أنت في : الغلاف » كتاب: المجلات الثقافية الرقمية » المشهد الثقافي العربي

كتاب: المجلات الثقافية الرقمية

المشهد الثقافي العربي

تجربة عود الند: 2006-2019


كانت القاهرة عاصمة الثقافة والفنون في العالم العربي، ولكن بيروت أيضا أصبحت عاصمة ثقافية ثانية، فالطباعة في العاصمتين كانت مزدهرة، وما لم يكن ممكنا طبعه في القاهرة كان يطبع في بيروت. ظل للقاهرة نقاط تفوق، وخاصة في مجال الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والغناء، وتفوقت بيروت في المسرح الغنائي، وخاصة نتيجة وجود ظاهرة الرحابنة وفيروز.

منذ اختيار الرئيس المصري أنور السادات أن يسير على درب عزل مصر عن بقية العالم العربي بتوقيعه مع إسرائيل معاهدة كامب ديفيد في عام 1979، تأثر موقع القاهرة السياسي والثقافي. وبالنسبة إلى بيروت، فقد عانت من الحرب الأهلية التي بدأت في عام 1975. وكان لخروج فصائل المقاومة الفلسطينية من بيروت في عام 1982 ضربة قوية للوضع الذي تميزت به بيروت التي احتضنت المقاومة الفلسطينية، وساد فيه جو ثقافي له جوانب سلبية بالتأكيد، ولكنه كان حافلا بالنشاط الفكري والأدبي والسياسي.

واصل وضع العالم العربي تدهوره، والعلامة الفارقة في الدخول في مرحلة تردي رهيبة هي الغزو العراقي للكويت عام 1990، وما تبعه من حرب على العراق وفرض حصار اقتصادي قاس عليه، مما أفسد صحة مقولة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ». كأي تعميم، يفتقر هذا القول إلى الدقة، ولكن لا شك في أن العراق لم يعد كما كان بعد قرار الغزو وآثاره المدمرة على الكويت والعراق أولا، ثم تمزيقه العلاقات بين الدول العربية.

بدأت الإمارات العربية المتحدة تؤسس لدور لها كعاصمة فنية وثقافية بدل القاهرة وبيروت. وأصبح الكثير من المسلسلات التلفزيونية ينتج في الإمارات، وتم التعاون مع المؤسسة المشرفة على جائز بوكر (Booker) في بريطانيا لتقديم جائزة للروايات سميت في البداية بوكر العربية، ثم تحول اسمها إلى الجائزة العالمية للرواية العربية. وأصبحت المشاركة في الترشيح لها تسيل لعاب دور النشر والروائيات والروائيين.

كذلك سعت قطر إلى تأسيس وضع مميز لها، وكانت البداية في تأسيس قناة الجزيرة الفضائية، ولكنها أيضا تنظم مسابقة موازية لجائزة الإمارات وهي جائزة كتارا. ومن الظواهر الأخرى افتتاح فروع لجامعات أجنبية في الإمارات وقطر والأردن، ولم يعد وجود جامعة أميركية مقتصرا على بيروت والقاهرة. كذلك افتتح في أبو ظبي فرع لمتحف اللوفر الفرنسي.

الانفتاح على الثقافات الأخرى والتلاقح معها أمر جيد، ولكن الملاحظ أن هذا الانفتاح لا يشمل إطلاق الحريات في الدول العربية. دون وجود الحريات، ينحصر تطور الثقافة والفنون في أطر ضيقة، في حال حدوث تطور. ومن المفارقات أن يكون بوسع الطالب الأجنبي (الفرنسي أو الأميركي أو غيرهما) تنظيم مظاهرات في بلاده، أما الطالب العربي في فرع الجامعة الأجنبية في بلده فهو غير قادر على فعل ذلك.

عندما حدثت مظاهرات جماهيرية ضخمة في نهاية عام 2010 وأوائل 2011 ساد تفاؤل كبير بأن أوضاع الكبت والركود السائدة في العالم العربي بدأت تسير على طريق التغيير نحو الأفضل، وسادت أجواء غير مسبوقة من الحرية في تونس ومصر بعد اضطرار رئيسي البلدين للتخلي عن الحكم تحت ضغط المسيرات الشعبية التي طالبتهما بالرحيل. لكن فترة التفاؤل لم تدم طويلا، وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه في عام 2010، بل أسوأ من ذلك.

في الوقت الحاضر هناك دور نشر عربية كثيرة في مصر ولبنان والأردن. وهي موجودة في الدول العربية الأخرى. وبالتالي الإنتاج الأدبي، خاصة الروائي، غزير. ونتيجة هذه الغزارة، أعتقد أنه ليس بوسع القارئ أو الناقد مواكبة هذا الإنتاج، فأنت كقارئ إذا وددت أن تقرأ لأحد غير معروف بعد، تصاب بالحيرة لتعدد الخيارات.

