إبراهيم يوسف

مملكة الجراح ونصوص أخرى

مملكةٌ الجراح

"مملكةُ الغرباء" في "صبرا وشاتيلا" لهيَ أشدُّ قسوةً من "مملكةِ الجراح". ومن التعاسةِ والخيانةِ والخيبةِ والمرارةِ والقتل، أو مما يخطرُ لكِ في البال، فنكبةُ الأوطانِ والجماعاتِ يا صديقتي، من الظلم أن تقاسَ بها متاعبُ الأفرادِ وأحزانهم، ولو بلغتْ من القسوةِ أعلى الدرجات.

"وداد الشركسيَّة" أذهلتْها الحوادثُ عن نفسِها مُذْ خُطِفَتْ، لتفتحَ عينيها تُباعُ رقيقاً أبيضَ في بيروت، هكذا تقولُ الحكاية. اشتراها "اسكندر نفَّاع". فضّلها على زوجتِه ومن أجلها اعتنقَ الإسلام، في إجراءٍ لافِتٍ وسابقةٍ قلَّما حَصَلتْ. لم يسألْها أحدٌ عن أهلِها وبلادِها. نسِيَتْ لغتَها، لم تكنْ تعرفُ لغةً لها غير العربيَّة. وبعد أن ماتَ اسكندر لم تعدْ إلى بلادِها، لكنَّها وهيَ تموتُ غريبةً في أرضٍ لم تولدْ فيها أو تنتسبْ إليها، تذكرتْ في غيبوبةِ اللحظاتِ الأخيرة، وملكُ الموتِ يفاوضُ روحَها، أرضَها وبلادَها وطفولتَها ولغتَها بحنينٍ مشتعل.

تقولُ ممرضةٌ أرمنية كانتْ إلى جانبِها وهي في النزعِ الأخير، إنه تناهى إلى إدراكِها أنها كانت تتحدَّثُ مسحورةً بلغة غريبة عادتْ إليها في لحظاتِ الاحتضار، عن الحنينِ إلى طفولتِها في بلادٍ بعيدة. كانتِ المحتضرة تغنِّي لحناً تردِّدُه مَعَ طلوعِ الروح، والممرضةُ التي تعوَّدَتْ قسوةَ القلبِ في حالاتٍ مماثلة، تجمَّعَتْ في قلبِها دفعةً واحدة مآسي العالمِ بأسره، فانفجرَتْ وبكتْ كما لم تبكِ العمرَ كلَّه.

أجارَتَنا إنَّ الخطوبَ تَنوبُ --- وإنِّي مُقيمٌ ما أقامَ عَسيبُ

أجارَتَنا إنَّا مُقيمانِ ها هُنا --- وكُلُّ غَريبٍ للغريبِ نَسيبُ

الممرضة الأرمنيةُ ستشهدُ مرَّةً أخرى، أنني كنتُ أتوسلُ العفوَ مسحوراً تحتَ سيطرةِ الموتِ من بَشَرٍ أسأتُ إليهم، وطفلةٍ ماتتْ ودُفنتْ في أرضٍ بعيدة.


"حين كنتُ أستجدي"

أليسَ العارُ أن نخدعَ إنساناً لا نعرفُه ما دامَ لم يسىءْ إلينا؟ وخسةً أن نفعلَ وهو في غفلةٍ من أمره، وموجعٌ بعدَها أن نعيشَ طويلاً، وحينَ نموتُ يكونُ في قلبِه حقدٌ علينا؟ لعلَّ الخوف أعلى مرتبةً من الأحزان، حينما يكونُ التكفيرُ وكلُّ المبرراتِ التي تسوقُها له، ليستْ مقبولةً أو كافية ليغفرَ لكَ. وبعْد؛ فأيُّ غبيٍّ أحمق ذاكَ الذي يَدَّعي أن الرَّجُلَ لا يبكي؟

قرأتُ كلاماً "لطاغور"، وبذلتُ مجهوداً جاداً لأنقلَه إليكِ بالأمانةِ المُتاحَة، ولو بكثيرٍ من التواضعِ فيما ذهبَ إليه هذا "الرسولُ" الكريم، فقد وجدتُ فيه ما يعزِّيني في نكبتي وإخفاقاتي المتكررة، وخلتُهُ يكونُ بعضُ عزائِكِ في "مملكةِ الجراح". لهذا؛ أستميحكِ أن أتوجَّهَ بالحديثِ إليكِ عن هذه الخصوصية أمامَ الآخرين.

"حينَ كنتُ أسْتَجْدي، مِن بابٍ إلى باب، لاحَتْ من بعيد مركَبَتُكَ الذهبيَّةُ كأنَّها حلمٌ رائع، فصرتُ أرنو بقلبي وعينيّ إلى من كانَ ملكَ الملوك، وعلّلتُ نفسي بأنَّ أيامَ بؤسي قدِ انقضتْ، وها أنا أنتظرُ منكَ العطايا السَّخِيَّة، منثورةً هنا وهناك على الطريق.

وإذْ تَوَقَفَتِ المركبةُ إزائي، وطالعتْني عيناكَ الرحميتان، نزلتَ وأنتَ تبْتسمُ لي، فشعرتُ أنَّ فرصتي في الحظِّ قد أقبلتْ أخيراً، فالسَّاعةَ ينتهي الفقرُ ويتبدَّدُ الحرمان.

آهٍ أيُّ عَبثٍ مَلَكيِّ هذا؟ حين فتحتَ فجأةً راحتيكَ وأنتَ تسألُني: ماذا أحملُ لكَ من هبات؟ ارتبكْتُ وحِرتُ في أمري. كيفَ تبسطُ راحتيكَ إلى الشَحَّاذِ الذليل لتستجديَ منه يا سيِّدي؟ ثُمَّ تناولتُ مما تسولتُه حبَّةَ قمحٍ صغيرة وألقيتُها بخفةٍ بينَ يديك.

وَلَكَمْ كانَ عَجَبي كبيراً وحيرتي مُذْهِلةً آخِرَ النهار، حينَ وجدتُ وأنا أُفرغُ غلّتي على الأرضِ حبَّةً صغيرةً منَ الذهبِ الخالص، بينَ أكوامٍ منَ الحبَّاتِ الحقيرة، وبَكيتُ أحَرَّ بكاء، وتمنّيتُ لو أنني أُوتِيْتُ الجرأةَ لأهَبَ لكَ نفسي كلَّها".


الخمريُّ لونٌ رائع

ألا تكفي استعداداتُ الفرحِ، لتتحولي يا صديقتي مرةً أخرى من إنسانةٍ لا أرجو أن تكونَ أحبطتْها السنواتُ التي مرَّتْ على ميلادِها، إلى إنسانةٍ محبوبة نشيطة سعيدة ولمَّاحة؛ كما عرفتُها على الدوام؟

"الجاهة" لعلَّها قدومُ أهلِ العريس في خطوةٍ للتعارفِ مَعَ أهلِ العروس، أو تدعيم العلاقاتِ الأسريَّةِ بين العائلتين قبلَ الخطبةِ والزّواج. أرجو أن يسعدَكِ قدومُ ابنتك وزوجها وأطفالهما، وينبغي أن نعترفَ يا صديقتي أننا كبرنا ونحن في غفلةٍ من الزمن.

في هذه الفترة "دعي" الوجعَ والكآبةَ جانباً، وأودِعي "حقيبةَ السفر" التي وضَّبْتِها في مستودعِ الأماناتِ على "المرفأ" أو في "المطار" فالريحُ ليستْ مؤاتية بعد للطيران أو الإبحار. وينبغي أن تكوني على مستوى المسؤوليةِ الطويلةِ التي تحملتِها بمفردك. أتمنى يا صديقتي أن أبتسمَ لمن حولي وأنا في النزعِ الأخير.

"دعي" أولادَك يقودون قواربَهم بأنفسِهم ولا تخافي. إن تصدَّعتْ قليلاً فلن تغرق، أو فليبلغوا الشاطئ كما بلغَه "أوديسيوس" ذاتَ حين.

الشبابُ في الرأسِ وفي القلبِ يا "بينيلوب"، ولو أنَّ "عهدَ الخُطّاب" قد مضى يا صديقتي من زمان لتختاري لنفسكِ زوجاً منهم. لكن لا تقلقي فما زالَ أمامَكِ الكثير غير "الوعدِ والغَزْلِ وحياكةِ الصوف"، مما لم تنجزيهِ بعد.

"دعي" أولادك يختارون بأنفُسِهم ملابسَكِ وكل ما يعجبُهم، لقد تغيَّرَ الزمنُ ونحنُ لا ندري. أمَّا شكلكِ فما زالَ جميلاً يستحقُّ الثيابَ الجميلة. والخمريُّ لونٌ رائع. لا تترددي في قبولِ ما تحمِلُهُ لكِ ابنتكِ من هذا اللون. أؤكدُ لكِ ستجدينَه جميلاً وترسلين لنا صوراً سنُحِبُّها وأنتِ في كاملِ أناقتكِ وفرحك.

أرجو يا صديقتي أن يتممَ اللهُ بالخيرِ مساعيكم، مبروك للعروسين. هيا اضحكي وضاحكي مَنْ حولك، "فليسَ في طبع الليالي الأمان". في العامِ المقبل سنشهدُ دورَ الآخرين. أرجو أن تبقي بخير إلى العام المقبل. في هذا الوقت من كلِّ عام سننتظرُ فرحاً آخر، ونخترعُ آمالاً جديدة أرجو أنَّها لم تضعْ بعد.

متاهةٌ بلا حدود

في سنوات مراهقتي، كنتُ معجباً أيَّما إعجاب بمصطفى لطفي المنفلوطي في "ماجدولين"، و"العبرات"، وفلوبير و"مدام بوفاري" ومحمد عبد الحليم عبدالله في "لقيطة، أو "ليلة غرام" وغيرهم من الكتابِ المغرقين في الرومنسية، ففي ما يقولُه مثلُ هؤلاء الأدباء استجابة كبيرة، لما كانَ يعتملُ في داخلي من رغباتٍ مجنونة، وثورةٍ مكبوتة، وعواطف لا تتوقفُ عند حدود، وكنتُ أدَّعي لنفسي وأقنعُها، أنني أقتبسُ أو أستعيرُ وربَّما أستلهمُ منهم بعضَ الأفكارِ والتعابيرِ ليس إلاَّ، بل كنتُ مؤمناً بأنَّ ما أكتُبُهُ من "إبداعي". لكنني في الواقع كنتُ أسرقُ أو أختلسُ أو أنتحلُ أفكاراً وعباراتٍ بكاملِها. مع مرورِ الزمن بدأتُ أشعرُ بالعيبِ وأخجلُ من نفسي.

الجدلُ يا صديقتي لا يمكنُ أن يُحْسَمَ حولَ موضوعٍ شائكٍ كهذا، وقضايا أخرى كثيرة لا تُحصى ما زالتْ مطروحةً دون إجاباتٍ نهائية. وما نقولُه في الأدبِ والشعرِ ينطبقُ أيضاً على الموسيقى والرسم وغيرهما، فعبد الوهاب والاخوان رحباني مثلاً متهمون أيضاً بالسرقة أو الاقتباس، وبالتحديد من بيتهوفن وموسارت.

جملةُ القول بأنَّ ماهيةَ ألسرقة والاختلاس والانتحال والاقتباس والتحايل والنقل والاهتداء والاستدلال والتأثر وتوارد الأفكار، في الأدبِ والشعرِ وغيرهما من المسائلِ ذات الصلة، لا يمكنُ تحديدُها أو حسمَها ببساطة، بل هي متاهةٌ بلا حدود. الكثيرون من فطاحلِ الشعراءِ والأدباء متهمون بالسرقة، فلا تستغربي كيف يستطيعُ كلُّ مزيّفٍ ماهر، أن ينتحلَ كلاماً يعجبُه فيقتبسُه وينسبُه إلى نفسِه، ولا يتركُ حجةً تقومُ ضدَّه. والاقتباسُ هل هو ممارسةٌ إبداعية حقيقية، أم أنه أسلوبٌ من مُحَسِّناتِ وتجميلِ المقال ورونقِ الأسلوب؟ أو أنه يندرجُ تحت عنوانِ السرقة؟ لا أدري. لكنني باختصار أستطيعُ القول: لا يجوز إعادةَ صياغةِ فكرةٍ ما بأسلوبٍ مختلف، والادعاء أنَّها من ابتكارنا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206368

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC