أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 59: 2011/05 » كـلـيـي والفن الحديث: نحو عالم الحرية

دنيا فيضي - العراق

كـلـيـي والفن الحديث: نحو عالم الحرية


(*) بول كـلـيــي (Paul Klee): فنان تشكيلي ألماني/سويسري. أحد رواد الفن الحديث المقترن بالتجريد، وأحد رموز مدرسة باوهاوس الألمانية. تعد محاضرته "نظرية الكتابة عن الشكل والتصميم" إحدى شواخص يحتذى بها في الفن الحديث. هذه المقالة مترجمة عن كتاب كـلـيــي والفن الحديث (Klee on Modern Arts) الصادر أول مرة عام 1948 عن دار فيبر أند فيبر . وهو كتاب مترجم، نقله عن الألمانية إلى الإنجليزية بول فندلي.

.

فن الرسم الحديث هو لغة الشكل واللون، يتم عبرهما التعبير عن الأفكار التي تكون بعض الأحيان معقدة، ذات أبعاد مرتبطة باللاوعي، عكس رؤية الرسام للحياة من جهة، وحرفته من جهة أخرى. ولهذا السبب، غالبا ما لا تلائم طرق تعبيرنا في اللغة مصطلحات الفن الخاصة بالرسم.

لكي نصف الفن علينا أن نبذل الجهد لإعطاء أسماء ومصطلحات تصف إجراءات تخص الرسم، أو أفعالا معينة مختصة به، حيث تعتمد هذه التسميات على ما يشعر به الفرد، وما تومئ له الكلمة المراد التعبير عنها. والرسام له حافز واحد، هو الحافز تجاه الحضارة التابعة لوسائل الخلق، الحافز تجاه كل ما هو نقي، والاستخدام النقي أيضا.

وبالنسبة إلى بول كـلـيـي فهو فنان ألماني متعدد المواهب. انتسب إلى الفن الانطباعي والتعبيري والتكعيبي تارة، والفن التجريدي تارة أخرى. وصفت أعماله في كتاب كـلـيـي والفن الحديث على النحو التالي:

JPEG - 24.3 كيلوبايت
لوحة

يكون الأسلوب الطفولي وتطبيق العملية الجزئية للفن هي الاحتراف في الرسم، أما تدرج الألوان بنقاوتها، فهي التي تقوده أحاسيسه التوجيهية لها من خلال دائرة الألوان، ومن هنا يتم استنباط وسائل للرسم في مجال قيمة التدرج اللوني. كـلـيـي، دوما يربط بين وسيلتين، بأقصى جهد ممكن، ثم يعيد محاولة الربط، ولكن دوما يحافظ على العنصر الحضاري للموضوع النقي.

البناء الأولي للفكرة، ولمسة الخيال

إن ذروة الجهود الخلاقة، والنابعة من الوعي، هي ماهية حرفة الرسم التي تتسم بالحدية القاطعة. يسترسل كـلـيـي في عملية وصف الرسم حيث يبني أساسا يمثل القوة، قوة الفكرة. هذا الأساس القوي سيكون قادرا على الوصول إلى أبعاد تتخطى حتى حدود الوعي. تبدأ الفكرة ثم التشكيل، حيث أن إرساء دعائم التشكيل له بواعث الشعور الإيجابي ونواح سلبية هي في الحقيقة لا تقل أهمية عن الأولى، لأن في تلك النقطة السلبية يمكن للفرد أن يفقد أو يخطئ في أعظم مجال خاص بالمضمون، وبهذا يكون معرضا للفشل، وحتى وان كان يمتلك موهبة ذات تقنية عالية.

ومن خلال تجارب كـلـيـي الخاصة، الأمر يعتمد على مزاجية الفنان في الوقت الذي تخرج فيه العناصر التي يفكر بها من نطاقها الضيق كفكرة إلى حيز أكبر من التنظيم العام، خارج حدودها التي كانت فيها. بعد ذلك تظهر في نظام جديد ثم تشكل الصورة التي نسيمها الموضوع. كإيقاع الموسيقى تنساب الأفكار إلى ذهن الفنان من عناصر وحوافز وتناظرات، وخلال عملية تفاقم الصور في عينه تظهر لديه مجموعة عناصر مترابطة تتسلسل إلى ذهنه وتدفعه لان يعبر عنها بشكل ملموس.

إن أي صورة ذات بناء معقد تصبح قادرة على أن تقارن بأي صورة من صور الطبيعة بعد إضافة لمسات الخيال لها، ولكن يبقى المتلقي هو معضلة الفن. الرجل المتفرج يقف أمام الصورة ويطلق كلماته "المدمرة" على حد قول الفنان، "هذا لا يشبهه على الإطلاق!" والرسام إذا ما كانت أعصابه هادئة يقول في نفسه "يشبهه أو لا يشبهه، ليذهب إلى الجحيم!" عليّ أن استمر في البناء.

ولا يشعر الرسام بالراحة إلا حين يجد أن بنيته الخالصة الأصلية والتي وهبها بحكم الظروف قد أدت مهمتها في حجب أشكال التباين الموجودة في اللوحة والتي تشكل وجها للمقارنة ما بين الصورة الوليدة، والصورة الحية. وتبقى النصيحة للرجل الاعتيادي والذي ينظر إلى الصورة ألا يبحث عن مواضيعه المفضلة فقط، وان يبحث في الاختلافات التي تتدرج من الدراما إلى الكوميديا.

الفنان لا يتكلم، إنه يرسم فحسب

يعد تفسير الفن عملية أشبه ما تكون بتمرين لتظليل نفسية الفرد، ولذلك فهو يحدثنا عما يجول في خاطر الفنان حين يقوم بعملية الرسم. مثلا، لماذا يختار هذه المادة دون غيرها؟ وما هي المؤثرات التي ستكسبها صفة الخصوصية والأبعاد الفنية؟ إن عملية التظليل هذه لا تدفع الفنان بعيدا عن مساره الطبيعي وإنما لتحيده جانبا كي يضيف مزاجيته وكوامنه وعواطفه.

لقد أدرك كـلـيـي، الذي يتسم بوضوحه وتواضعه، أن جهود الفرد الذاتية ليست كافية، فمصدر القوة الأساسي يعطيه المجتمع إلى الفنان، وهذا هو ما ينقص الفنان الحديث، فنحن لا نمتلك إحساسا بالمجتمع ولا حتى بالناس الذين نعمل معهم، ومن أجلهم. وهذه هي مأساة الفنان الحديث، فلا يلوم الفنان وما يتصف به من غموض إلا الفرد الذي لا يستطيع أن يرى الانشقاق الحاصل في مجتمعه، والمنفصل عنه روحيا.

إني ولكوني فنانا، اشعر بأني امتلك في دواخلي وسائل أستطيع بها تحريك الآخرين بالاتجاه الذي أرومه. ولست متأكدا من أني سأستطيع استخدام الكلمات لأشعر بالإحساس ذاته. هناك عبارة تقول - الرسام لا يتكلم، إنه يرسم فحسب- ولكي أتجنب اللوم والتوبيخ جراءها، سألقي الضوء على عناصر الخلق في العمل الفني والتي أثناء القيام بالعملية الفنية، تأخذ مكانها في اللاوعي.

هناك صفات مشتركة بين الرجل الاعتيادي والرسام يستخلص من خلالها نتائج لكلا الطرفين، تجعلنا نشعر بأن الفنان ليس بالكائن الذي يختلف تماما عن الشخص الاعتيادي. فهو مثلكم أتى إلى هذا العالم دون أن يعرف لماذا، ذلك العالم المتنوع الذي وجدتم أنفسكم فيه. وهو مثلكم أيضا، عليه أن يشق حياته في حلوها ومرها. انه يختلف عنكم فقط بكونه قادرا على ترأس منصب في الحياة يستطيع من خلاله أن يمارس مواهبه الخاصة، وربما هو سعيد أكثر من الشخص الذي لا يمتلك وسائل تعبير خلاقة، ولا يمتلك فرصة لإخراج كوامنه عن طريق خلق شكل ما. ولكن صفة الفنان هذه، أعني الخلق، هي في الحقيقة عنصر ضمان للفنان وقتما دعت الحاجة له، فهو لديه من المصاعب ما يكفي في مجالات أخرى.

أبعاد الصورة والتحريف

وبالنسبة لـ كـلـيـي يكون الفرق بين الطبيعة والفن هو الفرق بين الأرض والهواء واستجابة وظائف العناصر التي تحت الأرض والتي فوقها. أما مستوى الخلق في العمل الفني فلا بد وأن يرافق عملية التحريف في الصورة الحقيقية للطبيعة وكنتيجة لدخوله مضمار الأبعاد المحددة للفن التصويري حيث في هذه العملية الجديدة تولد الطبيعة من جديد.

وحين يتم تفحص أبعاد الموضوع من خلال زاوية جديدة لا يمكن وصف كيف أن الفنان وتدريجيا يتوصل إلى ما يسمى بالتحريف، وفي الواقع هو تحريف عفوي لأشكال الطبيعة، وبعينه الثاقبة يمحص النظر في لأشكال التي توجدها الطبيعة أمامه، وكلما تعمق في النظر كلما أصبح مستعدا لتوسيع أفق نظرته من الماضي إلى الحاضر، وصار متأثرا أكثر بالصورة الأساسية لعملية الخلق ذاتها، وتصبح كصورة مقدسة بالنسبة له.

فما هي إذن تلك الأبعاد المحددة؟ أولا، هناك العوامل الأساسية المحددة وهي الخط ودرجة التدرج في اللون (tone value)، فالخط هو أحد العوامل الأكثر محدودية ولكونه عامل قياس بسيط وحيد، وعناصره هي الطول (طويل أم قصير) والزوايا (حادة أم منفرجة) وطول القطر والبعد البؤري. وجميعها كميات خاضعة لوحدات القياس. أما القياس فهو هوية هذه العناصر وبدون هذا القياس بلا شك، لا يمكن أن نحدد طول الخط بشكل عفوي.

وحين نأتي إلى تدرج اللون أو كما يسمونه (جايروسكورو) أي اختلاف درجات الظلال ما بين الأبيض والأسود، فإنه يقاس من خلال وحدة الوزن، ويصنف اللون حسب كثافة الأبيض والمرحلة الأخرى بأكثر أو أقل احتواء للون الأسود للحصول على لون كحلي قاتم، هذه المراحل المختلفة يتم وزن كمية اللون فيها، بمقارنة الواحدة تلو الأخرى، فالأسود يمكن عكسه على سطح أبيض، واللون الأبيض يتم عكسه على لوح أسود، والألوان البيضاء والسوداء مع بعضها البعض يتم عكسها على لوح رمادي كوسيط بين اللونين.

وحين نأتي إلى العامل الثالث وهو اللون فإن له صفات مختلفة تماما لا يمكن قياسها أو وزنها ولا يمكننا أن نقيس اللون بمسطرة أو أي آلة قياس أخرى، ولكن نستطيع أن نفرق بين لونين يغطيان المساحة نفسها من حيث أن الأول اصفر خالص والثاني احمر خالص، وهكذا، ومتعلقات كون اللون ناصع أم لا، والفرق الوحيد هو اختلاف الألفاظ! وحين تكون هذه العناصر واهبة لهوية ذاتها حسب العمل الذي تقوم به ثلاث أجزاء منفصلة الواحدة عن الأخرى.

جزء أكبر هو اللون، يحوي على ثلاثة عناصر، وجزء أوسط يحوي على عنصرين، والأصغر على واحد فقط، ألا يكون فن الرسم هو فن الحذف التدريجي؟ حذف ثم لوحة تمازج واستخدام النظام، ثم إظهار عدد كاف من العلاقات فيما بينه، ولذلك يسمح للفرد استخدام عنصر الغموض في عمله حيث تكون هناك حجة داخلية حقيقية له كأن تستدعي الحاجة إلى استخدام خطوط ملونة أو شاحبة جدا.

JPEG - 20.3 كيلوبايت
لوحة

في الحقيقة إن ما دفع بول كـلـيـي نحو التجريد هو اختياره للألوان من خلال الوصف النفسي، ثم استخدامها بشكل مستقل، وبالتالي الحصول على الاندفاع الذي يقوده إلى التجريد وخير مثال على ولوجه عالم التجريد هو لوحته "الحمامات وجامعها" (Hammamet with its Mosque).

عالم الحرية

المرونة، والطبيعة، كلاهما تمرين ينفع العمل الفني الهادف إلى الخلق نفسه، الخلق يمتلك القدرة على تحريك الفنان بصورة رئيسية، وحيث أن الفنان يتسم بالمرونة فهو جدير بأن يعتمد عليها في حصوله على الحرية لتطوير وسائله الخلاقة الخاصة به، يواصل رحلته ويقول لنفسه: "هذا العالم بدا مختلفا في مرة من المرات وفي المستقبل، سيبدو مختلفا أكثر."

في عالم الحرية، عالم الحرية فقط يحصل ما أريد قوله، عالم الحرية الذي يطالب بحقه تقريبا، الحق للفنان بأن يطور الشكل، كما تطور الطبيعة نفسها، من طراز إلى طراز آخر، بسيط. إن الفنان الذي لا يكمل مشواره إلى النهاية، هو متكبر وقلة هم هؤلاء الذين يكتشفون المكمن السري حيث تتطور فيه قوى الطبيعة الفكرية أعيش هناك، وهناك، حيث يكمن منزل القوى، قوى الزمان، ويسمى بالعقل أو القلب الباعث للخلق، يقوم على تشغيل كل تخصص في العمل. مَـن مِـن الفنانين لا يرغب بالإقامة هناك؟ قلوبنا تقودنا دوما إلى التعمق أكثر، أكثر في العمق، لاكتشاف مصادر كل الأشياء.

JPEG - 8.5 كيلوبايت
لوحة

إن ما ينبع عن هذا المصدر مهما أردنا تسميته سواء أكان حلما أو فكرة أو موضوعا فنطازيا يجب أن يؤخذ بصورة جدية فقط، في حالة لو توحد مع وسائل الخلق الملائمة لتشكيل الصورة الفنية للعمل. إن ما يدفعنا للفضول في سبيل معرفة الأشياء يصبح فيما بعد واقعا: واقع العمل الفني الذي يساعد على رفع الحياة لمستوى اعلى من المتوسط، أو المعتدل. إن الأمر لا يقتصر فقط على حد معين وعلى إضافة الروحية للمشهد وإنما أيضا جعل من المشاهد السحرية مشاهد مرئية للعيان. يقول كليـي:

تتوحد مع وسائل الخلق الملائمة ذلك أن في هذه المرحلة، أي مرحلة الخلق، تتحدد فيما لو ستتولد لدينا صور أو أشياء مختلفة. وفي هذه المرحلة أيضا تتحدد نوعية اللوحة، وربما يكون الفنان بذلك فيلسوفا ودون أن يلاحظ ذلك، وإذا لم يبذل جهده في جعل هذا العالم أفضل عالم ممكن، ومن خلال نظرة تفاؤلية ولم يجعله ذا درجة عالية من الرداءة بحيث يمنعه من أن يتلاءم وخدمة الموديل المطلوب فعندها سيقول: هذا العالم في شكله الحالي ليس الاحتمال الوحيد.

وعلى الفنان أن يواصل البحث دون الاستعجال. كل شيء يجب أن ينمو طبيعيا وبذاته، وحين يأتي الوقت المناسب لإظهار هذا العمل هنا تكون السرعة مطلوبة. إن أراد الفنان أن يبدأ، يبدأ من مجتمعه حيث كل واحد منا يعطي ما يستطيع أن يعطيه، وهذا كل ما يستطيع أن يقوم به. عليه أن يواصل المضي في البحث عن الأفكار، عن عالم الحرية الأفضل.

D 1 أيار (مايو) 2011     A دنيا فيضي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عندما تركتً سكني في المدينة/ج2

2.  الموعد القادم

3.  ناجي علوش: الماركسية والمسألة اليهودية

4.  مجلة رسالة الأديب المغربية

5.  المدرسة المأمولة


القائمة البريدية