ياسمينة صالح - الجزائر

هدية لعود الند


أهدت الروائية الجزائية، ياسمينة صالح، عود الند نسخة من روايتها لخضر. وهذه هي الهدية الثالثة، فقد سبق لها أن أهدت عود الند نسخة من روايتها الأولى بحر الصمت والثانية وطن من زجاج.

ياسمينة صالح واكبت عود الند منذ العدد الأول، وكان لها الفضل في إصدار عدد خاص من المجلة كرس لمناقشة قصية تهميش المثقف الجزائري، وشمل العدد (38) مساهمات من خمسة عشر كاتبا وكاتبة.

تتمحور رواية لخضر حول شخصية بهذا الاسم، وتبدأ بتفاصيل مرارة العيش مع زوجة أب فقير، والعمل حمالا في الميناء على أمل الفرار إلى أوروبا، ثم تلوح الفرصة له للعمل حارسا ليليا لمخزن إحدى الشخصيات المهمة، ثم العمل مخبرا والتدرج في مهمات الوشاية والتخلص من الأصوات الداعية إلى التغيير من صحفيين ونقابيين، ويتدرج في المراتب إلى أن يحصل على رتبة جنرال يكون معروفا بقسوته. وذات يوم يحط على مكتبه طلب التحاق بالكلية العسكرية من ابنه الذي توفيت أمه أثناء ولادته، وتركه لخضر في رعاية جديه لأن أولوية تغيير حياته تفوقت على كل الأولويات. تبدأ قسوة لخضر تذوب وتبدأ رحلة تصالحه مع نفسه ومع الحياة.

.

مقطع من الرواية

لم يكن جمال غنيا ولا فقيرا. كان شخصا عاديا يعيش في أسرة مكونة من أختين أكبر منه، استطاع والده ضمان حياتهما بالزواج، فكل أب يرى نجاح مهمته الحياتية في ضمان حياة بناته بتزويجهن، أكثر مما يضمنه تعليمهن أو عملهن.

لم يكن والده يرى في الحياة أكثر من وسيلة ستر للبنت والاعتماد على النفس بالنسبة للولد. منذ توفيت أمه قبل سنوات تاركة مسؤولية الأبناء لوالد عاش على أمل الانتهاء منها بأقل أضرار ممكنة، وعندما تزوجت أخته الكبرى ثم الصغرى رأى في عيني أبيه ذلك الرضا الذي يوحي أنه أدى ما عليه ولا يهمه شيء بعدئذ، حتى والمرض يقعده عن العمل كحارس في مدرسة قبل عامين، لم يعد يقدر على مغادرة البيت إلا في فترات متباعدة، لكنه كان سعيدا لأنه تخلص من عبء البنات، وغير مكترث بعبء الولد الذي لم يكن يسأله أبدا عن شغله أو يناقشه في أحلامه الخاصة، كأنها لا تعنيه.

تلك طبيعة أغلب الرجال الذين يعتبرون أولادهم رجالا منذ سن مبكرة، لا حق لهم في البكاء أو التأفف من سوء الطالع كالبنات، ولا يحق لهم أن يعترفوا بالفشل حتى لو فشلوا، لأن الرجال لا يفشلون.

اكتشف جمال في سن مبكرة أن عدم اهتمام والده لا ينم عن إهمال، بل عن رغبة في تحريره من الأسئلة والمخاوف التي لا يجوز ارتكابها مع الأولاد، فأن يتأخر الولد عن البيت أمر في غاية البساطة. لهذا لم يسأل ابنه لماذا فشل في دراسته الثانوية ولماذا لم يمكث طويلا في مصنع التبغ.

بيد أنه لم يكن سعيدا مثلما لم يكن تعيسا. كان يعيش حياته وفق ما رباه والده، بأن يكون رجلا لا يحق له أن يجادل قيمته إزاء حياته، فهو لم يولد ليكون ثريا ولا مسؤولا، بل ليكون مجرد شخص من عامة الناس، وعليه أن يكون كذلك.

ربما هذا هو السبب الذي أدى به إلى التفكير بأن عليه أن يشتغل في مكان لائق، يجعله ينظر إلى نفسه في المرآة قبل خروجه من البيت، وكان عمله في الجامعة هو الشيء الوحيد الذي جعله يكتشف أهمته في عيني الآخرين، وفي عيني طالبات الجامعة اللواتي كن يحببن الحديث معه، مع أنه لم يكن وسيما ولا جذابا بل سكرتيرا في مكتب مدير يحظى بتقدير كل من هم حوله. ولأول مرة شعر أن قلبه لم يكن خاليا من العواطف، وأن ثمة فتاة في مثل سنه تبادله شيئا مختلفا عن ذلك الذي كان يبادلها مع أبيه والناس العاديين.

كان يشعر أن في فتاته شيئا مختلفا، فهي ليست طالبة، بل مجرد فتاة التقى بها في مكان عام. تبادل معها حديثا عاديا، ولأنه يعرف انه سيراها في نفس المكان ثانية، ولأنها تعرف انه سيعود إلى نفس المكان لتتمة كلام بدآه، التقيا ثانية وثالثة.

لم يكن حديثهما مباشرا عن الحب، والمستقبل، كانا يتكلمان عن حياة الآخرين، وينظران إلى حياتهما من خلالها. يحكيان عن شخص في العائلة مرض فجأة، وعن الحياة التي تتغير لأن شخصا عزيزا مرض ولم يعد كما كان.

تلك الأحاديث على بساطتها وحياديتها قربتهما من بعض كيتيمين يشعران أن الحب ليس أكثر من تحصيل حاصل، وقد يأتي قويا ومختلفا بعد الزواج.

= = =

الرواية صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت (2010).

المقطع أعلاه صفحة رقم 147.

D 1 أيار (مايو) 2011     A عود الند: التحرير     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  بورتريهات

2.  غمضة عين + كتالوغ بالعربية للحياة

3.  أفعال ومفاعيل

4.  امرأة الطين ورجل النار

5.  غياب الأخت


القائمة البريدية