عدلي الهواري

كلمة العدد 69: عن الانتماء لقيم

عدلي الهواريعندما يتعمق الإنسان في مفهوم الانتماء، سيجده فضفاضا كغيره من المفاهيم، ولكنه مفهوم شائع ويولى أهمية كبرى.

في بعض الحالات يكون الانتماء على شكل عملي كالانتماء إلى منظمة سياسية أو رابطة مهنية، بمعنى أن يختار الإنسان العضوية فيها، وممارسة ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات.

هناك انتماءات كثيرة رسمية وغير رسمية، بعضها يكون إلزاميا ومطلوبا، وبعض آخر يتم الانتماء إليه بمحض الإرادة.

ثمة تأكيد دائم على أهمية الانتماء، ولكن سياق الأهمية يختلف من شخص لآخر، فقد يكون هناك تأكيد على أهمية الانتماء إلى بني البشر من ذوي البشرة البيضاء، وينطوي ذلك على النظر بعنصرية إلى كل من له لون بشرة مختلف.

أحيانا يطالب الانسان بالانتماء إلى ثقافة جديدة تشمل أمورا لم يعتد عليها، فالمهاجر العربي أو المسلم في الغرب لا يكون في العادة متقبلا لتناول المشروبات الكحولية وأكل لحم الخنزير. البعض يتجاوز ذلك، ويصبح الأمر عاديا. الأغلبية لا تفعل، وتبقى منتمية إلى هذا الجانب من ثقافتها الأصلية.

ومن ناحية ثانية، رغم سعي الانسان المهاجر أو اللاجئ للانتماء إلى البيئة الثقافية الجديدة يبقى انتماؤه مرفوضا، رغم الحصول على الجنسية الفرنسية أو الأميركية أو غيرها، فامتلاكها يعطيه حقوقا قانونية وما يترتب عليها من حقوق أخرى كالحقوق السياسية التي تشمل حق المشاركة في الانتخابات كناخب أو مرشح. ولكن باستثناء حالات قليلة، يكون الانتماء إلى الثقافات الجديدة قانونيا، ويبقى الاجتماعي محدودا. وكثيرا ما يطالب المهاجرون بالاندماج في المجتمعات الجديدة، ويغيب عن مطلقي هذه الدعوات الصد الذي يلقاه المهاجر في محاولته الاندماج.

من الانتماءات الطوعية انتماء الانسان إلى قيم، ومع أن ايحاء معنى كلمة "قيم" إيجابي إلا أني أود أن اعتبر القيم من نوعين: القيم السلبية، كالجشع والأنانية، والقيم الايجابية كالأمانة والتواضع. رب قائل يقول: "كيف يمكن وضع الجشع في قائمة القيم؟" السبب أن الجشع قد لا يعتبره ممارسوه قيمة سلبية، فالساعون إلى الثروة بلا حدود يعتبرون ذلك قيمة ايجابية لا سلبية، بينما يراها آخرون سلبية لتحولها من جمع ثروة إلى جشع، ولذا لا يخلو التصنيف من حكم شخصي على ما هو سلبي وإيجابي.

خلال جيل أو اثنين على الأكثر حدث في العالم العربي اختلال في الانتماء إلى القيم، فبعدما كانت القناعة كنز لا يفنى، صار تكديس الأموال بلا حدود غاية. وبعدما كان الطالب يحترم أستاذه ويعمل بمقولة "من علمني حرفا كنت له عبدا" اصبح الأستاذ يتعرض للضرب من الطالب.

وبما أننا اليوم في عصر المطالبة بالحرية والكرامة في العالم العربي يلاحظ أن بعض المطالبين بالحرية لا يرون فيها إلا بعض الحقوق الفردية، كحرية تناول المشروبات الكحولية أو حرية أن يتصور الشخص عاريا وينشر الصور على الملأ. والتبس فهم الحرية على البعض بحيث أنهم نسوا أن البلدان العربية حصلت على الاستقلال بعد تضحيات جسيمة، وما يهمهم الآن هو الاستقلال الشخصي الذي هو في الواقع وهم إذا كان في إطار لا يوفر للجميع الحريات العامة المتعارف عليها ضمن الميثاق العالمي.

وينسى المهتمون بحقوقهم الشخصية أولا، التي تختلف من شخص إلى آخر، أن الحريات الفردية مختلف على حدودها حتى في الدول التي تكفل للفرد عدم التدخل في شؤونه الشخصية، فتعاطي المخدرات مخالف للقانون، وحرية التعري عندما تتحول إلى أفلام جنسية توضع عليها قيود إذا لم تكن ممنوعة.

ثمة قيم تتغير، لا شك في ذلك، وهذا أمر طبيعي وصحي. على سبيل المثال، كان تعليم المرأة أو عملها أمرا غير شائع، أما اليوم فهو شائع جدا. ولكن هناك قيم يجب أن تبقى ثابتة كالصدق والأمانة، والحرص على الحقيقة، وأن تحب لغيرك ما تحب لنفسك. قائمة القيم الإيجابية طويلة، وقد أكون "دقة قديمة" في نظرتي إليها، ولكني أرى حاجة اليوم للتذكير بها، وفي رأيي أن الانتماء لها أعلى درجات الانتماء.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC