرق العيون ومطر القوافي، ويد الانتشاء تحضن خاصرتي باشتياق وحنين، فيغدو كلّ ما حولي مفعما بحصاد النرجس والياسمين والتوليب، وبوفرة من حدسي وإحساسي.

ما أجملك أيها النور حين تمزق صدر الليل وتطرد آخر نجومك الساهمة إلى أطراف الفضاء في أقصى سديمها البعيد، وتأتي مصافحا القلوب والأيادي بعد التنائي، لتفجّر ذكرى اللحظات الهانئة الملأى بالحبور، فيختفي عن عالمنا كلّ شذاذ مؤذ، ويتهافت شجن الفرح متغلغلا في المآقي فيما الخواطر تتراقص طربا، وتمنحنا ربيعا يغسل عن نفوسنا متعلقات الخطى، وكأنما قلوبنا ما عرفت ألوان الحزن، ولا بللت المآقي بسيل الدمع الجارح، ولا انغرست في الصدور سهام الغدر، كأنما العمر ازدهى في طوع ممتد يتلقى صنوف المشاعر الجميلة، تستقيها الأوردة فيعزف النبض، وتسافر النفس إلى ذاتها مرويّة الشغاف، وقد تساقت رباها من غياث تلك المشاعر، وتهيّجت الروح بين مروج غامرة تظللها أفنان وارفة.

بدأ صباح هذا اليوم حضوره مشعا بسحر أوصاب شوقي، لتعصف بأركاني ذكريات الأمس، كان ذات يوم حاضرا يشاركني دهشة التمتع بهذه اللحظات، واليوم صار بالبعيد في عالمه البرزخيّ يناظر حنيني إلى وجوده قربي، فإذا فرحي ينتقل فجأة إلى الشجن، وتتموضع سحائب الدمع بين أهدابي، كأنّ كأس الأحزان يصّرّ أن يراودني عن نفسي، باحثا بين أضلعي عن قلب مدنف انبجست لواعجه في حمأة النجوى وحرّ الجوى، فسال مدادا قاتما على الطرس، يحاورني يراعي أن أسكبه شعرا ينأى عني ضجيج حنيني وما يخلد في داخلي فأنهضه من رقاد ما ركد من ذكراه، لمن غاب بلا عودة وحضوره في صدري باق إلى الأبد.

D 1 نيسان (أبريل) 2011     A هيام ضمرة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  أوجه الكتابة والكثافة المتفاوتة

2.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

3.  تطوّر دلالة المكان في الشّعر العربيّ الحديث

4.  أورهان باموك: رواية ثلج

5.  مرجان الضوء: بين الحرمان والارتواء


القائمة البريدية