مثنى حامد - الأردن

النص الإحالي والنص المُنتِج

مثنى حامدلم يعد السرد حكرا على الكلمات، كما لم تعد الكلمات تحتكر المعنى، إضافة إلى أن المعنى لم يعد ينتج عن الوعي الخاص بالكاتب فقط، أو حتى بالقارئ، فالهيمنة المستمرة للمعنى الواحد هي للنص المقدس فقط. وعندما يتحول النص الأدبي إلى وصي على المعنى المتوهم، ويسمى المعنى المقترح "تحريفا"، تكتمل حينها عوامل تقديس النص ويتحول الناقد إلى رجل دين.

ولا يريد النص المبالغة بالإحالة، وإنتاج خيالات غير معتمدة عليه، ولو حصل مثل ذلك فنتيجة لفشل النص، فكلمة "سيارة" لم ينتجها النص، وهي تحيل إلى صور شتى بدءا من التصنيع إلى كافة ممارساتها وأشكالها، بينما هي في النص كلمة واحدة منزوعة من العالم الواقعي.

ولكي ينتج النص "سيارة" عليه أن يشكل حاجة نصية لإنتاج سيارة، فيما يحق للقارئ أن يلغيها ويستعمل عربة خيل، فالنص الجيد ينتج أدواته التعبيرية، دون احتكار لشكل واحد من المعنى، بينما النص الرديء يحيل أكثر مما ينتج، ويقتبس بغير حاجة. وهذا ليس نقضا لمقولة فولتير الصائبة التي تقول "النص الجيد لا يكتبه كاتبه فقط وأن القارئ يكتب نصف النص". ولكن النقض هو للإحالة المستمرة، وانتزاع العالم الواقعي ولصقه بالنص حتى لو كان النزع طوعيا، فإعادة رسم الواقع تجعل القارئ يقول "آه إنه يصف السيارة كما لو أنها أمامي".

ولكن لو ذهب القارئ إلى مرآب بيته، ونظر لسيارته لأغناه فعله هذا عن قراءة النص. ولكن ما هي الحدود الفاصلة بين السيارة الملصقة بالنص، والسيارة التي ينتجها النص؟ وكيف يمكن للأدوات الواقعية المجردة إنتاج معاني بذاتها، دون الاستعانة بالجمل الأدبية؟

هشام بستانيلكي لا تزيد الفجوة بين التنظير والتطبيق، وهو ما تعاني منه بعض الدراسات النقدية، ادلل بنصين يمكن لهما المساعدة على تنسيق الأفكار، وإيضاح المقصد من الكلام السابق، وأول هذين النصين مشهد أو قصة قصيرة جدا بل هي "ومضة قصصية" من مجموعة "أرى المعنى" للكاتب الأردني هشام البستاني، رغم ما يمكن لهذه الومضة من إثارة بلبلة لمفهوم المقال كله.

"توقفت الحرب فجأة ما أن صاح مديرُ الموقع:

CUUUUUTTT

أُخلي القتلى ودوّت أصواتُ سيّارات الإسعاف الحادّة وهي تنقل المُصابين.

قبلها كان صوتُ المُخرج قد أتى عبر سمّاعة الأذن: "فاصلٌ إعلانيّ"، وانهالت دعاياتُ الفوطِ النسائيّة والعطورِ وزيت القلي والشيبس. وبعدها جاء صوتٌ أنثويٌّ ناعم: هذه الحرب تأتيكم على الهواء مباشرة برعاية...

... ودوت الانفجاراتُ مرّةٌ أُخرى."

بداية، النص يكاد يكرر مشهدا يوميا مألوفا لدينا، عشناه طيلة أسابيع أثناء الحرب الغاشمة على العراق، وهو بالنتيجة محاكاة لفعل تكرر بتفاصيله. ولم يقم الكاتب بأكثر من إدراج أسماء للكثير من الحاجات الاستهلاكية.

