أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 17: صيف 2020 » أغلى كوب شاي في العالم

فنار عبد الغني - لبنان

أغلى كوب شاي في العالم


فنار عبد الغنياضطررت بسبب ظروف قاهرة ألمت بي للعيش وحدي لفترة شهر واحد خلال عطلتي الصيفية في بيت فارغ من أي شيء له علاقة بضروريات الحياة إلا القليل منها. هذا البيت هو ملكي، اشتريته بالتقسيط غير المريح، وجلّ معاشي الشهري أدفعه لتسديد أقساطه الشهرية والسنوية. أما بيتي الذي أسكنه فقد حيل بيني وبينه، فقد تعرض الحي الذي أعيش فيه لحصار أمني مكثف بسبب لجوء إحدى العصابات إليه واتخاذها بيتا في وسط الحي كمركز لعملياتها الخارجة عن القانون.

وكانت الخطة الأمنية تقتضي أن يتم تفريغ الحي من جميع سكانه من أجل محاصرته وإحكام السيطرة عليه ثم القضاء على أفراد العصابة المتحصنين فيه. الأمر تم بشكل غير متوقع. عندما حدث الاصطدام بين القوة الأمنية وأفراد العصابة، كنت خارج الحي عندما بدأت العملية الأمنية، ولم أجد مكانا أفر إليه إلا الشقة الفارغة التي أدفع ثمنها بالتقسيط، والتي تقع في مكان يشرف على الحي الذي اسكن فيه والذي يتم قصفه حاليا.

وجدت نفسي وحيدة في شقتي الخالية إلا من أصوات الانفجارات التي كان يتبادلها الطرفان خلال العملية الأمنية ونباح الكلاب الجائعة الضّالة. لم أكن أخرج من البيت الفارغ إلا لشراء ما أحتاج من طعام أو ملابس. لم أكن أفكر بشيء، لا بالعودة إلى منزلي وشرب كوب شاي ساخن أخضر أو أسود، لم يكن يشكل ذلك أي فرق عندي، كل ما يهمني هو شرب كوب من الشاي الساخن.

شرب الشاي إحدى العادات التي تتملكني والتي تكاد تكون طبيعة ثانية عندي. أشرب الشاي طيلة اليوم: في الصباح الباكر بعد أداء الصلاة، خلال وقت الراحة في العمل، وبعد العودة من العمل والانتهاء من الواجبات المنزلية. وعندما يحل المساء يكون كوب الشاي جاهزا للشرب وأحيانا قبل النوم بدقائق. والمدهش أنني أتناوله وأغرق في سبات عميق. لا أستيقظ إلا قبل الفجر.

في تلك العزلة، أكثر ما افتقدته هو كوب الشاي. بيتي الفارغ يقع في جهة نائية، بعيدة عن الأسواق. ولقد مرت ببالي فكرة ذات صباح، وهي أن أزور إحدى قريباتي لعلني أحظى بكوب من الشاي الساخن. وقمت فعلا بزيارة قريبة لي واستقبلتني استقبالا لم أكن أتوقعه أبدا. أخذت تشكو من ضيق حالهم وأنهم يتلقون المساعدات لكي يتمكنوا من العيش بستر وعفاف، وأن إحدى المحسنات قد اشترت لهم بالأمس اللحم والبازيلاء والأرز والفاكهة وغيرها. جعلتني قريبتي أعتقد بأني إنسانة انتهازية. آلمني كلامها أكثر من الظرف الذي كنت أمر به. كانت أقصر زيارة قمت بها في حياتي.

في ذلك الصباح، توجهت إلى مؤسسة القرض الحسن وقمت برهن بعض ما أملكه من ذهب مقابل الحصول على مبلغ من المال. حصلت على مبلغ ألفيّ دولار أمريكي من المؤسسة بشرط تسديد مبلغ ألفين وستمئة وأربعين دولارا أمريكيا خلال سنتين من تاريخ استلام القرض. وابتعت بالمبلغ أدوات المطبخ كلها وخاصة فرن غاز إيطالي من النوعية الممتازة. وأول عمل قمت به هو تحضير كوب من الشاي الأسود الذي بقيت أسدد ثمنه طيلة سنتين، ثم قيل لي بعد ذلك أنه عليّ دفع زكاة الذهب الذي تم رهنه. وهكذا ارتفعت قيمة كوب الشاي الذي تناولته إلى ثلاثة آلاف دولار أمريكي.

اليوم، عندما أفكر بالأمر، أسأل نفسي: هل كان يستحق شرب كوب من الشاي كل ذلك، أم أن تلك الـمَـلَـكـة النورانية التي تسكننا لها من العزة ما لا يقدر بثمن؟

D 30 أيار (مايو) 2020     A فنار عبد الغني     C 8 تعليقات

8 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

المجلات الثقافية الرقمية

كلمة العدد الفصلي 17: ويكيبيديا مصدر غير مناسب للبحوث الجيدة

عتباتُ النَّصِ في رواية تُرْجُمان الملك لعمر فضل الله

خطاب الإغراء وصناعة الوهم في الإعلام السمعي البصري

قراءة في كتاب "خربصات في أدب الرّحلة"

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  قصتان: مهذب ومتسخ + لماذا لا يرتاح؟

2.  من تواضع ارتفع

3.  الدائــــرة الضيقـــــة

4.  ضاعَتْ بينَ الرُّكامْ

5.  فوضى الذاكرة


القائمة البريدية