رغم غزارة الإنتاج، إلا أن ظاهرة بروز أو إبراز أسماء وتحويلها إلى أسماء لامعة يتحدث عنها الكثيرون لا تزال ظاهرة مستمرة. لا أشكك في مواهب وقدرات أصحاب الأسماء المشهورة، ولكني أتساءل: هل يحصل كل كاتب موهوب على القدر المستحق من الاهتمام والاعتراف بحضوره الثقافي؟ في رأيي أن مسار الشهرة تدخل فيه اعتبارات أخرى. وهذه ظاهرة ليست حكرا على العالم العربي، ولكنها تبدو أوسع انتشارا فيه.

المسابقات وسيلة مغرية لجذب الكاتبات والكتاب إلى المشاركة، فهناك جانب مالي للفوز، وهو قد لا يكون الأهم بالنسبة للمشارك/ة، فمجرد الترشيح يتحول بالنسبة إلى الكاتب/ة إلى رصيد يعزز من خلاله الترويج لمكانته، وخاصة عندما يكون الترشيح لجائزة محاطة بكثير من الاهتمام مثل «الجائزة العالمية للرواية العربية»، التي يكون فيها الترشيح على مرحلتين، تبدأ بقائمة طويلة، ثم قائمة قصيرة يتم من بين المرشحين فيها اختيار الفائز/ة.

هذا الانجذاب نحو المشاركة في المسابقات له سلبيات، على رأسها أن الكتابة الآن صارت مدفوعة برغبة المشاركة في الجوائز والفوز. الشاعر مريد البرغوثي، بصفته رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (2014/2015)، قال:

لاحظت اللجنة ترشيحات من دور يبدو أنها تأسست لهذا الغرض لا غير، ونسمع أن هناك دور نشر تتقاضى أموالا من الروائيين بطرق متنوعة. مما يمنع لجان التحكيم من افتراض المفترض، وهو أن موافقة الناشر على نشر الرواية يعني بالضرورة مقدارا أوليا من الجدارة (موقع الجائزة).

إن تظاهر اللجنة بأنها لاحظت هذا الأمر في ذلك العام غير مقنع، لأن نشر الكتب في العالم العربي يتم مقابل دفع الكاتب مبلغا للناشر، وليس العكس. ولكن المهم في الإشارة إلى ملاحظة البرغوثي أن الجوائز عنصر جذب لم يؤد تلقائيا إلى الإسهام في تحسين بيئة النشر في الدول العربية.

ومن الغريب أن تسعى أي دار نشر تعتبر نفسها تقدمية، أو كاتب يعتبر نفسه يساريا، إلى المشاركة في مسابقة تنظم في دولة لا تتوفر فيها الحريات الأساسية للشعب، وفي مقاييس التقدمية/الرجعية المتداولة في العالم العربي، ليست دولة تقدمية. بالتالي هناك عدم توافق بين الفكر والممارسة عند اليساري الذي يهاجم الفكر الرجعي، ثم يشارك في مسابقة تنظمها دولة ترعى هذا الفكر.

علاوة على ما سبق، تتغير لجنة التحكيم كل سنة بإدخال أسماء مشهورة فيها، وهكذا يسهم المشاركون من خلال الأدوار المختلفة في ترسيخ صورة منافية للواقع، فالجوائز تقدم وبيئة النشر في الدول العربية لم تتحسن، ولا معنى لكون منطقة ما عاصمة الثقافة والفن عندما تكون في الوقت نفسه ضد تمتع الشعوب العربية بحريتها وكرامتها.

من الملفت للنظر أن الجوائز وسيلة جذب فعالة حتى لو لم تكن الجائزة مبلغا من المال، بل مجرد شهادة تقدير إلكترونية، أو وسام إلكتروني، فهذه الظاهرة منتشرة، وفيسبوك مليء بالأمثلة على الحصول على وسام إلكتروني من هذا الموقع أو الشخص أو ذاك.

نتيجة الحالتين اتجاه عدد كبير من الناس نحو الحصول على نوع من الاعتراف بهم. البعض يسعى إلى هذا الاعتراف لدى مؤسسات كبرى، وعلى أساس عمل أدبي مطبوع، وآخرون يلجؤون إلى اعتراف مماثل مقابل نص قصير. كلتا الظاهرتين لها جانب سلبي.

رغم انتشار دور النشر، وغزارة ما يطبع من أعمال جديدة، إلا أنني لا أعرف كيف تتعامل دور النشر مع الكاتبات والكتاب. تجربتي في التعامل مع بعض دور النشر العربية سلبية. أول المآخذ عدم التمكن من التواصل مع دور النشر بالطرق العادية (البريد الإلكتروني هذه الأيام) والحصول على رد. وفي حال تكرم أحد بالرد على الاستفسار، لا يوجد استعداد للرد على آخر.

لو تواصلت مع ناشر وقبل المخطوطة المعروضة للنشر، سيرسل إليك عقدا مكتوبا بطريقة تعطي لدار النشر الكثير من الحقوق، وما يعرض عليك ككاتب/ة هو الحصول على عدد محدد من النسخ. ولكن أنت من سيمول طباعة الكتاب، أحيانا تحت مسمى المشاركة في تحمل تكاليف الطباعة والنشر.

وردني مرة عقد من هذا النوع، وأردت تعديل بندين فيه، ولكن الناشر لم يعد مستعدا للتواصل معي. دار نشر أخرى بعثت إليها رسالة إلكترونية، ثم اتصلت بها لأتأكد من وصول الرسالة، وإن كنت سأتلقى ردا، فأبلغتني السيدة التي ردت على الهاتف أن الرسالة وصلت، والرد عليها سيصلني غدا. ولا يزال هذا الغد لم يأت.

دور النشر في الدول الغربية تطلب منك تفاصيل كثيرة قبل أن تنظر في طلبك نشر كتاب. ومن المحتمل كثيرا أن يرفض طلبك. لأني أحب أن أكتب بالعربية، وجمهوري المستهدف في الدول العربية، قررت أن أطبع كتبي في بريطانيا، والتوقف عن إضاعة وقتي في التواصل مع دور نشر ستنشر لك إذا كان لديك الاستعداد لدفع المبلغ الذي تطلبه، ووفق عقد تصوغه لك، وهو بالتأكيد يصادر الكثير من حقوقك.

الطباعة والنشر مسألتان منفصلتان. دار النشر قد تملك مطابع خاصة بها، وربما تطبع كتبها في مطابع لا تملكها. الكثير من الكتب تطبع في بيروت، مع أن دور النشر في الأردن. خدمة طباعة الكتب متوفرة في بريطانيا، وما عليك إلا أن تزود شركة الطباعة بملف إلكتروني له مواصفات معينة، فتطبع لك الكتاب وتأتي به إليك.

أردت أيضا أن يكون للكتاب رقم تصنيف دولي (ISBN)، وهذه الأرقام تعطى، مقابل رسم مالي، للجهة التي تنطبق عليها صفة ناشر. ولذا، تقدمت بطلب للحصول على أرقام (ISBN) باسم شركة سجلتها قبل سنوات في بريطانيا وتحمل أيضا اسم عود الند. وبدأت بعشرة أرقام، ثم طلبت مئة.

لأني أعيش في بريطانيا، طباعة عدد كبير من الكتب وحفظها في بيتي أمر غير معقول. ولحسن الحظ، أدى التطور التقني إلى انتفاء الحاجة إلى طباعة ألف نسخة من الكتاب أو أكثر. وهناك الآن الكثير من الشركات التي تطبع لك العدد الذي تريد من النسخ.

كل هذه التغيرات حررتني من ملاحقة دور النشر العربية من أجل نشر كتاب، ويتم ذلك على حسابي وبعد كثير من المرمطة والانتظار وبشروط لا أشارك في صياغتها. وعليه، بعد تجربة النشر الرقمي، خضت أيضا غمار النشر الورقي، وبشروطي، فنشرت منذ عام 2015 وحتى وقت صدور هذا الكتاب أحد عشر كتابا، تشمل طبعة ثانية من بعض الكتب.

وبهذه الطريقة أطبع الكتاب في التوقيت الذي يناسبني، وأطبع العدد الذي أراه مناسبا. ومن خلال هذه الطريقة، أصبحت عود الند دار نشر مستقلة (صغيرة طبعا)، ونشرت الكتب الورقية. ولأن الكتب تطبع في بريطانيا وتحمل رقم تصنيف دولي، فإن ست نسخ من كل كتاب تذهب إلى مكتبات الإيداع القانوني، وستبقى محفوظة فيها للأجيال القادمة، وإلى أن يشاء الله.


الهواري، عدلي. المجلات الثقافية الرقمية: تجربة عود الند 2006-2019. لندن: دار عود الند، 2019.

JPEG - 23 كيلوبايت
غلاف كتاب عدلي الهواري
D 30 أيار (مايو) 2020     A إصدارات عود الند     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

الغلاف الأمامي + الداخلي

صفحة الحقوق

تمهيد

شكر وتقدير

عود الند: تواريخ

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  رأيك يهمنا

2.  انكسار الذاكرة

3.  مختارات شعرية فلسطينية

4.  نجمة حرة

5.  عندما يصبح الوطن منفى


القائمة البريدية