وحري بالقارئ أن يدرج النص السابق تحت خانة النزع من العالم الواقعي، أو ما يمكن أن نسميه "النص الإحالي". ولكن لو كان هذا هو المقصد لما تكلفنا عناء اقتباسه هنا. لنعيد الآن إخراج ما في النص من مسميات. في الفقرة الأولى: " قتلى، سيارات إسعاف، مصابين".

وفي الفقرة الثانية: "الفوط النسائية، العطور، زيت القلي، الشيبس"، نلاحظ أنه ليس في المشهد السابق جمل أدبية مموهة بالعاطفة، وهذا ما ذكرته في بداية المقال عن أن النص لم يعد يعتمد على الكلمات فحسب، ففي المشهد المقتبس يقترب عدد الكلمات من خمسين كلمة.

إذن النص هو إدراج لمسميات تجارية واستهلاكية جاهزة، مع إضافة جملتين أو ثلاث عن أصوات سيارات الإسعاف وغيرها، وهذا ما يمكن اعتباره إحالات عن العالم الواقعي. ولكن النص ليس كذلك، فهو قد أنتج هذه المسميات بالكامل، وخرجت مع القارئ من صميم النص، وليس عن الطريق الإحالة والنزع من الواقع. كما أن خصوصية "الومضة القصصية" تتطلب مساحة معينة وتكثيفا عاليا، لتقدم بمجموعها نوعا من الصدمة للمتلقي.

ما أريد أن أكرره هو أن الكاتب اجتزأ المشهد من العالم الواقعي، وصبه في النص. ولكن النص أعاد تشكيل المشهد بحيث بدا وكأن النص هو الذي أنتج المشهد، ولم تعد الإحالة للعالم الخارجي مهمة.

جاء النص السابق ليتهم وليشيع مساحة من الحزن والفجيعة عبر المقابلة بين الفقرتين، وعبر تسمية التفاصيل بطريقة عابرة دون محاولة لاستعمال المزيد من الإطناب والتوضيح، وهو ما اسميه الاقتصاد في الكلمات. ولا اعني بالاقتصاد عدد الكلمات، أو اتهام الحشو فقط، ولكني عنيت تجريد اللغة من مشاعرها الإنسانية المثقلة بالعاطفة، وإيجاد مساحة للمتلقي لتشكيل مشاعره بنفسه.

كما أن النص اعتمد على تقنيات أخرى غير الكلمات، مثل الصورة، والبياض، ومط الحروف، والخلفية الجاهزة في ذهن المتلقي وغيره.

يقدم لنا الشاعر يحيى حسن جابر شكلا مماثلا لما استشهد به ولكن من ميدان الشعر. هل هذا ممكن؟ هل يستطيع الشعر إقامة نص بلا جمل أدبية مموهة بالعاطفة، ودون إحالات كثيرة لما يجري في العالم الخارج عن النص؟ لنقرأ:

مطر وغروب وشباك

وسيارة إسعاف بين الغيوم

هيكل عظمي يبتسم

خلف الزجاج

يقبض على أمي

يجرها إلى غرفة ضيقة

في مقبرة الضيعة

أنا والأخوة والأقارب فوق رأسها.

خرج الجراح متثائبا...

......

وتشطف الخادمات

صرخاته من الممرات

يستند إلى جدار السماء

أرسل ملاكا بمكنسته

لينظف حقل جسدها

من روث السرطان

لا احد يسمع

ستغادرنا كسحابة

ستصعد إلى أعلى قلعة

تلتقط صورة تذكارية

مع ذلك الضاحك فوق قوس العالم.

موت الأم في النص، مشهد معاش يمكن إعادة تذكره لدى الكثيرين ممن فقدوا أحبة بمرض السرطان. وتبدو التفاصيل فوتوغرافية: سيارة إسعاف، هيكل عظمي، غرفة ضيقة، مقبرة الضيعة، أنا، الأخوة، الأقارب، السرير، الجراح، الخادمات، الممرات، السرطان، إلى آخره.

