كتاب: المجلات الثقافية الرقمية

تمهيد

تجربة عود الند: 2006-2019


«عود الند» مجلة ثقافية إلكترونية (رقمية). صدر عددها الأول في مطلع شهر حزيران 2006. وانتظمت في الصدور شهريا عشر سنوات متتالية، ثم تحولت إلى مجلة فصلية، أي تصدر أربع مرات في السنة، ولا تزال مستمرة في الصدور.

يوثق هذا الكتاب تجربة مجلة «عود الند» في ميدان النشر الثقافي الرقمي. لا يمكن لمن يؤمن بأهمية الثقافة، والمهتم بأدوار المجلات الثقافية في خدمة الثقافة والسعي إلى الارتقاء بمستوياتها أن يتجاهل هذه التجربة، فهي ليست قصيرة عابرة. ويصدر هذا الكتاب وقد أكملت «عود الند» عشر سنوات من النشر الشهري، وثلاثة أعوام من النشر الفصلي، والنية معقودة على الاستمرار في النشر.

توثيق التجربة ضروري، لأنها إن لم توثق فلن يكون هناك سجل في المستقبل يمكن الرجوع إليه كدليل على أن المجلة صدرت فعلا، ولن يكون لدى المهتمين معلومات عن هذه التجربة: تبلور الفكرة وتطورها، وسياسة النشر في المجلة، ومدى نجاحها كمبادرة وفي خدمة الثقافة، ومدى الإقبال على قراءتها والمشاركة فيها، وجوانب أخرى عديدة.

لم تكن «عود الند» موقعا ثقافيا يضاف إليه مواد جديدة في أي وقت يريده مؤسس الموقع، بل مجلة تصدر مرة كل شهر، ولكن بدل أن تطبع على ورق، وتوزع على المكتبات والمشتركين، تنشر محتويات العدد في موقع المجلة، ويعلن عن صدور عدد جديد بالبريد الإلكتروني وما توفر لاحقا من وسائل إضافية، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعي.

إضافة إلى الانتظام في الصدور، طبقت المجلة معايير جودة لا تختلف عن تلك الممارسة في المؤسسات الرصينة التي تعنى بجودة ما ينشر. تشمل المعايير مراجعة النصوص قبل نشرها، والحرص على كونها ملتزمة بأحكام الطباعة واستخدام علامات التنقيط/الترقيم استخداما صحيحا.

عزز اعتبار «عود الند» مجلة دورية رغم صدروها بصيغة إلكترونية حصولها على رقم تصنيف دولي خاص بها من المكتبة البريطانية، وهي الهيئة المسؤولة عن هذا الأمر في بريطانيا. وكان ذلك في تشرين الثاني 2007. ورقمها هو: ISSN 1756-4212.

لم تكن «عود الند» أول مجلة ثقافية عربية تصدر بصورة إلكترونية فقط، فقد صدرت قبلها مجلات وسبقتها إلى الاستفادة من الواقع الجديد الذي أفرزه تطور التكنولوجيا، وجعل النشر ممكنا دون الحاجة إلى ورق ومطابع، أي النشر الإلكتروني، ممثلا في تأسيس مواقع في الإنترنت. ولكن «عود الند» دخلت مجال النشر الثقافي الإلكتروني ولدي تصور واضح للدور الذي أردته لها، بعد أن بانت الجوانب السلبية للنشر الإلكتروني، وعلى رأسها ضعف التمكن من اللغة العربية الفصحى، وظاهرة النسخ واللصق، والنشر المتكرر.

يتألف الكتاب من فصول عديدة، لكنها قصيرة، تبدأ بفكرة إصدار المجلة، وتطورها وتنفيذها. وتسلط فصول عدة الضوء على الجوانب المختلفة لسياسة النشر في المجلة، وتشرح مبررات عدم نشر الشعر إلا في سياق قراءات لدواوين وقصائد، والإقلال من المقابلات والمواد المترجمة، وغير ذلك من قضايا تحريرية.

وأناقش في بعض الفصول مسائل من قبيل معايير الحكم على رقي المجلات الثقافية، وأبين أن هذه القضية كانت مطروحة في عصر المجلات الورقية، وأن الأحكام كانت ولا تزال معتمدة على أذواق الأشخاص وميولهم الفكرية. وأشرح في أحد الفصول أسباب رفضي تحويل المجلة إلى دورية محكّمة تهم الباحثين الأكاديميين وحدهم، ولا يعنيها الجمهور متنوع الاهتمامات.

وأوضح في الكتاب أسباب اختياري إصدار مجلة ثقافية بدلا من سياسية، والتمسك بخلو
المجلة من الإعلانات، وإتاحة تصفح جميع أعداد المجلة دون قيود، مثل التسجيل في موقعها والدخول إليه قبل التمكن من القراءة.

ويضم الكتاب فصلين أتحدث فيهما عن خطوات تأسيس موقع لإصدار مجلة إلكترونية كـ«عود الند»، ثم المهارات والمعدات والبرامج اللازمة لإصدار مجلة إلكترونية وإدارة موقعها. وأتطرق أيضا إلى موضوع التكاليف المالية المباشرة، أي التكاليف السنوية للموقع. وأشير كذلك إلى التكاليف غير المباشرة، وأهمهما جهود التطوع لإصدار المجلة.

وأسجل في أحد الفصول ملاحظاتي على المواد التي ترسل للنشر في المجلة، مثل عدم الاهتمام بأحكام الطباعة أو الاستخدام السليم لعلامات التنقيط من نقطة وفاصلة وغيرهما من علامات، وغياب أسلوب مرجعي لتوثيق مراجع البحوث.

يتضمن الكتاب مقتطفات من تعليقات كاتبات وكتاب المجلة كتبوها في مناسبات إتمام أو بدء عام من النشر، وهي تعليقات منشورة في موقع المجلة وموثقة بالاسم والتاريخ. وأتحدث في أحد الفصول عن مدى اهتمام الصحف ووسائل الإعلام بأخبار صدور أعداد «عود الند».

وأثير في الكتاب مسألة يجب أن تهم كل أصحاب المواقع الثقافية وغيرها، وهي الحاجة إلى أرشفة محتويات المجلات الرقمية، لتظل متوفرة للأجيال القادمة، أسوة بالمجلات التي صدرت ورقيا في الماضي، وحفظت أعدادها في المكتبات الوطنية أو الجامعية. وكتب لها عمر جديد بتحويلها إلى صيغة رقمية في السنوات الأخيرة.

ولهذا الكتاب من وجهة نظري أهمية إضافية لتعامله المسبق مع احتمال عدم أرشفة أعداد «عود الند». التاريخ لا يكتب نفسه، وكتابته عرضة لأهواء البشر. ودون وجود أرشيف كامل في المستقبل لأعداد «عود الند»، من غير المستبعد أن يكون الحديث عن المجلات الثقافية انتقائيا، فيتم تسليط الضوء على تجارب، وإهمال الحديث عن أخرى، ويشاد بأشخاص، ولا يذكر آخرون قدموا للثقافة خدمات جليلة. ولذا يمثل هذا الكتاب شهادة مقدمة من شخص عاش التجربة بتفاصيلها. لا شيء أفضل من كتاب في حماية تاريخ حدث من الاندثار والنسيان.

عـدلي الـهـواري

لندن، نيسان 2019


الهواري، عدلي. المجلات الثقافية الرقمية: تجربة عود الند 2006-2019. لندن: دار عود الند، 2019.

JPEG - 23 كيلوبايت
غلاف كتاب عدلي الهواري
D 30 أيار (مايو) 2020     A إصدارات عود الند     C 0 تعليقات