النص هنا يغري بتقسيمه تحت خانة المباشرة أو "النص الإحالي"، أي أنه يحيل إلى تكرير الحدث، والشاعر هنا مجرد ناقل، ولكن هذا التقسيم هو تقسيم القراءة السطحية التي تقفز عن الكلمات قفزا.

وعند التأمل في النص نستطيع تقرير بعض الحيثيات مثل أنه يخلو من الجمل الأدبية، ولا مكان فيه للكلمات التي تفيض بالمشاعر الحزينة، أو بوصف حالة الفجيعة، أو ترسيم كنه الشعور الذاتي لفقدان الأم. ولكن مرة أخرى بجعلنا النص بالرغم من ذلك نكتفي بأدواته التي أنتجها، فهو يقدم لنا الموت مجردا من كل قدسية، وبشكل عابر، الأمر الذي يزيد من مساحة السخرية السوداء من هذا الرحيل القسري.

ومن جديد النص في كثير من مساحته هو إعادة سرد تفاصيل ومسميات عادية، إلا أنه أعاد تشكيل هذه التفاصيل والمسميات بحيث بدا وكأنه هو الذي أنتجها، ورغم أن الخلفية الذهنية لشكل الجنائز حاضرة في ذهن المتلقي، إلا أنه ليس بحاجة لمزيد من الإحالات لما هو خارج النص، فرائحة الموت تفوح من القصيدة، والحزن العام مخيم فيها.

والتجربة هنا ليست ذاتية محلية، ولكنها تجربة عالمية، يفهمها الجميع، وذلك أن النص لا يسيطر على معنى واحد، وإنما هو يجرد الموت من أشكاله التي هي من صنع البشر، ويعيده إلى خانته الأولى وشكله البدائي المرعب. فعلَ النص السابق ذلك دون الاعتماد على الكلمات فحسب.

في النصين السابقين يمكن للأشياء أن تدرك، وليس أن تعرف، ذلك أنها معروفة، ونحن هنا نقتبس مقولة شكلوفسكي عن وظيفة الفن الذي هو في الأساس ما يمنح الإحساس بالأشياء كما تُدرك وليس كما تُعرف. لهذا عندما اخترت النصين السابقين كان ما أريده هو إيضاح ما يمكن للنص أن يقدمه دون الاعتماد الكلي على الكلمات، وذلك أن الحرارة التي تشيع في النصين ليست نتيجة للكلمات فحسب، بل لم تقدم الكلمات سوى الحقائق وبشكل مجرد، ولكن النص ككل سمح للأشياء التي لا حياة فيها بتشكيل انفعالات لدى المتلقي.

يمكن المقاربة مع مشهد سينمائي من أحد أفلام المخرج المصري يوسف شاهين، تقوم فيه الأم بإرسال من يقتل حبيبة ابنها، ولكن لخطأ ما يتم قتل الابن والحبيبة معا. إذن الأم تقوم بقتل ابنها الوحيد مع حبيبته. المشهد التالي والأخير في الفيلم تظهر فيه الأم بملابسها الرسمية تسير في الشارع وكأنها في طريقها إلى العمل. هذا المشهد الختامي يعبر بشكل فاجع عن مصاب الأم الذي هو اكبر بكثير من مجرد البكاء والعويل.

هذه الحقيقة التي قدمها المشهد السينمائي، قدمها بشكل عابر وبدون معونة وإطناب في التعبير كما لو كان المشهد يحتوي على مشاعر عاطفية (جمل أدبية)، مثل بكاء الأم أو تمزيقها ملابسها أو ما شابه.

وأخيرا لو كان جان كوين حيا ويعيش قريبا من بيتي لكنت دعوته على العشاء مكافأة له على جملته الشهيرة: "لماذا نقول: هذا المنجل الذهبي، ولا نقول ببساطة هذا القمر؟"


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC